تجليد الكتب

مثّـل تجليد الكتب وترميمها حرفة وفناً ازدهرا في عالمنا العربي والإسلامي؛ نظراً لقيمة الكتاب وأهميته وفائدته.
وتعتبر المخطوطات والوثائق والكتب المجلّدة يدويّاً من النفائس الفنيّة، والتحف الثمينة التي تحرص المتاحف على اقتنائها, كما تعقد على شرفها المعارض العالميّة. لكن ثمة هواجس كثيرة تخشى من اندثار تلكم الحرفة التي باتت تخضع لمنافسة قوية أمام آلات التجليد الحديثة. وهناك من يتنادى لتضافر الجهود للمحافظة عليها وإنعاشها كموروث عريق. وعلى جانب آخر ثمة من يرى أنه كما بقي الكتاب/الصحيفة/المجلة الورقية جنباً إلى جنب مع نظيراتها الإلكترونية؛ سيظل التجليد اليدوي، التجليد المتقن الجميل، فناً عصياً على الانقراض، بل يبـز نظيره الآلي.

مهما يكن من أمر المنازعة بين المهارة اليدوية، والتقنيات الآلية.. فإن التجليد، والتجليد الجميل المتقن، علامة دالّة على مدى الاهتمام بسبل التثقيف والمثاقفة، وعلى رأسها الكتاب. ففن التجليد يعمل على حفظ الكتب من التآكل والتلف، ويزيد من أعمارها، ويشخص تاريخها، ويعكس معنى وقيمة محتوياتها. كما يترك النظر إلى المجلدات الفخمة –في العقل والوجدان- متعة كبيرة لا تـقدر، وبهجة غامرة لا توصف.

لم يكن الكتاب، كما نراه اليوم، معروفاً في الأزمنة القديمة. فلقد كتب الإنسان القديم كتابه الأول على الطين والحجر، وجدران المعابد والبيوت. وكتب السومريون على الألواح الطينية بأشكال وأحجام وأرقام مختلفة، فدونوا عليها علومهم وتاريخهم  وكتب قدماء المصريين على لفائف البردي، وصنعوا من صحائفه كتباً. فكانت تلصق ببعضها البعض على شكل شريط طويل، يلف ليصبح إسطوانياً. وبالإضافة إلى البردي فقد استعمل المصريون ألواحاً من الخشب المغطى بالجص، وألواح العاج المغلفة بالشمع. واستخدم الصينيون الحرير وألواحاً خشبية، كانت عرضة للتلف والحرق. واستخدم اليونان والرومان ألواح الخشب المغلفة بالشمع، ولفائف البردي التي استعملتها شعوب غرب أوروبا. وعرف الرَّق، واستخدم في كتب العهد القديم والجديد، ونسخها إلى الأصقاع. ولم يؤثر الرق على استخدام البردي، ولكن اختلف شكل الكتاب مع استخدام الرق فأصبح على هيئته الحالية. وأصبحت صفحاته ترتب الواحدة تلو الأخرى، وأخذ شكلاً مستطيلاً كما هو اليوم.

وجرى تقطيع أوراق البردي أو الرق، وخياطتها على أشرطة من الجلد. ثم وضعها بين ألواح رقيقة من الخشب المحبب (خشب البقس أو الجميز). مع ما قد يضاف إلى الخشب من المحسنات كتطعيمه بالعاج، أو تذهيبه بصفائح ذهبية، أو فضية مرصعة بأحجار كريمة. ومن هنا نشأ فن التغليف. والذي يعنى أساساً بحفظ الكتب من التآكل والتمزيق. وكانت هذه الأغلفة الثمينة عرضة للسرقة لنفاستها. وقد جرّب التغليف بأوراق البردي بعد تضعيفها ثم تغليفها. ولكن لطبيعتها السهلة الانكسار تم الرجوع ثانية للخشب. ثم تطور التغليف والتجليد ليصبح من الجلد. ومن الجلد أطلق عليها اسم (التجليد)، مع إضافة لمسات فنية وجمالية إليه. وشملت رسومات نباتية وهندسية وزخارف تراثية تطبع بالذهب أو الضغط ليصبح نافراً على الجلد الفاخر. مما يكسب الكتاب قيمة جمالية، ويجعله -شكلاً وجوهراً- وعاء باهراً، يحتضن في أحشائه درراً ونفائس.

وأول من عرف هذا الفن الأقباط المصريون، فكانوا يعنون بتجليد كتبهم ويتفنون في ذلك. وثمة نماذج من أغلفة كتب قبطية استخدمت فيها خيوط سعف النخيل، ودفتان من الخشب، وجلود مزخرفة. وعنهم أخذ المسلمون، وطوروا هذا الفن. وبخاصة تجليد القرآن الكريم (أول كتاب عرفه المسلمون). فجاءت المصاحف غاية في الإتقان والجمال. وكان المسلمون قد كتبوا المصاحف على الرقوق, ثم حفظوها بين لوحين من خشب, وغالب الظن أن دفتي الخشب كانتا تكسيان بالجلد أو بالقماش المطرز، ولا تخلو من الزخرفة والزينة.

وفي القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) شهد فن التجليد تطوراً كبيراً، دلت عليه أغلفة المصاحف المتقنة في هذه الفترة. ولقد كانت عناية المسلمين، ولا سيما الخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء والأثرياء والعلماء، بتغليف المصاحف والكتب عناية بالغة. ومع إنشاء (بيت الحكمة) في بغداد، وجدت أماكن خاصة بتغليف الكتب بعد نسخها. وجلبت لهذه الغاية الجلود المتنوعة جودةً وقيمةً من كل مكان, ثم ازدهر التجليد وتميز أهل كل بلد بميزات وبصمات (تجليدية) خاصة, حتى أصبح موطن الكتاب يعرف من خلال تجليده, (وبخاصة النقوش والزخارف) سواء أكان من العراق، أو من مصر، أو من المغرب، أو من اليمن.. إلخ.

ففي عصر المماليك نجد شيوع النجمة الاثني عشرية، وفي دولة الموحدين في المغرب أخذوا النجمة الثمانية الشكل. ويعتبر الختم الصفوي معقداً جداً وجميلاً في آن, فهو عبارة عن زخارف نباتية دقيقة متداخلة ومتشابكة وتأخذ مساحة واسعة من الغلاف. أما الدولة العثمانية فأخذت التشكيل النباتي وحورته إلى زخارف بحيث وزعت هذه الزخارف على متن الغلاف (في الوسط والأركان والمحيط). وفي الأندلس كان التجليد متقدماً رائجاً. يقول (المقدسي) في (أحسن التقاسيم: 239): «أهل الأندلس أحذق الناس في الوراقة». ويعود ذلك لاستقدام أمهر المجلدين من بغداد وصقلية، بالإضافة إلى أهل الأندلس.

ومن مصنفات صناعة التجليد: (عمدة الكتاب وعدة ذوي الألباب) لا يعرف مؤلفه، وفيه شرح وافٍ لكيفية التجليد وأصوله, و(التيسير في صناعة التسفير) للإشبيلي، شرح فيه طرق التجليد والنقش التي كانت على عهده ببلاد المغرب, و(صناعة تسفير الكتب وحل الذهب) للفقيه أبي العباس أحمد بن محمد السفياني، ألفه عام 1029هـ.

 

إلى أوروبا

انتقل هذا الفن، وتطور في أوروبا، واكتسب فخامة، ورشاقة، ووقاراً، وغدا صنعة باهظة التكلفة. وظهر استخدام جلود الماعز المراكشية (ماروكان)، والتي توافرت في (قرطبة) ومن ثم تم تصديرها لسائر دول أوروبا. ثم جاء الدور على الجلد المحبب المجهز من جلود الماعز والغنم. ونقل فنيون بيزنطيون حرفة التجليد بعد سقوط القسطنطينية (1453م) بيد العثمانيين إلى أوروبا وجزيرة كريت التي كان يحكمها الجنويون. وافتخرت (باريس) بوجود اتحاد من المجلدين، يخضع لقواعد دقيقة. ولم يكن الإيطاليون، والهولنديون، واليانانيون أقل اهتماماً، ولا مهارة في التجليد من الباريسيين. ومنذ القرن الخامس عشر اشتهر حرفيون من تلك البلاد، وعمت شهرتهم أوروبا.

وكان الحرفيون يتنافسون في إظهار مهاراتهم، ويزينون المجلدات التي يصنعونها، بقطع من الأحجار الكريمة المصقولة. ويطلونها بالمينا، ويزخرفونها بالرسوم المذهبة والمفضضة. وكانت الكتب القيمة، تجلّد بالحرير المطلي بالذهب أو بالفضة، وتزين بالحجارة الكريمة وترسم على الغلاف صور لتنين طائر أو نسر برأسين (كما يتجلي في ملامح فن التجليد البيزنطي). ويراعى في الغلاف أن يكون سميكاً بحيث يحفظ الكتاب من الحرارة والرطوبة، كما يراعى في الزوايا وضع أربع زوائد معدنية لتحميه من الصدمات والاحتكاكات.

وكانت صناعة التجليد البيزنطي (وبخاصة الكتب الدينية الأرثوذكسية) قد دخلتها (مؤثرات) من فن التجليد عند العرب والمسلمين. ومنها بعض الزخرفات الإسلامية المشهورة التي زينت الكتب البيزنطية. كما أن منها الأداة التي توضع في وسط الكتاب لمعرفة أين وصل القارئ في تصفحه للكتاب؟. ولقد استمرت هذه التأثيرات الإسلامية فترة طويلة، ثم حلّ مكانها تصويرات أرثوذكسية أخرى. لكن المحيط بقي مزيناً برسومات إسلامية، ولم يعد هذا بالضرورة في الكتب الدينية وحدها، بل امتد إلى الكتب الأخرى.

فحتى العام 1480م لم تتميز الكتب المطبوعة بشكل جوهري عن الكتب المخطوطة من ناحية التجليد. وفي العقود الأولى لتطور الطباعة.. لم يكن الطابعون/الناشرون يهتمون كثيراً بتجليد الكتب. ففي معظم الأحيان، كانوا يبيعونها دون تجليد. وبخاصة تلك التي كانت معدة للبيع في بلد آخر. فيتسلم أصحاب المكتبات الكتب في براميل من الطباعين ثم يجلدونها قبل بيعها مباشرة. كما كان كثير من الزبائن يفضلون شراء كتبهم دون تجليد لكي يجلدوها بأنفسهم، وحسب أذواقهم.

لكن تزايد إنتاج الكتب المطبوعة أدى لتبسيط طريقة التجليد. فتدنى التجليد.. حرفياً وجمالياً. لكنه بقي يرضي قراء الطبقة الوسطى. أما هواة جمع الكتب النفيسة فقد كانوا يوصون المجلدين باستعمال الجلد الثمين، وتزيين كتبهم حسب أذواقهم. وقد لجأ بعض الطباعين إلى استخدام بعض المجلدين في ورشهم. لكنهم في الأغلب يوفرون تجليداً خاصاً لنوع معين من الزبائن. ثم تراجع فن التجليد لعدة قرون، ليزدهر من جديد في القرن التاسع عشر. وظهر التجليد الصناعي الذي فتح المجال لاستعمال مواد أخرى.

 

أدوات

كانت الأدوات التي استخدمها الحرفيون المشهورون في صناعة التجليد، أدوات بسيطة. لكنهم أبدعوا بها أعظم أعمالهم. ومهارة التجليد للهواة لا تحتاج لجهد تدريبي كبير. ويستطيع المجلّد أن يقيم مشغله في أي حيز، جاف، جيد الإضاء، بإمكانات بسيطة تشمل عدداً من القطع وهي: منضدة خاصة، منقاش (شفرة حادة)، أو مقشط لفصل الزوائد من الورق. مكبس بسيط يتكون من لوحين من الخشب السميك، يمكن الضغط على ملازم الورق بواسطة كباسات مزودة بحزاقات ذات عراوٍ. ويحتاج الأمر أيضاً، لمكبس للتذهيب. وتشتمل الأدوات أيضاً على: قراضة مثبتة على لوح خشبي، ولوحة رسم قديمة للخياطة، ومنشار يدوي دقيق، ومطرقة ضخمة، وسندان صغير للطرق عليه، وبعض المخاريز الطويلة لعمل ثقوب للخيط، وعدد من الإبر المتينة للرتق، ومسطرة من الصلب، ولوح من الزنك، ومسن، وملقاط. فضلاً عن الغراء، والخيوط، وورق التغليف، والجلد، وغير ذلك من مستلزمات الحرفة. كما ظهرت أنواع من الجلد القماشي، والورقي الصناعي، مثل: الورق الإبرو الأسود، والورق الرخامي المطرش. وهي أنواع تقارب أسعارها أسعار الجلود.

والتجليد المتقن الجميل يجب أن يكون أنيق المظهر، ويتطلب مراناً، ودقة، وذوقاً، وإحساساً فنياً. وثمة عمليات أساسية له، تبدأ بفك الملازم الورقية وفصلها عن بعض، وتنتهي بكتابة عنوان الكتاب، ومؤلفه، والكتابة المذهبة بالأحرف المتحركة الرصاصية، ونقشه بطريقة (الزنك غراف). وهي خطوات بالغة الدقة ويقوم بها إخصائي محترف. وعلى سبيل التمثيل: عرفت حلب بأنها مركز للثقافة حيث كثرت فيها المكتبات واقتناء الكتب, وساهم ذلك في وصول أدوات الطباعة اليدوية بوقت مبكر قبل العشرينات من القرن الفائت. ويبتكر الحرفيون المبدعون تصميمات جديدة للتجليد تعتمد على المزج بين الخامات الأوروبية والحرفة العربية، وتزاوج بين الأذواق الشرقية والعالمية (تجليد عربي، تجليد فرنجي). ونجحت تلكم الابتكارات التي أدخلت على التجليد اليدوي وحولته إلى فن خالص، عصيّ على الاندثار.

لا شك أن هناك فرقاً بين التجليد اليدوي وما تقوم به ماكينة التجليد في وقتنا الحاضر. فالمجلّد مثلاً يعيد المخطوطات إلى الحياة، واضعاً لمساته الفنية الشخصية المميزة عليها. كما يصمم أغلفتها بما يتلاءم مع تاريخها. وذلك في كثير من الحرفية والإبداع والتميز مما يجعل كل كتاب كأنه تحفة فنية مستقلة ممهورة باسم صانعها. على عكس الماكينة التي ساعدت على الإنجاز السريع، والإنتاجية الكبيرة لتلبية الطلب المتزايد. وأمام مميزات التجليد الآلي؛ بدأت حرفة التجليد اليدوي في الاندثار. حيث اتجه معظم عمالها إلى معامل التجليد الآلية، في حين اكتفى من تبقّى منهم بالقليل الذي يأتي من هواة جمع وحفظ نوادر الكتب والمخطوطات القديمة التي توشك على التآكل.

 

أنواع ومراحل

تجليد المخطوطات يعتمد كلياً على اليدين وأدوات من الطبيعة. وله أسلوبه من الحياكة والحبكة إلى تصميم الغلاف، بحيث يتناسب مع العصر الذي نشأ فيه. ويمر تجليد المخطوطة بمراحل: (ترتيب الملازم وفق تسلسلها الصحيح، ثم عملية الخياطة على نوعين خياطة عربية (للمخطوطات الصغيرة الحجم)، وخياطة متصالبة للمخطوطات الكبيرة. ويثبت الكعب بالقماش والغراء المناسب. وتأتي مرحلة الحبكة أي التطريز على كعب المخطوط من الأعلى والأسفل، ومهمتها حماية الكعب من الاهتراء وإعطاء جمالية له. ثم يفصل الغلاف من قطعة كرتون، ومثلها من جلد طبيعي. ويطبع التصميم الزخرفي على سطح الغلاف (على الوجهين الأمامي والخلفي)، وبعد أن يجف توضع الرتوش النهائية للتجليد. وذلك بتبطين الغلاف من الداخل ووصل الوجه الأمامي والخلفي مع الصفحة الأولى من المخطوطات. وعمل مفاصل لتأمين سهولة فتح وإغلاق الغلاف من الجهتين. والتجليد الحديث يتم تقريباً بالمراحل نفسها، إنما بأسلوب مختلف نوعاً ما, حيث تتم عملية تثبيت الكعب بوضع حياكة صناعية تستخدم فقط للزينة، تليها مرحلة تفصيل الكرتون وتثبيت الجلد الصناعي على الكرتون بمادة لاصقة، ثم يثبت الغلاف على الكتاب ويتم تبطينه فتذهيب العناوين على كعب الكتاب.

 

 

المجلة العربية

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.