بيوت دمشق .. فضاء للروح والجسد

وتنتشر في الباحة بعض أشجار البرتقال والليمون المحاطة بمجموعة من الورود والرند الكثيف والياسمين المقنطر. وتُدهن الجدران بالأصفر والأبيض مُشكّلةً خطوطاً متوازيّة، وفي صدر واحد منها تظهر فتحة بشكل بوابة يحيط بها ديوان عليه يستلقي التاجر الدمشقي الغني في المساء متقياً رذاذ الندى البارد، ليستنشق رائحة التنباك المسكّرة، في حين تهمس مياه النافورة وينبعث من بين الأشجار نور خفيف لفانوس من الزجاج الملون

 

يصبو الغنى والجمال في الشرق نحو الظل، إذ نجد هناك استعراضاً صافياً للبحبوحة الخارجيّة فالأكواخ والقصور لها نفس الشكل الخارجي وخلف هذه الجدران منازل أنيقة أغدق عليها الخيال العربي أجمل ابتكاراته .

 

هذه الكلمات بعض مما جاء في كتاب (شارل رينو) المعنون ب(من أثينا إلى بعلبك) المطبوع عام 1846 في باريس. التي اتكأ عليها منظمو معرض (البيت الدمشقي _ نظرات عبر الماضي والحاضر) الذي سبق لدمشق ورأته في أحد بيوتها القديمة، وتناول برسوم خطيّة منفذة بطريقة الحفر للفنانة (إيرين لابيري) باحات البيوت الدمشقيّة الجميلة بأشجارها وأصص ورودها وبحيرات الماء والفسقيات الرائعة. كما تناول الليوان والشبابيك والنباتات المتسلقة وغيرها من موجودات الداخل من البيت الدمشقي القديم المتميز بعمارته الإنسانيّة المريحة والفريدة، كما ضم المعرض مجموعة رسوم مائيّة للفنان (ج. روبين) تناولت نفس الموضوعات.فقد صوّر (روبين) في لوحاته الزخارف الهندسيّة الرائعة المتواجدة فوق الشبابيك والزوايا والمقرنصات والأفاريز وجدران الفسقيات وأرضية البحيرات والنوافير والغرف والصالونات والأبوان.

 

وكذلك الزخارف النباتيّة والهندسيّة للرخام والموزاييك، كما صوّر النوافذ الرائعة والدرابزونات والحيطان والمطليّة بالألوان الهادئة المنسجمة. كذلك العرائش والزهور والأشجار والبوكات وغيرها من مفردات البيت الدمشقي القديم المنفذة بإتقان وبتأثير فلسفة خاصة توائم بين وظائف العمارة والمناخ، وبين جملة من المفاهيم عن العائلة والمرأة والحياة الإسلاميّة الاجتماعيّة والروحيّة. كما ضم المعرض حوالي عشرين صورة ضوئيّة للفنان (فيليب تير أنكيل) تناولت البيوت الدمشقيّة من الداخل بأثاثها وفرشها وأقمشتها وموجوداتها المختلفة، كما صوّر بعض الباحات من الخارج والتي تجمع بين الأضواء والظلال المتشابكة والمتشكلة من هذه الموجودات المسكونة بالشعر والراحة والهدوء، أو كما يقول (جان شارل دوبول):يبدو الظل والضوء في الشتاء وكأنهما متباعدان.

 

بعد لحظة فُتح الباب ثم أُغلق. إن الممر يؤدي إلى النور الذي يغطي فضاء الباحة، وتواجه النافورة المثمنيّة أحد الأبواب، ويفضي الباب إلى بحيرة إهليلجيّة، أو نجميّة، وإلى جانب المدفأة، نُضدت غلايات القهوة في النمليّة التي تحتوي على أشكال كرويّة.وتخترق الشمس الظل، فيقترب المصوّر تارة ويبتعد طوراً، غير أن المسافة غير الفسيحة تبدو وكأنها ثابتة، فيأتي الضوء ليصبح على مقربة من المصوّر ويجري ويضيع ثم يعود لتمسك الصور بتلابيبه فيصبح أجزاء مبعثرة تتجاوب وتتناوى، شأنها في ذلك شأن لعبة الادريس لدى الصغار، شأن المطر والنارنج والزريعة والأثمار.

 

وهناك الأحجار الجميلة بفوهة البئر، ودرجات السلم، وحبل الغسيل الممدود على السطح، وثقل الشراشف، وثنيات ثوب متدل، وقطعة من القماش.. وهناك الأصيص يقع أمام النافذة، ورسوم البلاطات، وألواح الزجاج..

 

وهناك انضواء المرآة في إطارها، تتعلق الأصوات في الفضاء كما الروائح، فتتحرك أغطية الطناجر في المطبخ، وينطلق وقع خطى لأن أحدهم خرج إلى الباحة وألقى بالماء على الأرض، فتسكت الحمامة، وينبعث أزيز رهيف بين الأغصان الممتدة على طول الجدار.. ويكرر أحد الأولاد فراديّة من الأرقام وهو يدور..

 

وتمر طائرة (بهذا الكلام الجميل الساحر، عبّر (جان شارل دوبول) عن أجواء الصور الضوئيّة التي نفذها الفنان (فيليب بترانكيل) المأخوذة من وعن البيت الدمشقي القديم المتميز عمارةً ونباتاً وروحيةّ ووظيفةً.

 

كما قدم المعرض صوراً ضوئيّة لزوايا ومقرنصات وأفاريز وطرز معماريّة داخليّة في البيت الدمشقي، هذا الذي أخذ بمشاعر الفرنسيين بشكل خاص، والأوروبيين بشكل عام.

 

سحر أفئدتهم، ورطب الروح الشاعريّة عندهم، فإذا بهم يُطلقون حمامة الروح لتحلق في أجوائه، وشيئاً فشيئاً ينعس القلب، وترتخي الأعصاب، وينطلق الحلم ندياً: (في الشتاء تقبع في زاوية الباحة لتأخذ وبهدوء ودفء الشمس، وفي الصيف نلجأ إلى ظل الليوان.

 

إن البحيرة توحي (ولو أنها فارغة) بالماء وخريره وصفائه، وعندما نلقي أسطل الماء على الأرض، أو نفتح الخراطيم، نراه يحيي ألوان الأديم الذي يمتزج فيه الماء بظل أوراق الشجر أو بلون السلحفاة.

 

وفي المساء والصباح، تحتل العصافير الأشجار، وتعزف زقزقتها، ويوسخ الحمام واليمان الجدران المتعددة الألوان التي هي بحد ذاتها بهتت زينتها، وتفتت زراكشها، وتتداخل الأبواب والنوافذ بسبب الكتل النباتيّة الخضراء وتقاطع الأغصان والأماليد والجذوع التي تنداح من الباحة فتكسر حدة صورة الأطراف في ملامستها للسماء).

 

هكذا ترى (ابرين لابيري) البيت الدمشقي القديم. أما (شارل رينو) فيضيف وهو مسحور حالم: (وتنتشر في الباحة بعض أشجار البرتقال والليمون المحاطة بمجموعة من الورود والرند الكثيف والياسمين المقنطر. وتُدهن الجدران بالأصفر والأبيض مُشكّلةً خطوطاً متوازيّة، وفي صدر واحد منها تظهر فتحة بشكل بوابة يحيط بها ديوان عليه يستلقي التاجر الدمشقي الغني في المساء متقياً رذاذ الندى البارد، ليستنشق رائحة التنباك المسكّرة، في حين تهمس مياه النافورة وينبعث من بين الأشجار نور خفيف لفانوس من الزجاج الملون).

 

وتستدرك (لابيري): (وهناك أوراق تُلمس وتُحرك كأوراق الحمضيات، وأوراق تُهز وتُشم كأوراق الريحان، وأوراق تُستعمل كزهورات كأوراق المليسة والنارنج وإبرة الراهب..

 

وهناك أوراق نصغي إليها ونتفيأ بها. وهناك نباتات نتبارك بعمرها لأنه يرتبط بعمر الأجداد كالشمشير. وهناك نباتات نادرة يعرف أصلها وفصائلها وكانت هدية من الجيران أو من غيرهم كالورود، وهناك نباتات تدهش لانتشارها كنبتة اللحلاحة) وهناك بعد الكثير من هذا السحر المطهم الندي للبيت الدمشقي القديم الذي للأسف، بدأ ينقرض ويزول في حمى الفوضى المعماريّة، وغياب التنظيم والإشراف، وازدهار التجارة وانتشارها حتى في الأصيل الرائع من التراث. يرى أحد الباحثين الفرنسيين أن العاملين الأساسيين اللذين أثرا في البيت الدمشقي القديم هما:

 

ـ عامل إنشائي هو ظهور الاسمنت واستعماله كمادة أساسيّة في إقامة الجدران والسقوف والطوابق المتراكمة.

 

ـ عامل عمراني سببه ظهور السيارات التي غيّرت النظام العمراني للمدينة الحديثة، بل غيّرت أسس العمارة الدمشقيّة التي كانت داخليّة ثم أصبحت خارجيّة تماماً. وعند الحديث عن البيت الدمشقي فإن المثال الأوحد لنا هو البيت التقليدي، أما البيت الحديث فهو بين طارئ لا يرتبط بالتقاليد المعماريّة الدمشقيّة، ولا يرتبط بالطابع العمراني التقليدي للمدينة، كما أنه ينفصل عن التقاليد الاجتماعيّة، وعن الظروف المناخيّة الثابتة.

 

والسؤال الذي يفرض وجوده الآن: ترى هل نحافظ على ما تبقى من البيوت التقليديّة العربيّة، وهو أضعف الإيمان ما دمنا غير قادرين ولا نريد أن ننشئ بيوتاً على منوالها، خاصة، أن هذا (الما تبقى) من هذه البيوت الأصيلة الرائعة المتوافقة مع مناخ بلادنا وعقائدنا وعاداتنا وتقاليدنا ليس بالكثير؟!!.

 

عن مسارات البيان الإماراتية

إضافة تعليق

1 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.