بعد «الجسر»... «الأنين» قراءة في رواية «أنين القصب» لحسن حميد

سبق لنا أن قدّمنا عملاً روائيّاً إلى القراء الأكارم في جريدة «الرياض» الغرّاء، وذلك منذ مطلع عام تسعة وتسعين وتسعمائة وألف بعنوان: «الشخصيّة اليهوديّة في» جسر بنات يعقوب.«وهو نصّ روائيّ كبير للكاتب الفلسطيني حسن حميد. وقد التقينا بالكاتب، على غير موعد، في مدينة قرطبة خلال شهر أكتوبر الماضي فأهدانا نصّاً روائيّا جديداً له متميّزاً، وهو «أنين القصب».
ولقد بدا لنا ونحن نقرأ هذا العمل السرديّ الجميل أنّ الروائيّ لم يستطع أن يُفْلت، أو لم يكد يُفلت، من قبضة العمل الروائيّ الأوّل، فظلّ يتناصّ معه على أكثرَ من مستوىً، وذلك من حيث طائفة من المكوّنات السرديّة مثل رسْم ملامح بعض الشخصيات، وتحديد أسمائها، ووصْف أمزجتها؛ ومثل معالجة الحياة في الدَّير الذي كان أخذ قسطاً صالحاً في العمل الروائيّ الأوّل، وذلك باعتباره حيزاً مفضّلاً لجرَيان الأحداث، واصطراع الشخصيات، ومثل التعامل مع الأحيازِ الأُخَرِ من طرُقات ملتوية، وثَنايا مُصْعِدة، ورَوَابٍ مكسوّةٍ بالأشجار، ودوابَّ مسخَّرةٍ لشحْن البضائع واحتمال الشخصيّات من مكان إلى مكان، إثباتاً لحضور البيئة الريفيّة الفلسطينيّة في أجمل ما تكونُ مَشاهدَ، وفي أبدع ما تتجلّى مناظر...
ولقد أبدع الكاتب في رسم معالم الحيّز الفلسطينيّ في صورته الأولى، وعلى أصله، وقبل أن تلوّثه أقدام المحتلّين الصهاينة: وكيف كان نقيّاً جميلاً، وكيف كان متكاملاً وديعاً، تكتنفه الحركة من سائر أقطاره، ينضَحُ بالسعادة ويعجّ بالحياة؛ فكان ذلك الحيز يمثّل المجتمع الصناعيّ - بالصورة الفولكلوريّة الأولى - النشط المتكامل كما سنرى بعد حين...
ومن أبرز التناصّات التي وقعتْ مع الرواية الأولى، ما نجد الكاتب يذكر في روايته هذه (أنين القصب) من راهبات الدير وتظاهرُهنّ بملابس الرجال من حيث لم يكُنّ في حقيقتهنّ إلاّ راهبات إناثاً... وهي السيرة التي حملتْ حنّا، وكيل الدير، على الفرار من هذه المؤسسة الدينيّة حين استكشف أنّ الرهبان ظاهراً، لم يكونوا إلاّ راهباتٍ حقيقةً... غير أنّه لم يغادر الدير إلاّ بعد أن كان ترك «كلمتين مكتوبتين في صدر صفحة بيضاء، تقولان: «خِفْتُ الغواية»! قرأتْها الراهبات فبكين بكاء مرّاً، وقد أحسسْن أنّ سرّهنّ انكشف«. (ص 37).
إنّا كنّا وجدنا الروائيّ حسن حميد قد تعامل مع هذا الضّرب من الشخصيّات في نصّ روايته الأولى (جسر بنات يعقوب)؛ وذلك حين تحدّث عن راهبات تخفّين في هيئة رجال:
«وانفردت الرّاهبات الثّلاثُ بالدّير، وقد لبِسْن جميعاً الزّيَّ الرّجاليّ فقصّرن شعرهنّ باستمرار، وكلّما طال، بحيث يظلّ في الحدّ المقبول والمعقول، وأخفين جمالهنّ بطرُق شتّى، وابتعدن عن حركات النّساء وهجرْنَها؛ كما تدرّبن على حركات الرّجال وتصرّفاتهم حتّى اعتدنها؛ فصارت جزءاً من سلوكهنّ. لكن ظلّ أكثر ما يعذّبهنّ ويحرجهنّ أمام الآخرين هو نعومة أعضاء أجسادهنّ وأنوثتها، وكذلك وجوههنّ الملط...» (جسر بنات يعقوب، ص44، ط1).
غير أنّ النّصّ لم يبرّر قطّ علّة تخفِّي الرّاهبات في أثواب الرّهبان في العملين الروائيّيْن معاً. وما العِلل التي كانت وراء تَخَفِّيهنّ في ذلك الزّيّ؟ ولِمَ كنّ يحْمِلن أنفسَهن على ذلك العَناء الْمُمِضّ وهنّ يقصّرن من شعورهنّ حتّى لا تبدوَ، ويضغطن على صدورهن حتّى لا تنهُدَ، ويعدّلن من أصواتهنّ حتّى تمثُلَ غليظةً فيها جَهارة الرجولة، وخشونة الذّكورة؟... ولقد كنّا لاحظنا أنّ الروائيّ المغربيّ الطّاهر بن جلون كان بنَى عقدة إحدى شخصيّات روايته «ليلة القدر» الأنثى -التي كتبها أصلاً باللّغة الفرنسيّة- على القدرة على التّخفّي في هيئة الرجال من حيث لم تكن تلك الشخصيّة إلاّ فتاةً ممتلئة بالأنوثة الغضّة. ولكنّ القارئ كان يعرف، وهو يقرأ تلك الرواية، ومنذ الوهلة الأولى لتكوين تلك الشخصيّة، أسبابَ تظاهُرِها، أو أسباب إرغام الأب إيّاها على أن تسلك ذلك السلوك على الأصحّ، فلم يكن في الأمر غرابة...
بل إنّا وجدنا الروائيّ، حسن حميد، يطلق بعض أسماء شخصيات العمل الروائيّ الأوّل على شخصيات العمل الروائيّ الذي نحن بصدد تقديمه إلى القرّاء مثل اسم «حنّا»...
بل ألفَينا الكاتب يُؤْثر أن يبدأ الرواية الثانية بما ابتدأ به الرواية الأولى فيقول في مستهلّ الأولى: «هذا كتاب، فيه مجموعة كتب، وصل إليّ بالتوارث عن ثلاثة عشرَ جدّاً من أجدادي...» (ص.7)، من حيث يذكر في مطلع نصّ الرواية الثانية (أنين القصب): «هذا كتاب من كُتب، لا فضل لي فيه، ولا يد. كتب أشبه بالسير الذاتيّة لأناس عاشوا الأحداث وعاينوها...» (ص17). كما يقول في «جسر بنات يعقوب»: «أودّ التّأكيد على أنني لم أُضف حرفاً واحداً إلى القصّة، وأنني أخرجها إلى الناس كما وصلتْ إليّ عن طريق جدّي...» (ص 18). وهذا الكلام يأتي متقابلاً مع قوله: «لا فضلَ لي فيه، ولا يد» (أنين القصب، ص17).
بل لقد وجدنا حسن حميد يتعمّد تكرار بعض المشاهد، والأحياز، والأديار، والأسماء، ومتشابهات أو متماثلات سرديّة أخرى فنجد الدير والرهبان وقرية الشَّماصنة في العمل الروائيّ الأوّل، كما نجد ذلك في عمله هذا (أنين القصب)؛ وذلك مثل تكراره عناوين لفصول في الروايتين على مستوى الحيز: قرية الشماصنة، والدير، والحمّام؛ وعلى مستوى الشخصيّات: الراهبات والرهبان، وربيحة التي تقابل في اعترافاتها ماريا، وموت شتِيوي في «أنين القصب» الذي يقابله موت يعقوب في «جسر بنات يعقوب»...
ويتّبع الكاتب الطّريقة البنائيّة التي كان اتّبعها في العمل الروائيّ الأوّل المقام على حكايات متتابعة أوردها الكاتب في العمل الأوّل تحت تقسيمات اختار لها عناوين الكتب (من الكتاب الأوّل إلى الكتاب الثالث عشر، تتفرّع من هذه الكتب التي هي بمثابة فصول حواشٍ وذيولٌ)... وتلك الحكايات التي تبدو منفصلة لأوّل وهلة تكوّن، في الحقيقة، لحمة سرديّة متماسكة لا يمكن أن ينفصم بعضها عن بعض؛ فهي بمثابة الأحجار التي يبدو بعضها منفصلاً عن بعضها الآخر في الجدار في ظاهر العين، في حين أنّها، في حقيقتها، متماسكة مترابطة بحيث لو نزعنا حجراً واحداً لانقضّ الجدار كلّه انقضاضاً. وأمّا في عمل أنين القصب فإنّ الكاتب لم يشأ أن يتّخذ عناوين «الكتب» لحكاياته الجزئيّة المكوِّنة لعمله الروائيّ، بل اجتزأ بالعناوين وحدها، ونعمّا فعل. فقد بدا لنا إطلاق اسم «الكتاب» على مجرّد حكاية من الرواية لا يخلو من بعض الثقل والتكلّف. وهذه الحكايات التي تبلغ في تقسيماتها زهاء ثلاثٍ وعشرين هي التي تكوّن لحمة هذا العمل الروائيّ المتماسكِ الحبكةِ... ومن عجبٍ أنّ الدكتور فيصل درّاج في تقديمه لأنين القصب -وهو تقديم متألّق حقّاً - لم يشأ أن يربِط العمل الروائيّ الأوّل بالثاني، من حيث يستحيل، كما رأينا، فهْم العمل الروائيّ الثاني لحسن حميد، نقديّاً، إلاّ بربْطه بصنوه -العمل الروائي الأول - (جسر بنات يعقوب)...
في حين أنّ الروائيّ حسن حميد، وقد كنّا لاحظنا ذلك في المقالة الأولى التي نشرناها بجريدة «الرياض» الغرّاء، أبدع في الوصف إلى حدّ المغالاة، وقد كنّا شبّهناه في ذلك بالروائيّ الفرنسيّ العالميّ الشهرة جوستاف فلوبير في روايته العجيبة: «مدام بوفاري». ولقد دأب الكاتب على تلك السيرة في رواية «أنين القصب» فوصف فأبدع، وفصّل في عرْض الأشياء والعضلات والملامح والأصوات وعامّة الأشياء المرئيّة والمسموعة والمشمومة فبلغ الغاية في ذلك. ونحن لم نكد نقرأ إلاّ نصوصاً وصفيّة عربيّة قليلة تنحو هذا المنحى العجيب في التركيز على تصوير الأشياء وتدقيق الرؤية إليها. ولقد يمثُل ذلك بامتياز في هذا النّصّ في اللّوحة الأولى من الرواية حين دُفِعت الشخصيّة الآتية من تلقاء الدير لشحن الزيت والزبيب ومختلف الأطعمة الجافّة ونقْلها إليه على ظهر بغلة كانت ملْكاً لذلك الدير...
ولعلّ الذي كان يحمل الكاتب على تلك العناية الشديدة بالحيز الروائي (المكان مجازاً) هو حرْصه الشديد على إثبات الوجود الشرعيّ للوطن الفلسطينيّ الذي اغتصبه الأعداء، وحاولوا امتلاك أرضه بقوّة الحديد والنار. فكلّ شيء ذو صِلة بالمكان هو ذو صلة بالجغرافيا، وهو ذو صلة حميمة بالوطن السّليب. فالعناية بوصف الحيز في هذا العمل الروائيّ، والذي قبله، تعني التركيز على قضيّة وطنيّة وجوديّة. ولو لم يأتِ الكاتب غير ذلك لكان مقصّراً في حقّ وطنه، ولكان غيرَ كاتبٍ للأدب النضاليّ الذي يجب أن يتّخذ له ألف ثوبٍ وألف وجه؛ ولكنّه يظلّ، مع ذلك، في كلّ الأطوار أدباً مقاوماً مناضلاً.
غير أنّ تجربة الكتابة في هذا العمل الروائي الجديد لدى حسن حميد ربما تفوق الأولى وتجاوزها في جملة من المستويات، وخصوصاً على مستويي البنية والبناء، واللّغة السرديّة والوصف... وإن كنّا لاحظنا أنّ الكاتب كان يصرّ على ترْك العملين الاثنين يتماثلان بتكرار التّقنيات السرديّة العامّة نفسِها هنا وهناك، ولاسيّما إدراجه لتعليقات سرديّة تشبه التدخّل تحت عنوانين اثنين غالباً: «هامش» و«ذيل» حيث كثيراً ما يستحيل الهامش الواحد إلى هوامش، والذيل الواحد إلى ذيول لدى خاتمة الحكاية...
ولعلّ من أجمل ما كُتب من وصْف للبيئة الفلسطينيّة الريفيّة وعاداتها وتقاليدها وصْفه الدّقيق للسوق وعرْضه لكافّة الأنشطة التجاريّة والفولكلوريّة التي تتشابه في الحقيقة مع كلّ الأسواق العربيّة في منتصف القرن العشرين وما قبلها، فإنّي كنت أقرأ حكاية «في سوق الخالصة» وكأنّي أقرأ وصفاً لسوق من الأسواق الجزائريّة أو المغربيّة أو اليمنيّة أو السعوديّة أو الأردنيّة قبل أن تغزو الحضارة الغربيّة المجتمعات العربيّة فتُحيلها من التقليديّة إلى الجديدة.. فقد عرض الكاتب لعامّة الطقوس الفولكلوريّة التي كانت تعرفها «سوق الخالصة» ومنها طقوس إنْزاء الثيران على الأبقار، وكانت دأباً مألوفاً في جميع الأسواق العربيّة التقليديّة مشرقاً ومغرباً. وأمّا طقوس الإخصاء فلم نكن نعرفها في أسواق بلاد المغرب فاستبدّ بها الكاتب في مشاهد روايته «أنين القصب». ولا يقال إلاّ مثل ذلك في طقوس الوشم التي لم تكن تتمّ في الأسواق، حسب ما رأيناه منها في بلاد المغرب، ولكنّ الفتيات كنّ يفزعن إلى عجائز محترفات في الوشم قارّاتٍ في بيوتهن، فكنّ يَشِمْنَهنّ فتغتدي وجوههُنّ الصِّباحُ مشوّهة مستبشعَة. كما يستأثر الكاتب في روايته هذه بالتركيز على خصوصيّة وشْم كلّ فتاة بحسب انتمائها القَبَليّ، وهذه السيرة تشبه، في الحقيقة، علامة الوسْم (ونلاحظ التقارب النطقيّ والاشتقاقيّ في العربيّة بين الوشم والوسْم) التي كانت القبائل العربيّة تتخذها لإبلها حتّى تُعرفَ بها إذا ضلّت أو سُرقت، فتُعرَف بسهولة لدى طلبها... وقد ركّز الكاتب في وصفه على طقوس الوشم وتزيين أكفّ العرائس بالحنّاء فغاص في التقنيات الفولكلوريّة التي كان النساء يتّخذنها في ذلك على نحو يُوهِم بأنّ الكاتب إنّما كان يصف ما كان شاهده في بعض طفولته حقّاً... كما يذكر مشهدا فولكلوريّاً آخر من مشاهد «سوق الخالصة» وهو مبارزة الدِّيَكة وحمْلها على التباري والتّقاتل بمناقيرها... ويتّصل بذلك مشهد ترقيص الدّيك بتدبير حيلة تمثُل في إحماء طبَق يجثم الديك عليه فلا يستطيع الاستقرار لشدّة سخونته فيتحرّك كالراقص متألّماً، لا مستمتعاً، في الحقيقة، بالرقص... كما يَعُوج الكاتب على وصف سوق الحيوانات وحلقة الحاوي الذي يراقص الأفاعي ويلاعب الثعابين... وهذان المشهدان لا يزالان قائمَيْنِ إلى اليوم في بعض أسواق بلاد المغرب أيضاً مثل ساحة الفناء بمدينة مرّاكش.
ولعلّ من المفيد أن نُدرج نصّاً في الوصف المتمحّض لسوق النساء وهنّ يَقُمْن أو يشهدن عمليّة التّوشيم. يقول حسن حميد:
«وإلى الجِوار أروقة من الكتّان، وأخرى من الخيش جميعها مُشرّعة، ومفتوحة، يلعب بأطرافها الهواء النشط، تحتشد في داخلها مجموعة كبيرة من النساء، والفتيات الصغيرات، وبعض الأطفال الذكور. وثمّة نيران موقدة، ترمَى عليها الأخشاب والعيدان بين حين وآخر لتستمرّ في اتّقادها. عجائزُ يتصدّرن الأروقة، وأَمامَهنّ صناديقُ خشبيّةٌ صغيرة ملأى بالزجاجات الملأى بالألوان، وبقرْبها الإبر، وحجارة الشّبّة، وقطع الفضّة والنحاس، والكحل، واللبان، والخيطان الرفيعة، والشمع... عجائز يواجهن فتيات صغيرات مشدودات إلى صدور أمهاتهنّ، فيقمن بوشمهنّ على اليدين والوجه، بوساطة الإبر التي تُشوَى في النار من أجل تطهيرها بين وقت وآخر. تطلي العجوز الجزء المرادَ وشْمُه من وجه الفتاة باللّبان المطاطيّ الذي مدّدتْه بحرارة النار، ثمّ تطبع عليه الوشم الخاصّ بالمنطقة التي جاءتْ منها الفتاة. هذا الوشم هو الذي سيكون هويّة الفتاة فيشير إلى أيّة منطقة تتبع، وإلى أيّة جماعة تنتسب؛ وشْم خاصّ بالفقراء والبسطاء، وآخر خاصّ بالأغنياء والملاّكين. وشْم يرصد الفتاة ويُبعد عنها الأذى، ويحميها من الشرور، ويحفظ عفّتها في إناء (كذا، ولعلها «في آناء»). وشْم يستدعي البكاء، والممانعة، والدموع، والخوف، والتردّد، والحذر، والإحجام، والرعب من قِبل الفتيات الصغيرات وقد رأين النار الملتهبة، والإبر الحادّة اللاّمعة، وقد تعدّدت أطوالها وحجومها (...). وما إن تنتهي العمليّة حتّى تقوم العجوز بشَيِّ (كذا، والأوجَهُ أن يقال: «إحماء»، لأنّ الإحماء يكون للحديدة في النار، والشّيّ إنّما يكون لِمَا يؤكَلُ من اللحم وغيره...) إبرها في النار مرّة أخرى وترتيبها في الصندوق. ثمّ تمسح وجه الفتاة التي وشمتْها بماء تدلقه من زجاجاتها فوق قطعة قماش بيضاء نظيفة، فيزول اللبان المطاطي الطّريّ، ويبدو الجزء الموشوم على شكل خطوط من نقاط حمر لا تخلو من ورم بسيط. ثمّ تدفع إلى يد الفتاة كمية من نباتات خضر، وتوصي أمّها بأن تعجن جزءاً من هذه النباتات وتغطّي بها مكان الوشم مدة ثلاثِ ليالٍ إلى أن تصير النقاط الحمر، رويداً رويداً، نقاطاً زُرقاً.» (أنين القصب، ص 28 - 27).
فالكاتب هنا يصبّ عنايته وملاحظته على أدقّ التفاصيل الوصفيّة لعمليّة الوشم التي تنهض بها العجوز المحترفة على عضوٍ من أعضاء جسم الصبيّة كأن يكون ما بين الحاجبين، أو الخدّين، أو الذقن، أو ظاهر اليدين، وربما أسفل الساقين... وكيف أنّ العجائز المحترفات كنّ ينهضن بذلك في براعة فائقة باصطناع وخْز الإبر، وكيف كان يتمّ ذلك في مشهدٍ فولكلوريّ مثير يُسْهم في إقامته الفاعلاتُ والمفعولاتُ واللاّئي يشاهدن ذلك عن كثب وإبداء فضول، جميعاً؟... وكيف كانت الصبايا ترتعد فرائصهُنّ فَرَقاً ممّا كان ينتظرهنّ من ذلك البلاء المبين الذي كان يتدخّل في صنع اللّه وخلْقه بالتغيير الذي لم يكن إلاّ تشويهاً لصفاء صفحة وجه الصبيّة بتلك الوُشوم التي كانت تمثّل البشاعة أكثر مما كانت تمثّل الجمال؟ إنّه تصوير لعمليّة الوشم، في رأينا، بديع؛ فلم يكد الروائيّ يغادرُ شيئاً من أصول الحرفة لدى العجائز إلاّ ذكره بتوصيف دقيق. في حين صوّر، مقابل ذلك، تخوّف الصبايا وتباكيهن ومحاولة إبائهنّ تمنّعاً ممّا سيتعرّضن له من ذلك المسخ الجسديّ الذي يغيّر طبيعة اللّه في خلقهنّ فيُمسين على غير ما أصبحن عليه...
ولو جئنا نتوقّف لدى وصف مشهد إنزاء الثيران الأصيلة على الأبقار، ووصْف مشهد حَذْو الدّواب، ووصف مشهد الإخصاء، ووصْف تبارُز الدّيَكة، ووصْف مشهد الحيوانات المعروضة للبيع في جانب من تلك السوق العجيبة، ووصف مشهد الحاوي وهو يلاعب أفاعيَه وثعابينَه، لرأينا أنّ حسن حميد كان يتعمّد المبالغة في وصف المشاهد التي يتّخذها لحيزه الروائيّ وتوظيفه، حتّى كأنّ اللّغة الوصفيّة تستحيل في عمله الروائيّ إلى عدسة تصوير تلتقط الملامح الخفيّة، وتركّز على الزوايا المنسيّة في المشهد العامّ، لتخرج الصورة من خرَسها وحيادها إلى وظيفة وطنيّة نبيلة، تعبّر عن الرسالة التاريخيّة ولو كانت خرساء...
وأمّا على صعيد الموضوعة المتناوَلة فإنّ حسن حميد كلِفٌ، ومن حقّه وواجبه أيضاً ذلك، بمطارحة القضايا التي تلامس أو تمسّ من قريب أو بعيد وطنه السليب فلسطين؛ فالكتّاب والشعراء والمفكّرون، أولى لهم قبل الساسة، أن ينوّروا الرأي العامّ الوطنيّ وكلّ الذين يقرؤونهم، فيقدّموا إليهم الرؤية الناصعة الحقيقيّة للإشكالية المطروحة للتناوُل. ففلسطين الوطن والشعب والتاريخ والقضيّة كلّها أمور كانت حاضرة بتوهّج في الرواية الأولى «جسر بنات يعقوب»، وهي أيضاً ماثلة بعنفوانٍ وقوّة في عمله الروائيّ الثاني (أنين القصب). ولعلّ الإلحاح على أمكنة بعينها - أو أحياز كما يحلو لنا أن نطلق عليها - بوصفها وذِكْرها، وتهويم الشخصيّات فيها، والتركيز على خصوصيّة هذه الأحياز مثل الأشجار والأديار والأسواق والعادات والتقاليد وكلّ ما يمثّل الأصالة والأرومة، لا يعني إلاّ تعلّقاً شديداً بالقضيّة الوطنيّة والنَّضْح عنها. وذلك شأن من شؤون الأدب الملتزم الرفيع الذي لا يعالج الدّفاع عن القضايا النبيلة بمباشرة فجّة، ولكنّه يتّخذ لها سبُلاً أخرى أجمل وأرقَى فيقع دسُّ السياسيّ والتاريخيّ، في الفنّيّ والجماليّ؛ فتُؤَدَّى الغاية من وراء الإبداع المطروح؛ إذ لا التجريدُ تحت الْتِماس تحقيق الحداثة الاعتباطيّة، ولا المباشرة أو الخطابيّة الفجّة، بقادرٍ -أحدهما أو كلاهما- على أداء الوظيفة الفنّيّة دون تعويم هذه في تلك، ودسّ ذلك في هذه...
ويتّصل بالأحداث والأحياز التي تمثّل المشهد الطبيعيّ لفلسطين بالذين يقطنونها بعاداتهم المتأصلة، وتقاليدهم العريقة، وصناعاتهم التقليديّة البديعة، وأسواقهم النافقة، وأناسهم البسطاء العاملين: الشخصيّات التي تمثّل في العمل السرديّ جوهره ولبّه. ولذلك، وبحكم الواقع الْمَعِيش، نُلفي هذه الشخصيّات تتعرّض لِمَآسٍ وأمراضٍ واضطهادٍ ومحنٍ، كأنّها تمثّل المحنة التاريخيّة الكبرى التي مُنِيَ بها الشعب الفلسطينيّ الذي ابتلاه الدّهر باحتلال ليس له من مثيل في تاريخ الاستعمار قديمه وحديثه...
وأيّاً ما يكن الشّأن، فإنّ حسن حميد تموْقَع الآن في كتّاب الرواية الفلسطينيّين المرموقين، بفضل هذه الثنائيّة الروائيّة، التي ضخّها في المشهد الروائيّ العربيّ، وعما قليل -ربما- المشهد العالميّ. ونودّ أن نُنهيَ هذه القراءة العجِلة، المبتورة جميعاً، إلى التّنبيه إلى أنّ هذا العمل الروائيّ كأنّه يكمّل الأوّل. ولَكأنّ الأوّل والآخر يشكّلان معاً ثنائيّة روائية تكمّل إحداهما الأخرى... وإلاّ فمِن السذاجة أن يذهب ذاهب إلى أنّ حسن حميد أراد أن يحاكي نفسه، ويكرّر عمله الأوّل في الثاني، فيُعزَى إلى القصور!... بل إنّا نرى أنّه وظّف الأدوات والأحياز والشخصيات والأحداث البارزة في روايته الأولى فأضاف إليها في روايته الثانية ما لم يكن قاله في الأولى، وذلك بحكم أنّ الكتابة هي عمل مفتوح في سيرة الكاتب إلى أن تخترمه منيّته. فلمْ يأتِ ذلك حسن حميد إلاّ لأنّ الذي كان يريد أن يقوله في رواية «جسر بنات يعقوب» لم يكتمل، فأراد أن يجمله في روايته الثانية «أنين القصب»... فكلّ عملٍ راهن قد يكون مكمّلاً لعمل سابقٍ، ومقدّمة لعمل لاحِق..

إضافة تعليق