بيروت: هامش النص

لكل متن يذيل بالهامش قيمة اعتبارية، فالهامش سمة توسع وتوثيق، ودليل نخبوية وتأصيل، والمتن في كثير من الحالات يستنجد بهامشه، عله يكتسب شيئا ما أو يتحلى بمرجعية تعلي من شأنه.
على الرغم من استعلائية المتن على الهامش فإنه يبقى أسيراً له، فالمتن المتصدر بحروف واضحة، تاركا الذيل لهامش يذل بالتصغير والتأخير، يحتاج هذا الهامش ليكمل مقولة أو ليعطيها مصداقية مرجع أو شاهد..
ولذلك فإن العلاقة بين المتن والهامش بقدر ما هي واضحة وتنبئ عن تبعية الهامش للمتن، فإنها بنفس القدر غامضة وتشي بمتن يبقى أسير هامشه.
وفي التفاعل الجدلي بين المتن والهامش تتحدد قيمة النص وقيمة المنجز منه وناجزه، ولعل المنهجية التي تسيطر على النص هي التي تحدد تفاضل القيمة بين المتن والهامش.
في عالمنا اليوم وفي دائر ة اهتمامنا سواء الدائرة التي ندعوها بالعربية أو الإقليمية أو غير ذلك…يبدو النص معقدا أكثر من ذي قبل، ويحتاج إلى عمليات تفكيك لا قبل لنا بها اليوم لأسباب شتى، فهذا النص تحف به قراءات ومفاهيم مهيمنة لا تترك مجالا لقراءة حرة أو لتأويل حقيقي. متن يعج بالأحداث والرؤى والتحولات والمجادلات والاستقطابات، يتدخل فيه عدد كبير من السدنة والكهنة مشكلين جبهات متعددة ومتصارعة في الآن نفسه ولكنها مجمعة على تفتيت النص وتدميره …
متن مسهب ومتقلب ومزلزل، وهوامش قليلة مؤلمة ودامية…
فالمتن يعج بالتخلف والفقر والانقسام والاستبداد…والاصطراع على أكثر من صعيد، بينما الهوامش القليلة تدل على وعورة الطريق وعمق الجرح الغائر…
لاشك أن الهامش الفلسطيني كان سيد الهوامش دوما… ولكن في عصر الواقعية السياسية بات هذا الهامش محاصرا إلى أبعد حد…
والهامش العراقي الذي تفجر منذ عقدين أو ثلاثة، هامش آخر يخفي ويبدي الكثير، ومع أنه دمر الكثير من البنى المتوهمة للانسجام، إلا أن النفاق السياسي والتبعية العوجاء لإرادة أكبر إمبراطورية في التاريخ… جعلتا هذا الهامش غير قابل للتأويل وبالتالي لا يحقق معادلة تفاعل مع المتن بشكل واضح، فهو بدلا من أن يضع النقاط على الحروف في ما يلتبس من المتن، ينتظر المتن ليفسره، وتحول إلى مرآة تعكس ضحالة المتن.
وثمة هوامش أخرى كثيرة، لكل منها أبعاد ومرجعيات ومعادلات منهجية أو عبثية تحكم علاقتها مع المتن، إلا أن الهامش اللبناني المتمثل في بيروت الكونية يبقى سيد الهوامش في المرحلة الراهنة لما لبيروت من أثر على العقل المنتج للنص، ولما لها من حضور في وجدان هذا المنتج.
وبزعمي المتواضع، فإن بيروت مدينة من المدن القلائل على مستوى العالم أجمع، أعني المدينة التي تكون مدينة بحق، ولا تدعي كونها مدينة…!
في العالم العربي برمته وبقضه وقضيضه ليس هناك سوى بيروت مدينة…لماذا؟
لعله السؤال السهل الذي يتطلب إجابة في قمة الألم، فالإجابة مبضع لن يرحم إي شتات من جسد النص…
مدن رغم تاريخها تفتقد سمة المدنية كفعل وليس كتظاهر، مدن الاتجاه الواحد، كل الدروب في اتجاه واحد، بل في سياق مضمار واحد، لا تتقبل حتى الاتجاهات المتوازية…مدن تنام حتى الظهيرة، وتخلد إلى النوم مع غروب الشمس، مدن ملأى بكائنات متكاسلة، ووجوه كئيبة، وأحلام منكسرة، مدن أشبه بعاهرة تقادم الزمن عليها، تنام بين الأحذية وتستفيق على أرصفة النشادر، تسد رمقها بقروش زهيدة…مدن تتوسع كالفطريات ويتسع التناقض فيها، فبقدر الترف الذي تظهره في المركز، تسترسل في المساحات المجدبة والقذرة والمسحوقة، مدن حتى إشارات المرور فيها تفرق بين ناسها…مدن تبني خيامها بالاسمنت المسلح، وتسحق أشباه الكائنات التي تستظل بجدرانها العالية…
أما بيروت الكونية (الكوزموبولتية) ملاذ الفكرة الحرة، والرغبة الطائشة، والهوية الباحثة عن متسع للتنفس، مدينة لساكنيها، تنبض بخلجاتهم، تفصح عن أحلامهم، تزدحم بأهوائهم المتباينة، فتستوعبها وتنسقها باقات ورد تزين الشرفات…
بيروت هامش (المتن الأكثر ضحالة في التاريخ)، هامش يمتص كل صديد المتن، مثل آلة تعمل على تنقية الهواء.. تتسلل بيروت إلى عمق المتن حاملة فكرة متوارية في إهاب جميل موارب، لا تحرم مفاتنها حتى المنكسرين والمحرومين، تفيض بعبقها على كل عشاقها، كيفما كان عشقهم،وهوية عشقهم.
فبيروت هامش وفضاء حر لكلمة تعجز عن الحضور في متنها، وبيروت متسع لانفلات طالما اختنق في سياقه، وبيروت مأوى لمعدم طالما تشوق إلى (منقوشة زعتر ساخنة)… وبيروت مشفى لكل ألم عجز عنه نطاسو القرى العملاقة، بيروت تعري الجميع، تعري فكر هذا ، وتعري جسد ذاك، وتعري أهواء أولائك، مدينة لإطلاق الأفكار الحبيسة والرغبات المكتومة والآلام المزمنة…
بيروت هي بيروت، تستفيق عند السادسة صباحا على نسيم البحر وصوت فيروز والقهوة المحلاة بتحيات الصباح، بيروت تعج بالحركة كشرايين غضة لا يهدأ الدم فيها، عند المساء لا بد من جني كل أسباب السعادة قبل أن يمضي يوم آخر من العمر…
بيروت الجراح لا وقت للكآبات فيها، كلما هدأت نزعات جيرانها في تدميرها وتدنيسها، تغتسل وتحاول جهدها أن تبني ما تهدم وتزرع المزيد من الشجر…
سيهاجمها التتار والبدو وقطاع الطرق والقراصنة ويمتلئ جسدها بكل الحشرات والطفيليات، لكنها أبدا تنهض كعنقاء الرماد، أجمل وأنقى وأكثر بشرى بمستقبل أفضل …
بيروت أيها الهامش العظيم…
جدير بالمتن أن ينحني لك…وأن يكف عن تدميرك… وأن يتعلم من عينيك معنى الحياة، وأن يفهم سر الصباح الطازج على شرفاتك كل يوم.
عبدالواحد علواني
باحث سوري مقيم في الرياض

إضافة تعليق