بدأ من الصين أيضا.. هل يصبح "كورونا" مثل طاعون "الموت الأسود" قاتل الملايين في العصور الوسطى؟! - الجزء الثاني

روايات مفزعة..يروي المؤرخ المصري جمال الدين بن تغري بردي (ت 874هـ) في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" ابتداء هذا الطاعون القاتل في مصر في خريف سنة 748هـ/1347م قائلا:"كان فيها الوباء الذي لم يقع مثله في سالف الأعصار، فإنه كان ابتدأ بأرض مصر آخر أيام التخضير في فصل الخريف في أثناء سنة ثمان وأربعين، فما أهلَّ المحرّم سنة تسع وأربعين حتى اشتهر واشتدّ بديار مصر في شعبان ورمضان وشوّال، وارتفع في نصف ذي القعدة، فكان يموت بالقاهرة ومصر ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف نفس إلى عشرين ألف نفسٍ في كلِّ يوم، وعملت الناس التوابيت والدّكك لتغسيل الموتى للسبيل بغير أجرة، وحُمل أكثر الموتى على ألواح الخشب وعلى السلالم والأبواب، وحُفرت الحفائر وأُلقِيت فيها الموتى، فكانت الحفيرة يُدفن فيها الثلاثون والأربعون وأكثر، وكان الموتُ بالطّاعون، يبصقُ الإنسان دما ثمّ يصيح ويموت، ومع هذا عمّ الغلاء الدنيا جميعها، ولم يكن هذا الوباء كما عهد في إقليم دون إقليم، بل عمّ أقاليم الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا جميع أجناس بني آدم وغيرهم، حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البرّ"[10].

ويؤكد ابن تغري بردي أن هذا الوباء العظيم كان مصدره من بلاد "القان" أو "الخان الأكبر" وهي بلاد الصين أو كما كان المسلمون يُطلقون عليها آنذاك "الإقليم الأول"، ويسرد تفاصيل ذلك وسبب العدوى قائلا: "كان أوّل ابتدائه من بلاد القان الكبير حيث الإقليم الأوّل (الصين)، وبعدها من تبريز إلى آخرها (آسيا الوسطى) ستّة أشهر وهي بلاد الخطا والمغُل وأهلها يعبدون النار والشمس والقمر، وتزيد عدّتهم على ثلثمئة جنس فهلكوا بأجمعهم من غير علّة، في مشاتيهم ومصايفهم وعلى ظهور خيلهم، وماتت خيولهم وصاروا جيفة مرمية فوق الأرض؛ وكان ذلك فى سنة اثنتين وأربعين وسبعمئة. ثم حملت الريح نتنهم إلى البلاد، فما مرّت على بلد إلّا وساعة شمّها إنسان أو حيوان مات لوقته، فهلك من أجناد القان خلائق لا يحصيها إلا الله تعالى. ثمّ هلك القان وأولاده الستّة ولم يبقَ بذلك الإقليم مَن يحكمه"[11].

وتمدّنا المدونة التاريخية العربية بمعلومات صادمة وقاسية لما شهده الناس آنذاك من مصيبة هذا الطاعون، وكيف حاولوا مواجهته بالصبر والدعاء والتوبة والاستغفار والقنوت، والخروج جماعات بمختلف طبقاتهم الاجتماعية وعلى رأسهم الأمراء والفقهاء إلى الساحات العامة للدعاء، يقول العلامة تقي الدين المقريزي (ت 845هـ) في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك":

"وفي يوم الجمعة سادس رمضان (749هـ) نودي أن يجتمع الناس بالصناجق (الأعلام) الخليفية والمصاحف عند قبة النصر، فاجتمع الناسُ بعامة جوامع مصر والقاهرة، وخرج المصريون إلى مُصلى خولان بالقرافة واستمرت قراءة البُخاري بالجامع الأزهر وغيره عدّة أيام، والناس يدعون الله تعالى ويقنتون في صلواتهم ثم خرجوا إلى قبّة النصر (شمال القاهرة)".

بيد أن هذه الإجراءات لم تُقلِّل من كارثية الأوضاع، فيصف المقريزي أعراض المرض وحصاده للأرواح: "وحدث في شوال بالناس نفث الدّم، فكان الإنسان يحسُّ في بدنه بحرارة، ويجدُ في نفسه غثيانا فيبصقُ دما ويموت عقيبه، ويتبعه أهل الدار واحدا بعد واحد حتى يفنوا جميعا بعد ليلة أو ليلتين، فلم يبقَ أحدٌ إلا وغلبَ على ظنه أنه يموت بهذا الداء، واستعدّ الناس جميعا وأكثروا من الصدقات وتحاللوا وأقبلوا على العبادة، ولم يحتج أحد في هذا الوباء إلى أشربة ولا أدوية ولا أطباء لسرعة الموت. فما تنصّف شوال إلا والطرقات والأسواق قد امتلأت بالأموات، وانتُدبت جماعة لمواراتهم، وانقطع جماعة للصلاة عليهم... وخرج الأمر عن الحدّ، ووقع العجز عن العدو، وهلك أكثر أجناد الحلقة".

ويكمل المقريزي حكيه تلك المشاهد المأساوية الصادمة بقوله: "وما أهلّ ذو القعدة (سنة 749هـ) إلا والقاهرة خالية مقفرة لا يُوجد في شوارعها مارٌّ بحيثُ إنه يمر الإنسان من باب زويلة (جنوب القاهرة) إلى باب النصر (شمال القاهرة) فلا يرى مَن يُزاحمه لكثرة الموتى، والاشتغال بهم، وعلَت الأتربة على الطرقات، وتنكّرت وُجوه الناس، وامتلأت الأماكن بالصياح فلا تجدُ بيتا إلا وفيه صيحة، ولا تمر بشارع إلا وفيه عدّة أموات، وصارت النعوش لكثرتها تصطدم والأموات تختلط... وبقيت الأزقة والدروب مما فيها من الدُّور المتعددة خالية، وصارت أمتعة أهلها لا تجدُ مَن يأخذها، وإذا ورثت إنسانٌ شيئا انتقل في يوم واحد عنه إلى رابع وخامس"[12].

  

السفاح في العالم الغربي! 

  على الجانب الآخر من البحر المتوسط، في الشمال، كان العالم المسيحي ينعى حظّه، وقد تملكه الرعب والفزع ومشاهد الموت الأسود، كانوا يُطلقون عليه "السفّاح"، وابتُليت به شعوب بأكملها، مثل جنوة والبندقية ومسينة الإيطالية وغيرها، وظهرت العدوى بصورة بشعة سريعة في شهور سنة 1347م.

فـ"سرعان ما مقت الناسُ بعضهم بعضا بشدّة، لدرجة أنه إذا ما هاجم المرضُ ابنا فإن أباه ما كان ليعتني به، وإذا حدث -وبالرغم من كل المخاطر- وتجرأ ودنا منه فإنه كان يُصاب بالعدوى في الحال، ولا مفرّ من الموت في غضون ثلاثة أيام. لم تكن هذه نهاية المطاف؛ فكل أولئك الذين يخصُّونه أو يقيمون في المنزل نفسه، حتى القطط والحيوانات الداجنة الأخرى، كانوا يتبعونه إلى القبر، فيما تزايدت أعدد الموتى في مسينة، تمنى كثيرون أن يعترفوا بخطاياهم للكهنة، وأن يحرروا وصاياهم وشهاداتهم الأخيرة، إلا أن القساوسة والمحامين والوكلاء القانونيين رفضوا الدخول إلى منازل المرضى، فإذا ما وطئ أحدهم بقدمه مثل هذا المنزل ليُحرّر وصية أو لأي أغراض أخرى حُكم عليه بالموت المفاجئ. الرهبان المنتمون إلى رهبنة الفرنسيسكان والرهبان الدومنيكان وأعضاء الرتب الدينية الأخرى الذين استمعوا إلى اعترافات المحتضَرين، كانوا يقعون فريسة للموت في الحال، بل إن البعض ظلوا في غرف المحتضَرين"[13] .

كان الناس في أوروبا يفرون من المدن إلى الحقول والبراري هربا من هذا "السفاح"، إلا أن كثيرين منهم كانوا يخرون صرعى في الطرقات، وبعضهم كان يتجه صوب الموانئ التي لم يصبها المرض بعدُ، فقد استقبل أهل كاتانيا عشرات من مرضى الطاعون لعلاجهم في مستشفياتهم، بيد أنهم أدركوا فداحة ما وقعوا فيه، إذ سرعان ما طُرحت الجثث في خنادق خارج الأسوار، وجرى فرض القيود الصارمة على الهجرة إليهم حتى وصفهم الراهب مايكل من بلدة بياتسا الإيطالية بأنهم "كانوا أشرارا، وكان يتملّكهم الخوف لدرجة أنه لم يكن أحد منهم يتعامل مع اللاجئين أو يتحدث إليهم، إنما كلٌّ كان يفرُّ سريعا لدى اقتراب هؤلاء اللاجئين"، لكن في النهاية "فقدت بلدة كاتانيا جميع قاطنيها؛ ليطويها النسيان"[14]!

تطابق الأوصاف والأعراض

تطابق وصف المؤرخين المسلمين والمسيحيين لهذا المرض الذي كان يفتك بالجميع في غضون ساعات قليلة، فبعضهم كان يموتُ في اليوم نفسه الذي أصابته العدوى، وبعضهم كان يقاوم ليومين أو ثلاثة على الأكثر، حيث تبدأ بالحمى ثم قيء الدم ثم الموت في نهاية المطاف، وهي أعراض لا تزال تشبه أعراض بعض أوبئة زمننا هذا، مع فارق أننا أصبحنا أكثر قدرة وسرعة على إدراك ماهية المرض، وكيفية تأثيره وانتشاره بين السكان، وإمكانية توفير العلاج والأمصال اللازمة له، فقد ظل الناس حتى القرن التاسع عشر الميلادي يجهلون هذه الأمور إلى حدٍّ كبير.

 

ولئن تطابق وصف المؤرخين من المسيحيين والمسلمين لهذا الطاعون القاتل فإن أسبابه في نظرهم لم تختلف كثيرا، فقد عجز الطب في العصر الوسيط عن تحديد أسباب الطواعين وخلطه بينها وبين الأمراض الوبائية الأخرى، وجعل الأطباء والفقهاء الذين تصدّوا لهذا المسألة يذهبون مذاهب شتى في تفسير ما حدث، وقد تراوحت هذه التعليلات ما بين ربطها "بفساد الهواء في الطبيعة" وارتباط الطواعين بها، وهو رأي يذهب إليه الأطباء، وأخرى غيبية وأخلاقية ركّز عليها الفقهاء وعلوم الشريعة ربطت ما يقع بسبب عدم تقيّد الناس بأحكام الدين، وكلا التحليلين كان النقاش دائرا حولهما بتمامهما في الغالب الغربي والمسيحي آنذاك[15].

  

على أن ما يلفت النظر في تلك الجوائح الكبرى مثل طاعون "الموت الأسود" في العصر الوسيط، وأوبئة "سارس" و"كورونا" في العصر الحديث، أنها خرجت من بقعة جغرافية واحدة وهي "الصين"، وأن سبب هذه الأوبئة القاتلة ينبع في الأساس من عدوى القوارض وأمثالها كما مرّ بنا، فهل لذلك سبب وعلاقة مباشرة بثقافة الصينيين الدينية والأخلاقية وإمكانية قبولهم لهذه "القوارض" كطعام مُستساغ؟ فكما قيل أخيرا إن ظهور كورونا قد يكون سببه "حساء الخفافيش وأكلها"[16]، وتلك مسألة معقّدة تتعدى ثقافة الطعام إلى البحث عن سؤال ماهية الثقافة الصينية ذاتها وقواعدها وبُناها الداخلية، ورؤيتهم للعالم والأشياء والحيوانات، والمحظور وغير المحظور، والتي باتت تتعدى النفس إلى أذى الآخر بل وإهلاكه!

إضافة تعليق

19 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.