بين المؤلف والناشر..فن دقيق لإصدار الكتاب

 في عام 1988 كتب اوليفييه كوهن، مدير دار أوليفييه للنشر نصاً أشاد به بالكاتب ريمون كارفر، قال فيه «نادراً مايستسلم الناشرون وهم ليسوا على خطأ حيث واجب الحيطة والحذر الذي تفرضه المهنة من ناحية عملها كمرشد ومؤتمن مالي، ناهيك عن متعة أسرار الصداقة والشكوك الشخصية الصرفة تجاه البوح الكاذب تدفعني إلى التزام الصمت».‏

 

هذه التعددية في الأدوار تفسر قليلاً شبه السرية التي تحيط بعمل الناشر، ولاسيما فيما يتعلق بالنصوص، وهذا جزء من الحقيقة فقط، لأنه حين الاستماع إليهم يعترفون أنه إلى جانب عدم الرغبة في «تشويه متعة القراءة عن طريق الكشف عن مرحلة ماقبل النص»، وفقاً لمانويل كاركاسون، نائب المدير العام لدار غراسيه، ومن أهمها عدم القدرة على تحديد وسيلة واحدة يتم الاستناد إليها في العمل، فإنه وكما يقول اوليفييه كوهن «لايوجد وصفة جاهزة، بعض الكتّاب يطلبون تواجداً مكثفاً وتقديم المشورة التفصيلية وعواطف أيضاً، فإن البعض لايحتمل هذا النوع من التواصل» وحينئذ يقر باسكال غوتييه، المدير الأدبي لدى دار بوشيه شاستيل علينا التأقلم مع كل كاتب على حدة، ونحن لانعامل الرواية الأولى مثل الثانية أوالرواية الثالثة، وفي مرحلة الاكتشاف نجد نصوصاً، وعند بعض التفاصيل حولها.. ينتهي الأمر».‏

وللمفارقة لايبدي الناشرون تدخلاً كبيراً عند الروايات الأولى، وهذا أشبه بأول لقاء غرامي، كما يشرح جان مارك روبير، مديردار ستوك:، «فالنص الأول نحبه من أجل أخطائه» وتعبر فيفيان هامي، مديرة الدار التي تحمل نفس الاسم -بشكل ركيك- قائلة « لا أعرف الكاتب بما يكفي لأعثر على طريقة في التعبير واللغة والكلمة المناسبة، وهذا ليس معناه فيما أرغب أنا به، ولكن فيما يريد قوله ولم يفلح في التعبيرعنه».‏

وفي حال تجاوزنا الرواية الأولى، والتي لايستثنيها عمل النشر، يستخدم الناشرون أسلوب عمل القاسم المشترك فيه هوالقراءة الدقيقة والمتأنية للنص، ولاسيما الحوار فيه، ويقول اوليفييه كوهن «أعتقد بالحوارجداً، لأنه يمكن أن يحدث تغييراً كبيراً في الرؤية «وتستشهد فيفيان هامي بالروائي فرانسوا فاليجو» لقد تجادلت معه كثيراً حول الشخصيات، وفجأة تظهرجملة تغير المعايير، حينها يتناول نصه ويغير بنيته كلياً، عملي كناشرة هو كالتالي: دفع المؤلف في معقله لكي يذهب إلى آخر المطاف فيما يمكن أن يفعله، ولكن على الإطلاق لايمكن أن نأخذ محله في الكتابة» وعلى تلك النقطة يتفق جميع الناشرين: أي منهم لايمكنه أن يعيد كتابة النص على أقل تقدير في المجال الأدبي.‏

وإن كان مانويل كاركاسون وجان مارك روبرتس يتفقان علىالعمل على شخصيات الرواية وايقاعها وبنيتها وترك مسائل بناء الجملة وعلامات الترقيم لمساعدي التحرير والمصححين، فإن باسكال غوتييه واوليفييه كوهن لايمانعان في العمل أحياناً سطراً بسطر «أمارس هذا العمل لغاية أن يمتلك المؤلف حساً نقدياً إزاء عمله» يقول مدير دار اوليفييه، قبل أن يشير « الدافع الخفي لهذه المسألة الإشكالية هوأنه وفي جميع الأعمال الإبداعية ثمة مادة مؤلفة من كلمات وصور، يمكننا أن نعمل عليها لغاية نقطة معينة، وبعدها يخشى أن نحولها إلى مادة ميتة.‏

ولذلك علينا أن نعرف التوقف قبل أن يتشوه الكتاب وينهار».‏

والفرق بين مايعتبر خللاً في البناء والتحيز للناحية الجمالية دقيق، يشرحها اوليفييه كوهن بقوله «ليس هناك معايير موضوعية لنوعية الكتاب، فالكتاب يمكن أن يبدو غيرمتجانس أو متنافر، وربما من هذه الحدة يمكن أن يصبح الجمال واضحاً، ويتقاسم جميع الناشرين وجهة النظر تلك.‏

من جانبها، تحافظ آن ماري ميتاييه علىنفس الطريقة في التعامل مع الكتّاب سواء الفرنسيين منهم أم الأجانب حيث تؤمن لهم الطبعة الأولى «أنا أفيدهم بالبنية العامة، ولا أقارب الأسلوب «يستخدم الروائيون من أميركا اللاتينية أحياناً الكثيرمن الصفات والتكرار، بالنسبة للبعض منهم يشكل ذلك جزءاً من أسلوبهم، والرهان هو فهم المشروع الأدبي للكاتب وليس حثه على تغييره أطرح عليهم مقترحات ويقبلونها بشكل عام، « وفي حال الخلاف أو الرفض» يكون الكاتب على حق فهو الذي يوقع العقد وإن التزمت بتعهد أمامه، فالكاتب هو سيد اللعبة وفي هذا الصدد يبدو جان مارك روبيرأكثر اختلافاً أحاول أن أقنع الكاتب بإجراء لمسات على نصه، وفي حال لم يجر ذلك للمرة الثالثة، أرفض النص.‏

وكما يعترف اوليفييه كوهن «إن كانت مسائل النشر يمكن أن تسبب الانشقاق، فإنها تعكس غالباً التعب والإعياء والرغبة في التغيير، مثلما يجري مع كل زوجين في آخر المطاف.

 

عن لوموند

دلال إبراهيم

جريدة الثورة الأحد 10-10-2010م

إضافة تعليق

6 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.