بدر عابدين.. مرشد مرب.

كان له مجلس وعظ في الجامع الأموي أقبل عليه فيه الناس، وكان يتبسط مع العامة ويخاطبهم بلغتهم. وتوفر على حلقات خاصة في الوعظ والإرشاد باللغة التركية في أشهر رمضان وشوال وذي القعدة، في داره وفي الجامع الأموي لإرشاد الحجاج الوافدين من البلاد التي تتكلم بتلك اللغة، ولهذا اشتهر في تركية ويوغوسلافيا السابقة خصوصاً.
بدر عابدين
1313 - 1402هـ = 1897 - 1981م
محمد بدر الدين بن محمد كامل عابدين: مرشد مرب.
ولد بدمشق، وتعلّم في مدارسها الابتدائية، ثم التحق بالكلية الصلاحية في القدس وتخرج بها عام 1333هـ ثم التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش العثماني برتبة ملازم، فخدم في منطقة أضنة، كما خدم في فرقة فوزي القاوقجي حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى.
كانت نيته الالتحاق بالأزهر فلم تتحقق، فتلقى العلوم الشرعية عن شيوخ الشام كالشيخ إبراهيم الغلاييني وفي داره بقطنا ارتدى زي أهل العلم، والشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ علي الدقر، والشيخ عطا الكسم، وأجازه وأذن له بالتدريس بمساجد دمشق بموجب قرار دار الفتوى تاريخ 13 جمادى الأولى سنة 1357هـ/1938م، كما قرأ على الشيخ الطبيب أبي اليسر عابدين، والشيخ عبد القادر الإسكندراني.
اشتغل إلى جانب ذلك بسلك التعليم في قطنا ودوما بدءاً بسنة 1338هـ/1919م وأخذ عليه المستشار الفرنسي لوزارة المعارف حماسته الدينية فعاقبه بالنقل إلى مدارس حوران ثم القنيطرة، بعدها نقل إلى ببيلا بالغوطة، ومنها إلى مدارس دمشق حتى أحيل على التقاعد سنة 1376هـ/1956م.
كان له مجلس وعظ في الجامع الأموي أقبل عليه فيه الناس، وكان يتبسط مع العامة ويخاطبهم بلغتهم. وتوفر على حلقات خاصة في الوعظ والإرشاد باللغة التركية في أشهر رمضان وشوال وذي القعدة، في داره وفي الجامع الأموي لإرشاد الحجاج الوافدين من البلاد التي تتكلم بتلك اللغة، ولهذا اشتهر في تركية ويوغوسلافيا السابقة خصوصاً. كما تولى الخطابة في جامع بعيرة بمنطقة السبع بحرات مدة غير يسيرة.
شارك بتأسيس أول جمعية لتعليم الطلاب الأتراك في دمشق سنة 1379هـ/1959م باسم «جمعية إسعاف طلاب العلوم الشرعية الإسلامية» في باب الجابية، وتفرع عنها «معهد إحياء العلوم الشرعية» ضم طلاباً من تركية ويوغوسلافية السابقة، واليونان، والكاميرون، ونيجريا وغيرها، وقد أثمرت جهود هذا المعهد بتخريج علماء كان لهم أثرهم.
وشارك أيضاً بتأسيس «جمعية الفرقان» في جامع المرابط بالمهاجرين أشهرت سنة 1384هـ/1964م، ابتدأ التدريس فيها بأربعين طالباً ازدادوا بعدها حتى بلغوا 200 طالب سنة 1401هـ/1981م قصدوها من بلاد مختلفة غير عربية.
عملت الجمعيتان معاً على استقبال الطلاب الوافدين وتشجيعهم، وتقديم ما يلزمهم من مسكن وغذاء وكساء، وانتظموا في صفوف دراسية منظمة يتلقون فيها العلم وفق مناهج أشرف على إعدادها مع المترجم له كل من الشيخ أبي اليسر عابدين، والشيخ محمد بهجة البيطار. وقد خولت شهادة المعهد طلابه بمتابعة علومهم الشرعية في الأزهر، والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكلية الشريعة في المدينة المنورة.
عمل الشيخ بدر على تشييد عدد من المساجد الجديدة وتوسيع القديمة كمسجد الحسين، ومسجد حمزة والعباس، ومسجد الفاروق، ومسجد بعيرة، ومسجد المرادية، ومسجد بلودان، ومسجد مضايا، ومسجد معلولا.
كان غيوراً على حرمات الله جريئاً، يحب في الله ويبغض فيه، يحب الناس ويساعدهم، ويعين المحتاجين، وكثيراً ما سخر أولاده لخدمة الآخرين، وربما نسي في سبيل ذلك أهله. وكان خطيباً مفوهاً يهدر في خطابته، بأسلوب تميز به.
توفي بدمشق الساعة الواحدة من صباح يوم الثلاثاء 11 صفر بعد جلسة تلا فيها قصة المولد النبوي. وصلي عليه بجامع السنانية ودفن بمدفن آل عابدين في مقبرة الباب الصغير.
ونظم الشيخ إبراهيم الهندي مدير معهد إحياء العلوم الشرعية في تأبينه قصيدة قال في بعضها:
قد كان بالأمس بحر العلم يقصده
عطشى إلى العلم قد طاروا له طلبا
روّاهمُ من رحيق العلم فانقلبوا
إلى البلاد وقد طاروا به عجبا
ومعهد الشرع يبكي موت سيده
ويسأل الله أن يعلي له الرتبا
وترك لأولاده نصائح قال في بعضها: «أوصيكم بتقوى الله ومراعاته في كل أعمالكم، وبإقامة الصلوات الخمس في أوقاتها ومع الجماعة ما أمكن؛ فالصلاة عماد الدين، وبتلاوة عشر آيات من كتاب الله يومياً مع تفهم معانيها، وبأن تكونوا كرماء بمالكم وجاهكم، فلا تردوا طلباً لسائل، ولا تقصروا في مساعدة محتاج، والله يحب المحسنين، وتجنبوا المحارم، فالله رقيب عليكم، وعلى الناس أجمعين. كونوا دعاة لدين الله وناصحين لزوجاتكم وأولادكم ومعارفكم بالحفاظ على شرع الله، والعمل على تطبيق أحكامه. كونوا دوماً على حذر من هجوم الأقدار المفاجئة، واستعدوا لمقابلتها، بإقبالكم على الله تعالى. اثنان لا تذكروهما أبداً إساءة الناس إليكم وإحسانكم إلى الناس. واثنان لا تنسوهما أبداً، الله والدار الآخرة. أكثروا من الدعاء إلى الله في السراء والضراء، ورددوا دوماً الدعاء الآتي: يا حي يا قيوم برحمتك استغيث، وكذلك: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وكذلك: اللهم اصرف عنا بلاءك، وألهمنا شكر نعمائك».
عن نشرة في ذكرى وفاته السنوية.

إضافة تعليق