تدين شكلي . . لا يستفيد منه المسلم

مشكلتنا في العالم الإسلامي الآن، خاصة في بعض الدول العربية، أننا أصبحنا نهتم بالمظاهر الشكلية، حتى لو كانت بعيدة كل البعد عن حقائق الأشياء، وهذا السلوك المعيب ينطبق للأسف على علاقتنا بديننا، حيث شاعت بين كثير من المسلمين مظاهر تدين شكلي لا علاقة لها بحقيقة التدين، وليست هي بالتأكيد التي يريدها الخالق عز وجل لعباده .
هذا الفريق من الناس الجاهلين بحقيقة الدين يعتبرون أنفسهم متدينين لتمسكهم الظاهر بأمور شكلية لا صلة لها بجوهر الدين، ويحرصون على أن يضفوا على أنفسهم جواً مظهرياً يوحي بالتدين، فاللحية تطول إلى أقصى حد، والثياب قصيرة، والمسبحة لا تفارق أيديهم، والبسملة تنساب من أفواههم بمناسبة ومن دون مناسبة، والتشدد المفرط في صغائر الأمور الدينية هوايتهم المفضلة، وهذا هو مبلغهم من التدين الذي هو أمر باطني لا صلة له بهذه المظاهر التي قد تكون خادعة في أحوال كثيرة .
ولو اقتصر الواحد من هؤلاء المتشددين الجاهلين بحقيقة الإسلام على الاهتمام بنفسه وترك خلق الله يكيفون حياتهم على النحو الذي يريدون، طالما أنهم لا يخرجون في تصرفاتهم عن جوهر الدين؛ لما كانت هناك مشكلة، لكن المشكلة أن هؤلاء يريدون أن يحملوا الآخرين على الاقتداء بهم في مظهرهم والانخراط في دائرتهم، ولسنا ضد أن يشدد إنسان على نفسه على النحو الذي يريده، وأن يتعبد بالطريقة التي يعتقد أنها تريح ضميره، لكن أن يدعو الآخرين إلى الاقتداء به في التشدد، ونشر هذا التشدد بين الناس باسم الدين، فهذا هو الأمر المرفوض، ومن هنا رفض النبي، صلى الله عليه وسلم، التشدد في الدين قائلا: “لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم” . . “إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه” .
والإسلام في جوهره دين الوسطية والاعتدال، لا يطلب من أتباعه أن يعملوا للدنيا على حساب الآخرة، ولا للآخرة على حساب الدنيا، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا”، ومن المرويات في هذا الصدد أن ثلاثة من الصحابة ذهبوا إلى بيت النبي يسألون عن عبادته ليقتدوا بما يفعل، فلما حكى لهم ما يفعله النبي كأنهم تقالوها، (أي اعتبروها قليلة بالقياس إلى ما يفعلونه) فقال أحدهم إنه يصلي الليل كله ولا يرقد، وقال الثاني إنه يصوم ولا يفطر، وقال الثالث إنه يعتزل النساء ولا يتزوج، وعندما سمع الرسول مقالتهم خرج إليهم وقال: “لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني” .
والتدين الحقيقي الذي ينبغي أن يدركه كل مسلم ليس رسوماً ولا أشكالاً ولا طقوساً مظهرية، وإنما هو علاقة حميمة تربط بين الإنسان والله الذي لا ينظر إلى صورنا وأشكالنا لكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، كما جاء في الحديث النبوي الشريف .
وهناك وجه آخر لهذا التشدد الممقوت يتمثل في الميل إلى الإفراط في تحريم مباهج الحياة التي يسميها القرآن “الطيبات من الرزق”، لدرجة جعلت هؤلاء المتشددين يجعلون من الإسلام قائمة طويلة من المحرمات، وجعلت من الدين عدوا للحياة، فالتدين عند هؤلاء تجهم وكآبة ورفض لكل ما يدخل السرور والبهجة على حياة الناس، فالموسيقا حرام، والغناء حرام، حتى لو كان يحمل رسالة دينية أو أخلاقية أو اجتماعية، والنقاب للمرأة فرض لا يجوز أن يظهر منه إلا سواد عينيها، وتتبارى بعض الفضائيات في هذا المجال، وقائمة المحرمات لا تنتهي، بل يضيف إليها هؤلاء كل يوم شيئاً جديداً، على الرغم من أن التحريم في الإسلام لا يكون إلا بنص صريح لا يقبل التأويل .
ويرجع السبب في ذلك كله إلى ضيق الأفق ومحدودية الثقافة الدينية وقلة الفقه بالدين لدى هؤلاء العابثين بدين الله الذي لم يعطهم توكيلاً ليكونوا متحدثين رسميين باسم الدين، وليكونوا أوصياء على الآخرين يكفرون هذا ويحكمون بالفسق أو الابتداع على ذاك، ويعطون لأنفسهم الحق في الحكم بطرد هذا أو ذاك من رحمة الله .
وزير الأوقاف المصري الأسبق

إضافة تعليق