(بن) لعبد الحميد الطائي.. رؤية متفردة وحساسيات متعددة

في كتابه الرابع من سلسلة (حواس حروف) يستمر عبد الحميد الطائي في تعاطيه مع اللغة ودلالاتها بذات الوتيرة والأدوات اللغوية التي تعامل بها مع كتبه الثلاثة السابقة.(لاتح) و(مزاج الطين) و(حموه يرابي) وكلها تحمل رؤية إصلاحية تستمزج حساسيات متعددة في حياة الإنسان العربي المعاصر  بتجاذبه بين الهوية الكائنة والطموح المؤمل ، ورؤية المؤلف تجاه التطور الحادث في حياة الإنسان الفرد الذي ارتج عليه وتاهت به المسارات ، ومن ثم يسعى المؤلف في محاولته هذه (بن) إلى أن يأخذ بيد ذلك الانسان العربي التائه الى الارتفاع درجة عن المألوف والمعتاد الذي قاده إلى هذا (التيه) مؤثرا (أي المؤلف) ان يستحث ويفعل حواس المتلقي من خلال تلمس (حواس الحروف) والاتجاه بها صوب آليات الاستدلال والتمييز بين ما هو خطأ وما هو صواب ومن ثم ينطلق الكاتب في تجربته من منطلق تفعيل قدرة العقل العربي لاستكمال (نواقص) الرسالة الحياتية من خلال استكمال (خوافي) الرسالة النصية ومع هذا الاستكمال تتكامل الدلالات اللغوية لكل مفردة من مفردات رسالة (بن) واشقائه الثلاثة الاسبق عليه في الصدور.الكاتب يستدعي تلك القدرة لدى الانسان العربي على إعادة اكتشاف انسانيته ومعها ايضا يستعيد قدراته على فهم لغته عبر اعمال العقل في محاولة فهم النص بالتفاعل بين المتلقي والمبدع وصولا الى تشكيل الرسالة الاصلاحية المستهدفة جريا على نهج انصار المدرسة الواقعية في الأدب لاعادة تشكيل العقل العربي ومنع تغييبه او تحلله او انصهاره في أتون من العبثية والتسطيح لإعادة قولبته في شكل مسوخ بلا هوية.لكن عبد الحميد الطائي لا يبدو مطلق السراح في التعبير عن تجربته الذاتية ، انما تكبله حساسياته المتعددة التي يسعى جاهدا للفكاك منها باجتزاء النص ومن ثم استدعاء امكانيات المتلقي لاستكمال هذا الاجتزاء ، لكن المؤلف ينتقي من خلال هذه التجربة المتفردة متلقيه بعناية لاستكمال تجربة المؤلف في انتاج هذه التجربة التعبيرية الفريدة، ونصوص (بن) تفصح عن هذه المحاولة بوضوح نسبي حيث يواصل الطائي النفخ في انسانية الانسان باستخدامات لغوية متعددة تتراوح بين الاسلوب الإنشائي والخبري فيقول:ابدأ اولا..بمعانقة تربتك.أبرع الكسالى.. ينام.ابسط الشؤون.. يعقدها المشحون.أبشع الوجوه.. المتلونة.أبطال التضحية.. إرثهم عام.أبعد صمغ الالتصاق.. عن شفاهك. (بن ص11 ـ 12).في النصوص السابقة نلاحظ الأمر في (ابدأ اولا..) وهو نص انشائي طلبي مفعم بالجرأة في الاستنهاض ، تتلوه نصوص خبرية وتسبقه ايضا في تكثيف واضح يستنهض كل حواس المتلقي لفهم الدلالة.هذه الآلية (البرقية) التي تعطي من الدلالات ما قل ودل تتعثر احيانا في التوصيل الى المعنى المراد لسبب يكمن في كيفية الاستخدام اللغوي والإداة الموصلة للافكار والمعاني. فاللغة العربية عموما ذات نشأة (سماعية) لم تعرف التدوين الا في زمن متأخر. ومن ثم فهي تراث شفاهي منطوق اكثر منه مكتوب. ومن ثم فإن غياب (فن الإلقاء) المصاحب لنشأة اللغة يبدو عنصرا مقيدا (بكسر الياء) في أسلوب عبد الحميد الطائي السري. المفتقر الى (التنغيم الصوتي) المصاحب لإلقاء النص بمستوياته المتعددة صعودا وهبوطا حسب الأسلوب الإنشائي أو الخبري في النص ، فنطق الجملة الاستفهامية يختلف عن نطق الجملة التعجبية والجمل الطلبية عموما يختلف أداؤها الصوتي عن الجمل التقريرية ، الأمر الذي حدا ببعض الشعراء المعاصرين الى توظيف (منشد) يقوم بإلقاء القصائد على طريقة (أسواق العرب) في العصور القديمة حيث كان العمل الأدبي ينتقل من بين شفاه المنشد الى ذهن المتلقي دون تدوين.هذا التعاطي الشفاهي مع نص عبد الحميد الطائي يكمل أهم أداة من أدوات فهم نصوصه:بسبب واه..تستحدث المنغصات.بسجل غير مصنف..يتلاعب المرتشي.بسجن يشرف عليه مفسدون.. لن يصلح أمر سجين.(بن ص226 ـ 227). فكلمة (واه) في النص السابق ذات دلالات متعددة في السياق العام ، لكنها هنا تحمل الى جانب معناها المباشر أحاسيس الألم والزفرات الحري والتأوه من شدة الأسى بتأثير ما يراها الكاتب سلبيات تعيق انطلاق الإنسان الحر والمقيد في أعماقه في آن واحد. بينما معناها المباشر هو (الضعيف والهزيل).هذا التلون الصوتي في حالة التعبير الشفاهي لا يمكن الحصول عليه من خلال النص المكتوب على الورق ، فالإلقاء يتضمن طول النفس (بفتح الفاء) وقصره (لكسر القاف وفتح الصاد).

وفي حالة النطق به متمازجا مع تعبيرات الوجه والعينين والشفاه وحركة اليد واهتزازات الجسد عند الإلقاء فيما يعرف اليوم باسم (المؤثرات الصوتية) كلها تشكل أدوات تعويضية عن كون النص مكتوبا. وبذلك تذكرنا كتابات الطائي وآخرها الذي بين أيدينا (بن) بأصل لغتنا كسبيل لفهم الاستخدام الحديث لها وهو ما يضيف الى قيمة هذه الرؤية المتفردة بحساسياتها اللغوية المتعددة.

 

الوطن 16 مارس/آذار 2010

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.