تطبيق النظرية السياقية على قصيدة “زهور” للشاعر أمل دنقل جزء 3 من 3

المستوى المعجمي..فإنّنا في هذا المستوى سنستخرج الحقول الطاغية في القصيدة، والتي فرضها المقام على الشاعر أمل دنقل ليستقي منها مفرداته وعباراته لبناء قصيدته “زهور”، ومن بين الحقول الحاضرة في هذه القصيدة وبقوة تعبيرية وتأثيرية هو حقل الطبيعة وحقل الذات وحقل المعاناة.
وهذا ما سنلاحظه في الجدول الآتي:
معجم الطبيعة: الورد – باقة – الزهرات – الخميلة – عرشها في البساتين – الخضر
فيدل على عناصر الطبيعة البارزة في الورد الذي كان يخاطب الشاعر، ويصور لنا هذا المعجم تماهي الشاعر مع سلال الورد التي تتشابه حياته مع حياة الشاعر أمل دنقل، لأنهما يتشاركان نفس المعاناة.
معجم المعاناة: إغفاءة وإقامة – القطف – القصف – إعدامها – سقطت – أحزانها – تجود بأنفاسها الآخرة – إغماءة وإفاقة – تتنفس مثلي بالكاد – قاتلها
فيدل هذا المعجم على المعاناة التي يعانيها الورد لحظة القطف، وهي نفس المعاناة التي يعانيها الشاعر لحظة إصابته بالمرض الذي أقبره في سرير المستشفى، وعجل بوفاته.
معجم الذات: ألمحها – تتحدث لي – جاءت لي – تتمنى لي – تتنفس مثلي
ويدل هذا المعجم على ذات الشاعر أمل دنقل التي اتخذت من الطبيعة ملجأ لها، لتتقاسم معها المعاناة المريرة التي تشعر بها وهي تصارع المرض.

اتجاه القارئ (تركيب واستثمار)
إن هذا النص الشعري منفتح على قراءات متعددة وهو قابل للتأويل، ويرجع ذلك إلى الفجوات والفراغات التي تؤتته بالإضافة إلى احتوائه على الصور المجازية بصورة مكثفة. ولتقليص عدد التأويلات التي يحملها هذا النص الشعري ولكي نتفادى التيه الذي يمكن أن يحصل (للمتعلم والمدرس)، ويسهل عليهما إنتاج المعنى عملنا على دراسة هذا النص من خلال السياق اللغوي وغير اللغوي لقصيدة “زهور” للشاعر أمل دنقل تمكنا من معرفة الظروف المحيطة بإنتاج هذه القصيدة بالإضافة إلى معرفة بنيتها وعناصرها الداخلية. منطلقون من حياة الشاعر والسياقات الاجتماعية والنفسية والمكانية والزمنية للقصيدة، وكذا دراستها من خلال عناصرها الداخلية المتمثلة في المستوى الصوتي والمستوى الصرفي والمستوى المعجمي والمستوى التركيبي، وكل هذا من أجل إنتاج معنى كامل وشامل للقصيدة.
فقصيدة “زهور” نظمها الشاعر أمل دنقل ليخفي معاناته التي يعانيها بسبب المرض الذي أصابه، حيث يقول في المقطع الأول من القصيدة:
وسلالٍ من الوردِ،
ألمحها بين إغفاءةٍ وإفاقةْ
وعلى كل باقةْ
اسم حاملها في بطاقة
ويشير في هذا المقطع إلى أن القصيدة ، وثيقة الصلة بتجربة المرض التي مرّ منها الشاعر في أخريات حياته، فهي وليدة الغرفة رقم (8) التي قضى فيها أخر أيامه، والشاهدة على معاناته وصراعه مع المرض الذي سرقه من الدنيا، فهاجس الموت دفع بالشاعر إلى التأمل في الكائنات والموجودات باعتبارها كلا واحدا يخضع لقانون أزلي واحد، فلم يصفها وصفا خارجيا بل اندمج معها في علاقات حميمية عميقة، فلم يرى ثمة فروقا تفصل بينه وبينها، فهذا المقطع يكشف عن وجود علاقة تعاطف بين الشاعر وسلال الورد التي تؤثث غرفته، وهذه العلاقة تحدث في ظروف صعبة يعيش فيها الشاعر بين الإماء والإقامة أي بين الحياة والموت، مما يجعل هذه العلاقة تقوم على الاختلاس أو اللمح وليس إطالة النظر، ومن تم فهي لا تستغرق إلا لحظات زمنية قصيرة ومتقطعة، ومع ذلك فإن هذه النظرات على قصرها تنامت في وجدانه وأثارته إلى التأمل ليكشف العلاقات بينه وبينها، فأحس أنهما شريكان في التجربة ذاتها نراه يشخصها ويتخذها صديقة يتحدث معها ويفضفض عليها همومه.
وفي المقطع الثاني الذي قال فيه:
تتحدثُ لي الزهراتُ الجميلةُ
أن أعينها اتسعت ــ دهشةْ ــ
لحظـــــــــــــــــــة القطفِ،
لحظـــــــــــــــــــة القصفِ،
لحظةَ إعدامها في الخميلةْ !
تتحدثُ لي ..
أنها سقطت من على عرشها في البساتين
ثم أفاقت على عَرضِها في زجاج الدكاكين، أو بين أيدي المنادين،
حتى اشترتها اليدُ المتفضلةُ العابرةْ
تتحدث لي ..
كيف جاءت اليّ..
(
وأحزانُها الملكيةُ ترفع أعناقها الخضرَ)
كي تتمنى ليّ العمرَ !
وهي تجود بأنفاسها الآخرةْ !!
فإن هذا المقطع هو وثيق الصلة بتجربة الشاعر، فهذه الرحلة القصيرة للورد بكل حقائقها ورموزها هي ذاتها رحلة الشاعر القصيرة في الحياة، وحديث الورد عن رحلته البائسة في الحياة ليس إلا حديث الشاعر عن تجربته أو رحلته القصيرة في الحياة، ولم يكن هذا القطف والقصف والإعدام في الخميلة سوى رمز للنهاية المأسوية التي أحس بها الشاعر بعد مرضه العضال.
ولم يكن سقوط الورد من على عرشه في البساتين إلا دلالة على سقوط الشاعر على سرير المستشفى وهو في قمة عطائه وإشعاعه الإبداعي، وكما أفاق الورد من إغماءه على عرضه في زجاج الدكاكين أو بين أيدي الباعة المتجولين، كذلك أفاق الشاعر من إغماءه ليجد نفسه يتقلب بين أيدي الأطباء والممرضين وبين حقن الدواء وإبر التحليل حتى استقر به الحال وحيدا في غرفته فصار مثل سلال الورد التي تشاركه الغرفة وتشاركه المعاناة.
وهكذا فقد تعرض الشاعر والورد كلاهما فجأة ودون سابق إنذار للحظة القطف والقصف والإعدام، وهما أشد ما يكونان عطاء وشبابا وعنفوانا، ولم تكن تلك الأعين التي اتسعت دهشة لحظة القطف إلا تعبيرا عن الصدمة التي أذهلت الشاعر حين هاجمه المرض الفتاك وهو في عنفوان شبابه وعطائه فكانت الدهشة مرادفا للحيرة والعجز عن تفسير الحديث وتبريره.
كما أننا نرى أن الشاعر قد تماهى مع الورد بشكل واضح وبارز مبينا تلك المفارقة التي تضع الإنسان في مواجهة حادة حول تصرفاته ومواقفه الإنسانية، فمجيء الزهرات لتتمنى العمر لصديقها وهي تجود بأنفاسها الأخيرة ليس إلا درسا في التفاني والحب والإخلاص والوفاء الذي غاب واندثر في زمن الشاعر وفي زمننا نحن أيضا، والوجه الآخر لهذه المفارقة يؤكد الصلة الوثيقة التي عقدها الشاعر مع كائنات الطبيعة.
وفي المقطع الثالث والأخير يقول الشاعر:
كلُ باقةْ ..
بين إغماءة وإفاقةْ
تتنفس مثليّ ــ بالكادِ ــ ثانيةً .. ثانيةْ
وعلى صدرها حَمَلت ــ راضيةْ ..
اسمَ قاتِلها في بطاقةْ !
فهذا المقطع هو امتداد لمفارقة المقطع الثاني، فهذه المفارقة تمس العنوان ذاته الذي يوحي بأن الشاعر سيتحدث عن الزهور، في حين أن الزهور هي التي تتحدث، وتتبدى لنا المفارقة أيضا في ثنائية (الإغماءة، الإفاقة) فقد قامت علاقة الشاعر بسلال الورد وهو بين إماء وإفاقة، تلك الحالة التي لم تلبث الزهور غلا أن مرت بها فتحقق بذلك التوحد في صورته النهائية.
وبالتالي فمن خلال مقاربتنا لهذه القصيدة من الناحية التأطيرية ومن الناحية التحليلية ومن الناحية التركيبية، فإن هذه القصيدة تعد عملا فنيا رائعا وبارعا ذا موقف ميتا فيزيقي، إذ تحول فيها الشاعر أمل دنقل من الوضع الطبيعي العادي إلى رؤية متعمقة في الحياة والموت باستخدام وسائل معنوية ولغوية أسهمت في أداء المعنى كما يريده الشاعر.
ومن الملفت للنظر في هذه القصيدة “زهور” الغياب الظاهري للعنصر البشري وحضور عناصر الطبيعة النقية الصافية غير المنافقة، وفي هذا العالم الشعري الإبداعي الجديد نلمس مقابلة واضحة بين طرفين متناقضين، يمثل أولهما الحياة المتدفقة بما فيها من حيوية وحرية، في حين يمثل الآخر الذبول والهمود والتحجر والموت.
وما من شك في أن انتقال الشاعر من تصوير المفارقة في عالم التجربة البشرية إلى تصوير المفارقة في عالم الطبيعة له مبرراته، فمن الناحية النفسية أمل دنقل نفسه، المرحلة الأولى هي مرحلة ما قبل إصابته بالمرض، والثانية بعد هذه المرحلة، فكان هاجس الموت الذي سيطر على تصوره ورؤيته في أخر أيام حياته هو الذي جعله يتأمل في الكون وفي كائنات الطبيعة تأملا عميقا مبينا فيها صلة الإنسان بالكائنات الطبيعية، وهي صلة وثيقة متشابهة في المشاعر والأحاسيس الداخلية التي لا يفصلها عن الإنسان إلا الهيئة الخارجية.

 

إضافة تعليق

3 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.