تطبيق النظرية السياقية على قصيدة “زهور” للشاعر أمل دنقل جزء 2 من 3

السياق النفسي..كانت نفسية أمل دنقل يوم أصابه المرض في حالة يرثى لها كان يشعر بالحزن والغضب حيث “انفجر يوما ما أمام صديقه الشاعر عصام الغازي:
لماذا يهاجمني الموت في زمان الفرح والهدوء
لماذا أصاب بالسرطان في عام زواجي
لو سألتني عن الموت، فأنا لا أخشاه، لكن أكثر ما يعذبني في موتي هو بكاء أمي وعذاب عبلة من بعدي”12 لأنه ما لبث أن يفرح ويسعد بزواجه إلى أن باغثه المرض، فكان عنيفا في الأيام الأولى من رقوده في المستشفى، كان يرفض رد التحية على المرضى المجاورين له، فكان “يشعر بالخوف الذي يأخذ دائما شكل الصمت”13 بعد وفاة أحد المرضى المجاورين له، هكذا مرت الأيام داخل الغرفة رقم (8) كلها حزن وكآبة وقليل من الابتسامة مع زوجته عبلة.
والدليل على ما قلناه هو قول زوجته التي قالت “حاصرتنا الكآبة ليلا، ولفنا الصمت داخل الغرفة (8)، كان الضيق يجول دون أي حوار ممكن، وإلا انفجر الكلام شجارا والشجار عنادا وكلانا يحترفه… مددت يدي أفتح التلفزيون في محاولة لكسر هذا الملل الخانق، كان برنامج أمسية ثقافية للشاعر فاروق شوشة قد أوشك على الانتهاء… دعا فاروق شوشة ضيفه الشاب سماح عبد الله إلى تقديم قصيدته. ذكر الشاب أنها قصيدة (يا صدرا وطنا) وأتمنى لو أن الشاعر أمل دنقل يستمع إلينا الآن لأنها مهداة إليه…
ورسمك في كراساتي
حقلا
موجتك أنهارا
أو قدتك نارا
نزلتك مطرا
ونخير تلك فصلا… غير جميع فصول الأعوام
تطلع أخضر كالحب
وتغنى للفقراء
سقط الملل وسقطت الكآبة تماما وامتلأت الغرفة بضجيج الفرح الحاد في صوتي، بينما راح أمل في هدوئه يهدئ من انفعالي…. هكذا استطاعت قصيدة من شاب صغير أن تكسر كل ملامح الكآبة، وتعيد إلي أمل الهدوء والسكينة والفرح”14، لكن رغم هذه الرشفة التي اقتنصها شاعرنا وشعر بالفرح والسكينة إلا أن معظم أسابيعه كانت شديدة القلق، شديدة الخوف، شديدة التوتر، شديدة العذاب والقسوة.
السياق المكاني
السياق المكاني الذي أنتجت فيه هذه القصيدة هو المستشفى، وبالضبط في “الغرفة رقم (8) بالدور السابع”15 وهو عنوان مجموعته الشعرية، والتي تضم ست قصائد من بينها قصيدة “زهور” فقد اكتشف الشاعر أمل دنقل إصابته بمرض السرطان، فأخد المرض يشتد شيئا فشيئا حتى دخل المستشفى (معهد السرطان)، ومن ذلك اليوم صار المستشفى وصارت الغرفة سكنه الدائم، بل هي المنزل الحقيقي الذي جمع بينه وبين زوجته عبلة “فكان للغرفة (8) ملامحها الخاصة وإشعاعها الجميل على الجدران صور ملونة ولوحات كاريكاتيرية وقصائد شعر… أمام عين أمل كانت صورة يحيى الطاهر عبد الله معلقة على الحائط المواجه… وعلى الجدار المجاور كانت بطاقة من ياسر عرفات تحمل تمنيات الثورة بالشفاء… وبجوارها رسم كاريكاتيري لجورج البهجوري حاملا بعض باقات الزهور إلى أمل فوق سريره، قد أرسله خصيصا من باريس، وعلى نفس الحائط علقنا قصيدة حسن طالب (زبرجدة إلى أمل دنقل) وقصيدة أمل “ضد من” التي نشرت في جريدة الأهرام.
على منضدة قريبة كان هناك العديد من الكتب والأوراق والأقلام إلى جانب جهاز تلفزيون صغير وجهاز تسجيل ومجموعة من الشرائط تحمل أغنيات عديدة. وعلى منضدة أخرى كانت مزهرية تحمل وردة، كانت الغرفة تعلن سعادتها بساكنها الشاعر”.16
وبعد مقالة يوسف إدريس الذي كشف فيها عن كيفية التعامل مع شعراء ذلك العصر “امتلأت الغرفة بباقات الزهور كانت معظم هذه الباقات تحمل رائحة وأحاسيس رسمية غير دافئة”17 وظلت الزهور تتكاثر في غرفة دنقل، “فبدأ يختنق ويزداد كآبة من هذا المهرجان المفاجئ المزيف، ولم يستطيع يومها النوم قبل أن يكتب قصيدته “زهور”.18
السياق الزماني
إن قصيدة زهور هي وليدة “شهر مايو 1982م”19 وهو التاريخ الذي كان فيه الشاعر أمل دنقل راقدا في المستشفى الذي انتقل إليه شهر فبراير 1982م، لتبدأ رحلة المعاناة مع المرض والصراع البدني والفكري، حيث أنتج هذا الصراع باقة من القصائد أقل ما يقال عنها إنها رائعة، مثل قصيدة {ضد من، لعبة النهاية، الخيول، السرير، الجنوبي…}”20
وكانت قصيدة “زهور” من بين هذه القصائد التي كتب لها أن تنظم في تلك الغرفة، وفي ذلك الشهر، الشهر الذي نودع فيه الربيع ونستقبل الصيف.
وبعد سنة وفي نفس الشهر (مايو) اقتربت منه زوجته عبلة، وسألته “هل أنت حزين؟ أشار وهو عاجز عن الكلام تماما ب “نعم”، إنها المرة الأولى التي يقول فيها نعم… إنه القرار الذاتي بالموت”21، الذي قطفه منا صبيحة يوم السبت 21 مايو 1983م لتصفه زوجته بوصفها الأخير قائلة:
“الثامنة صباحا
كان وجهه هادئا وهم يغلقون عينيه
وكان هدوئي مستحيل وأنا أفتح عيني
وحده السرطان كان يصرخ
ووحده الموت كان يبكي قسوته”22
وها هو رحل أمل دنقل إلى دار البقاء، ولم نستقبل أمل أخر بعده، فإذا الزمان أعاد نفسه، فأمل لن يعيده أحد….
السياق اللغوي (الاتجاه النصي)
قبل الغوص في تحليل هذا النص الشعري الذي بين أيدينا، لابد لنا من الوقوف على الإيقاع الذي نظم عليه الشاعر قصيدته، وهو البحر المتدارك والذي تتكون تفعيلاته من:
فاعل فاعلن فاعلن فاعلن “””””””” فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن
وهو موزع في القصيدة حسب الدفــقة الشعورية للشاعر ومعاناته التي يكابدها. والتي تتماشى مع إيقاع القصيدة، وهذا ما يدفعنا لعد عدد الحركات والسكنات وفق ثنائية الثبات والمتغير، حيث وجدنا عدد الحركات 259 بنسبة %62، وعدد السكنات 160 بنسبة %38.
ويقول الشاعر في المقطع الأول:
وسلالٍ من الوردِ،
ألمحها بين إغفاءةٍ وإفاقةْ
وعلى كل باقةْ
اسم حاملها في بطاقة
يبدو واضحًا أنّ الحركات في هذا المقطع لا تعرف ثباتا، تارة يرتفع عددها، ويُوازيها انخفاض جزئي في نسب السكـنات، وتارة أخرى تنخفض ويقابلها انخفاض في عدد السكنات، وهذا راجعٌ إلى الطبيعة الحركية التي يظهرها الشاعر، والملْفت للنظر أنّ الحركات في المقطع الثّاني والثالث هي الأخرى لا تعرف ثباتا في ارتفاع عدد الحركات مقابل عدد السّكـنات، ونعزو ذلك لكون الشّاعر لا يشعر بالراحة والسكينة أبدا، وإنما يعاني من التقلب بين أيدي الأطباء، والمعامل، والفحوصات الطبية.
ومن هنا يظهر هذا التوازي الحاصل بين إيقاع البحر الشعري، وإيقاع معاناة الشاعر؛ فكأن الشاعر يعاني وهو ينشد أسطر هذه القصيدة فتزداد الحركات الإيقاعية كلما ازدادت لحظات السكينة، وتقل لقلتها، ويتضح الأمر أكثرَ إذا ما أمعنّا النّظر في المقطع الثاني:
تتحدثُ لي الزهراتُ الجميلةُ
أن أعينها اتسعت ــ دهشةْ ــ
لحظـــــــــــــــــــة القطفِ،
لحظـــــــــــــــــــة القصفِ،
لحظةَ إعدامها في الخميلةْ !
تتحدثُ لي ..
أنها سقطت من على عرشها في البساتين
ثم أفاقت على عَرضِها في زجاج الدكاكين، أو بين أيدي المنادين،
حتى اشترتها اليدُ المتفضلةُ العابرةْ
تتحدث لي ..
كيف جاءت اليّ..
(وأحزانُها الملكيةُ ترفع أعناقها الخضرَ)
كي تتمنى ليّ العمرَ !
وهي تجود بأنفاسها الآخرةْ !!
حيث نجد في لحظة القطف، ولحظة القصف، ولحظة الإعدام، هي الصورة الشعرية الأكثر تعبيرا في القصيدة، وهي لحظات معاناة الشاعر التي تقل فيها الحركات، لأنه لم تعد له القوة أو القدرة على التحرك، في حين يرتفع عددها عند التحرك والتنقل من البساتين إلى الدكاكين أو أيدي المنادين إلى اليد المتفضلة العابرة، وهي لحظة تحرك الشاعر وتنقله من مختبر لمختبر أخر باحثا عن أمل في العلاج.
أما في المقطع الثالث والأخير من القصيدة:
كلُ باقةْ ..
بين إغماءةِ وإفاقةْ
تتنفس مثليّ ــ بالكادِ ــ ثانيةً .. ثانيةْ
وعلى صدرها حَمَلت ــ راضيةْ ..
اسمَ قاتِلها في بطاقةْ !
فإننا نلاحظ انخفاضا في عدد الحركات، وهذا الانخفاض نتيجة لشدة المعاناة واقتراب لحظة الوفاة.
وعليه، تتجلّى لنا هذه الثّنائيّة (الثابت/المتحرّك) من جهة حضور إيقاعِ البحر الشّعري في إحساس الشّاعر وإيقاعِ حَياتِه.

إضافة تعليق