تبسيط اللّغة العربيّة أم تعلّمها وتعلّميّتها؟

بيروت "صندوق سورية وفلسطين وندوتها التجاريّة.." ومدرسةٌ لجزء عظيمٍ من قارّة آسيا لتعلّم المعارِف والصنائع العصريّة"، بهذه الأوصاف يُعرِّف الكاتِب والنهضويّ سليم البستاني بيروت في أواخر القرن التاسع عشر، من على صفحات "الجنان" البيروتيّة 1870-1884 (داغر، شربل 2012).

ربّ معترضٍ على هذا القول سائلاً: ما الصلة بين بيروت والعربيّة؟ وهل إنّ لتبسيط اللّغة العربيّة، النامية في شبه الجزيرة العربيّة، والمتّصلة جذورها بأخواتها الساميّات، شمالها، حتّى البحر المتوسّط، صلةً بتقريب اللّغة العربيّة الفصيحة (أو الفصحى) الحوشية، والمقعّرة، إلى أفهام طلاّبنا وطالباتنا العرب، بغضّ النّظر عن أصولهم وانتماءاتهم العقائديّة وثقافاتهم التي يتدبّرونها في ما بينهم؟ للإجابة عن السؤال الإشكالي الثاني نقول: نعم، وألف نعم. ذلك أنّ تجديد اللّغة وتحديثها وعَصْرنتها ما كان ليُنادى به وحدَه، وكأنّما هو الغاية الأسمى والوحيدة للساعين إلى النهضة العربيّة. وإنّما كان الِعلمُ والتعليمُ مُتلازميْن مع مطلب تجديد اللّغة العربية، عنواناً للنهضة الأولى والثانية، نظير ما رأينا لدى أحمد فارس الشدياق والبساتنة والطهطاوي (حوراني، ألبرت 2013). بل كان ذلك عنوانَ كلّ نهضة عبرَ التاريخ الإنساني الطويل، بزغت أنوارها على يد المئات من الباحثين والنقّاد والعلماء والفلاسفة والمؤرّخين والأدباء الذين طوّعوا اللّغة – القديمة المنشأ – ووسّعوا آفاقها وابتدعوا لها عوالمَ من الأفكار والكلمات والتراكيب ما يُعادِل التجديد الذي أرسته الحداثة والنهضة. وقد ذهبت بعضُ الآراء، ولاسيّما في البحوث اللّغوية لدى بعض الشعوب الأوروبية مذاهب متطرّفة، إلى حدّ اعتبار بعض اللّغات كاملة أو أقربَ (إيكو، أمبرتو Umberto ،Eco ،1994)، بينما كان علماء اللّغة العرب والفقهاء منهم، كما أشرنا يسعون إلى إثبات قدرتها على الدخول في العصر (ثال إبراهيم اليازجي) ومماشاته في صوغ العبارة والترجمة عن المقاصد والآليات والأدوات العصرية التي نجمت عن "الثورة الصناعية" الكبرى.

ولكن، هل جَهَد هؤلاء العلماء العرب والفقهاء المنبّهون إلى النهضة في تبسيط اللّغة العربية بغية تقريبها من أفهام طلاّبنا وطالباتنا، على مدار القرون الثلاثة الماضية (الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين)؟

ولئن كان محالاً الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال، إذ يتطلّب اتّفاق جهود جبّارة تقوم بها حكومات ومؤسّسات كبرى لدراسة ما تمّ إنجازه في هذا الشأن، فإنّ الثابت ممّا بلغته العربية في عهدنا اليوم أنّ هذه الجهود المُتراكمة أثمرت على أصعدة عديدة، يمكن لنا عرضها على النحو الآتي:

 على صعيد لغة الصحافة: هل يصحّ القول إنّ لغة الصحافة العربية هي نفسُها، منذُ ما قبل ظهور جريدة "الجوائب"، وبعد إسهامات أحمد فارس الشدياق فيها، والبساتنة وجرجي زيدان في جريدة "الهلال"، وسليم تقلا في جريدة "الأهرام"، وغيرهم وغيرهم، وصولاً إلى القرن العشرين، الذي سادت فيه الصحافة المكتوبة على ما عداها من وسائل الاتّصال  الحديثة؟ بالتأكيد  لم  تَعد  اللّغة العربية نفسها، وإنّما كان التبسيط في العبارة، والتجديد في المصطلحات والنحتُ الكثير لمصطلحات جديدة، عناوين دأب على تحقيقها الكتّاب الصحافيّون، وكان جلّهم من الأدباء والشعراء والروائيّين.

 على صعيد لغة التعليم: لا يحتاج الباحث في إسهامات علماء اللّغة والمتبحّرين منهم بالعربية، منذ أوائل القرن التاسع عشر (يُنظر قاسم، رياض، 1982)، بل قبل ذلك، إلى يومنا هذا، إلى الكثير من العناء ليُدرِك مقدار الجهود المبذولة لتبسيط اللّغة العربية وتيسيرها للطالب؛ بدليل وجود العشرات بل المئات من كُتب اللّغة والقواعد والبلاغة التي وضعها مؤلّفون جلّهم من اللبنانيّين والشّاميّين "ممَّن وسّعوا لنا طريق التعبير، ويسّروا لنا منه العسير"، على حدّ قول الشّدياق نفسه. وقد يكفي الاطّلاع على عناوين هذه المؤلّفات للتثبّت من هذا الميل الصارخ الى تيسير العربية لأجيال مقبلة على التعلّم في سبيل التمدّن الأكيد. ولعلّ هذا دأب إبراهيم اليازجي في كتابه "نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد" وبطرس البستاني في معجمه "محيط المحيط " وغيرهما الكثير.

 على صعيد لغة الترجمة: ولو نظرنا الى إسهامات المُترجِمين العرب، منذ أوائل  القرن  التاسع عشر حتّى العشرين، لوجدناها طيّبة الأثر على صعيد اللّغة العربية وتجديدها بصفة عامّة؛ إذ كان "الكتّاب اللبنانيّون على الغالب من أصحاب التجديد لاشتغال أكثرهم  بالترجمة. بل  كانوا  دعاةَ التجديد وروّاده لسيطرتهم على الصحافة العربية الصادرة في البلاد  العربية أو خارجها" (زيتوني، لطيف، 1994). وبالطبع، فقد عُنيَ المترجمون باللّغة العربية المُترجَم إليها بإضافة الكثير من المصطلحات والمفردات والمعاني والاتّجاهات العصرية، مثل المذاهب الأدبية والأنواع الأدبية غير المعروفة إلى حينه (كالمسرح، والقصّة، والرواية، وغيرها). والأهمّ من ذلك أنّ  هذه الإسهامات "لا تُنكر في بعث هذه اللّغة (العربية) وتحديثها وتطويعها، وفي تعميم فهمها بين الطبقات الدنيا القليلة الثقافة" (زيتوني، لطيف).

 ولكن، هل ما زال تبسيط اللّغة العربية هو العنوانَ الوحيد لتعليم اللّغة العربية وتعميم فوائدها على سائر المتكلّمين بها والمتداولين بها كتابةً وشفاهةً؟

للإجابة نقول: بالطبع لا. ذلك أنّ  التبسيط  إجراء  أوّلي، وإن  يكن  متعدّد  المهامّ، وقاصرٌ عن الغاية الأساسية التي نسعى إليها، نحن المَعنيّين بتعليم العربيّة، عنينا بها جعْلها لغة طلّابنا وطالباتنا، يبنون بها معارفهم، ويعبّرون عن أنفسهم بكلّ ما أوتوا من وسائل وأنواع أدبيّة ووسائط.

ثمّ إنّ معركة تبسيط اللّغة العربية (الفصحى) التي خاض غمارها النهضويّون قد بلغت منتهاها بأن انتصرت العربية الجديدة الميسّرة، فباتت لغة الصحافة، والتدريس، والمراسلات الرسمية، والأبحاث الإنسانية، والآداب كلّها، بل لغة الإعداد المهني والتربوي والديني وغيرها من المجالات التي لا تُحصر ولا تُعدّ. ولربّما شاء البعض أن يعالجوا انصراف أجيالنا، من الطلّاب والطالبات العرب، عن لغتهم العربية الأمّ بدواء التيسير أو التبسيط، أي بذلك العُقار الأحاديّ البُعد والذي يطاول طيفاً  واحداً من أمراضٍ متعدّدة الأبعاد، عنيتُ بها سُقم الهويّة، وتبخيس الذّات، والشكّ في الانتماء إلى الوطن (العربي)، وعدم الركون إلى المنهج العلمي في النَّظر الى الأمور، وقلّة الإنتاجية الفكرية وغيرها. وهو دواء لن يكون ناجعاً، على حدّ علمنا، ولاسيّما أنّ مكانة اللّغات الأجنبية في أذهان طلّابنا آخذةٌ في التضخّم على حساب العربية ونظمها ورنينها وجرْسها وقوّة بيانها وفصاحة تركيبها ونصاعة ألفاظها وشدّة أثرها في النفوس. وبناء على ذلك، فقد وجدنا أنّ الأمر يحتاج إلى أكثر من تبسيطٍ للّغة العربية وتيسيرها، وأبعد من تخفيف العبء على طالِب العربية من أجل أن يتقبّل لغته القديمة. إنّما الحاجة الملحاح إلى رؤية تربوية تنقل الطالب العربي من وضع تلقّي اللّغة العربية (الفصيحة) وتلقينها، من قبل المعلّم(ة)، إلى وضع المشاركة في تعلّم اللّغة والإقبال عليها من أجل بناء معارفه بنفسه، على حدّ ما يقول المفكّر الروسي (VIGOTSKY) فيغوتسكي وبناء على آخر مستجدّات علم التعلّمية أو الديداكتيك، والذي يعتبر دعاته (شوفالار) أنّ ثمّة علوماًعديدة تتضافر في ما بينها (علم اللّغة، علم نفس التعلّم، التربية، علم  التداولية، علم  الأصوات، الصّرف والنحو، علم الرموزية وتحليل النصوص والخطاب..إلخ) من أجل أن تتيح للفاعلين التربويّين (المعلّم، الإدارة) نقل المعارِف إلى المتعلّم – الذي بات محور التعليم –  نقلاً مدروساً بعناية وبطرائق ناشطة وفعّالة، بغية إنجاح العملية التعليمية – التعلّمية.

إذن، هل ما زال ممكناً نقل المتعلّم العربي، ومتعلّم  اللّغة العربية الفصحى، من حال  الوهن  الدالّ على انصرافه عن لغته الأمّ، إلى إقباله على هذه اللغة وتعلّقه بها، وبناء معرفته من  خلالها وتعبيره عن ذاته الحميمة بها؟ نعم إنّ ذلك الرهان لا يزال ممكناً شريطة أن  تتوفّر الإرادة  واليقين: إرادة  لدى المجتمع أفراداً ومؤسّسات وسلطات، ويقين لدى مجتمع المعرفة في بلادنا (العربية) بلزوم تفعيل آخر مكتشفات علوم التربية والتعليم والتعلّم من أجل إحداث نقلة نوعية في تعليم لغتنا العربية وتعلّمها من قبل أجيالنا. ولئن كان دون ذلك تحدّيات كبرى، مثل إعداد  معلّمي اللّغة العربية ومعلّماتها إعداداً عصرياً، وتهيئة الكُتب المدرسية التي تُترجَم عن هذه التوجّهات الحديثة والمُعاصرة واعتبار تبسيط اللّغة شأناً داخلاً في كيفيّة نقل المعارف على نحو ملائم لنفسيّة المتعلّمين وقدراتهم، فإنّ الغاية السامية السالف وصفها تجيز المباشرة  في هذا المسار، لا بل تفرض علينا الخوض فيه حتّى.. انتصار العربية الحديثة والمعاصرة في نفوس طلّابنا وطالباتنا الأعزاء.

إضافة تعليق

6 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.