تطوّرات الهجرة السرّية في المتوسّط

شكّلت الهجرة على امتداد التاريخ الإنساني ملاذاً لتطوير الأوضاع وتحسين ظروف العيش؛ وبفضلها انتشرت الأديان السماوية والعلوم والمعارف والثقافات، وتواصلت الشعوب فيما بينها.
لكنّ الظاهرة، وبفعل العديد من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، تحوّلت في الوقت الراهن إلى معضلة تلقي بظلالها، سواء بالنسبة للدول ”المصدِّرة“ أم ”المستقبِلة“ بسبب تداعياتها وانعكاساتها المختلفة على الطرفين.
تراجعت حدّة الهجرة مع توجّه العديد من الدول إلى فرض التأشيرات وتشديد المراقبة على الحدود. فقد فتحت أوروبا الغربية الأبواب على مصراعيها أمام المهاجرين، عندما كانت بحاجة إلى طاقات بشرية لإعادة بناء ما دمّرته الحرب العالمية الثانية. وخلال السنوات التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي، وما رافق ذلك من رغبة متزايدة في توسيع الاتّحاد الأوروبي من جهة، وتزايد وتيرة الهجرة الإفريقية إليه تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة من جهة أخرى، شرعت هذه الدول في سَنّ مجموعة من القوانين، واتّخاذ العديد من التدابير الأمنية لتنظيم التدفّقات نحو بلدانها والحدّ منها، الأمر الذي أسهم في تنامي الهجرة السّرية كسبيل لتجاوز هذه الضغوط.
لم تكتفِ هذه الدول بهذه التدابير والإجراءات، بل ظلّت تُحمِّل دول الضفّة الجنوبية من البحر المتوسّط (المغرب وتونس وليبيا والجزائر) مسؤولية وقف الهجرة نحوها، مطالبةً إياها بلعب ”دور شرطيّ“ في هذا الصدد. وهو ما تحوّلت معه هذه البلدان، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى المغرب، من مجرّد محطّة للعبور إلى بلدٍ للاستقرار؛ الأمر الذي أفرز مجموعة من الإشكالات القانونية والاجتماعية..
أمام هذه التطوّرات، بدأ التمييز بين هجرة ”شرعية“ وأخرى ”غير شرعية“ خلافاً للمواثيق الدولية الداعمة لحرّية التنقّل واللجوء، وعلى الرغم من التحوّلات التي شهدها العالم مع سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة، وما تلاهما من انفتاحٍ اقتصادي وتحريرٍ للتجارة بفعل رياح العولمة. إذ استثنت هذه العولمة من ذلك حرية مرور الأشخاص.
شكّل البحر الأبيض المتوسّط ملتقى للحضارات المتعاقبة تاريخياً، كما ظلّ معبراً للمهاجرين من مختلف الجنسيات في اتجاهات مختلفة، قبل أن يتحوّل إلى بحرٍ للهجرة السرّية القاتلة في العقود الثلاثة الأخيرة. هذه العقود التي برزت فيها مظاهر عدّة، على علاقة بالصراعات السياسية والعسكرية الدامية التي شهدها الكثير من الدول الإفريقية، وضغط الكوارث الطبيعية والجفاف، فضلاً عن عدم احترام حقوق الإنسان والممارسة الديمقراطية، وضغط الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية والرغبة في البحث عن عمل وظروف عيش أفضل وضعف الدولة المركزية الذي يحدّ من نجاعة مراقبة الحدود.
تشير التقارير والدراسات ذات الصلة بالموضوع، إلى أن الهجرة السرّية تنتعش بشكل كبير بين المناطق القريبة جغرافياً، والتي تتميّز بتباينٍ كبير على المستوى الاقتصادي، كما هو الشأن بالنسبة إلى المغرب مع إسبانيا، والمكسيك مع الولايات المتّحدة الأميركية. وممّا يعقّد سبل التعاطي مع الظاهرة، هو أنّها لم تعد مرتبطة بمبادرات فردية، بل أضحت تتمّ في إطار شبكات منظَّمة وعابِرة للحدود.
لا يخلو طريق الهجرة السرّية الصعب والطويل من معاناة ومخاطر. حيث تتعرّض النساء للاغتصاب، زيادة على تعسّفات الوسطاء وأساليب النصب التي يتبعونها، وحيث يلقى البعض حتفه في رحلة غالباً ما تنتهي بالموت جوعاً وعطشاً، أو بالسقوط بين أيدي خفر السواحل في أحسن الأحوال..، وذلك بعد المجازفة في التنقّل عبر مراكب مهترِئة نحو الضفّة الشمالية من المتوسّط.
فقد كشفت تقارير وإحصائيات عدّة صادرة عن منظّمات دولية تُعنى بالظاهرة، عن ارتفاع مطرد في عدد المهاجرين السرّيين عبر المتوسّط، الذين ينحدرون من جنسيات مختلفة (الصومال؛ ونيجيريا؛ وليبيا؛ والمغرب؛ وسوريا؛ ومصر..). وقد أسهمت تحوّلات الحراك في المنطقة (تونس وليبيا ومصر وسوريا) في تزايد حدّة هذه الهجرة، نتيجة للارتباك الأمني والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي أصبحت تعيشها العديد من هذه الدول.. فبفعل تردّي الأوضاع الأمنية في ليبيا، وعدم تأمين الحدود بشكل فعّال، أصبح هذا البلد يشكّل وجهة مفضّلة للعديد من الراغبين في ركوب غمار الهجرة السرّية، ومرتعاً خصباً لنشاط العديد من شبكات التهريب. كما أن سوريا التي بلغت فيها الأوضاع حدّاً لا يُطاق من العنف والمعاناة الإنسانية أضحت بدورها مصدراً للهجرة السرّية طلباً للاستقرار والأمن.
وأكّدت المنظّمة الأوروبية لمراقبة الحدود أن عدد المهاجرين السرّيين نحو دول الاتّحاد الأوروبي تضاعف لأكثر من مرّتين، وذلك بنسبة 250 في المائة في الشهرين الأوّلين من العام 2015 (يناير/ كانون الثاني و فبراير/ شباط) مقارنةً بالفترة نفسها لسنة 2014.
ويشير بعض التقارير الدولية إلى أن أكثر من 3400 مهاجرٍ سرّي تعرّضوا للغرق في عرض المتوسّط، كما جاء في تقرير أصدرته المنظّمة الدولية للهجرة أن حوالي 3072 مهاجراً سرّياً لقوا حتفهم غرقاً أو برداً خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2014 في البحر الأبيض المتوسط من ضمن مجموع 4077 مهاجراً قضوا على امتداد مناطق مختلفة من العالم، حيث تتشكّل جنسيات الضحايا من عدد من البلدان الإفريقية والدول المغاربية والشرق أوسطية.
لم تتمكّن دول الاتحاد الأوربي بعد من بلورة مقاربة موحَّدة على قدر من الشمولية لظاهرة الهجرة، بصورة توازن بين متطلّبات الأمن والإشكالات الإنسانية والاجتماعية التي تفرزها.
فهذه المجموعة لا زالت تفرض قيوداً كبيرة على الهجرة بشكل عام، بل أضحت تتهرّب من مسؤوليتها المرتبطة باستقبال اللاجئين، وذلك باعتمادها قوانين متجاوَزة أُعدَّت في فترات مختلفة عن الواقع الدولي والإقليمي الراهن.. فيما طغى الهاجس الأمني بصورة كبيرة في التعاطي مع الظاهرة، بما يجعل هذه الأخيرة مرشَّحةً لمزيدٍ من الارتفاع والتطوّر نحو الأسوأ.
وفي غياب تنسيق واضح في هذا الشأن، قامت بعض دول الاتّحاد باتّخاذ مجموعة من التدابير الأمنية الاحترازية الانفرادية، براًّ وجوّاً وبحراً، لمواجهة تدفّق المهاجرين، كما هو الشأن بالنسبة إلى إيطاليا، ولم تخفِ مجموعة من الدول كإسبانيا واليونان ومالطا انزعاجها من تزايد المهاجرين السّريين القادمين نحو أراضيها، حيث دعت دول الاتّحاد إلى التعاون معها لمواجهة تداعيات الظاهرة.
أمام تزايد ضحايا الهجرة السرّية في المتوسّط؛ أصبحت الحاجة ملحّة لبذل مجهودات على قدر من المسؤولية والجدّية، بغية وضع حدّ لهذه الكوارث الإنسانية التي تُسائِل المجتمع الدولي برمّته.
لا يمكن للمدخل الأمني لوحده أن يحلّ معضلة الهجرة السرّية، ذلك أن الأمر يتطلّب مقاربةً شمولية تتمّ في إطارٍ من التعاون والتنسيق الإقليميّين والدوليّين. مقاربة تقف على مجمل العوامل المغذّية للظاهرة في أبعادها الحقوقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
كما يتطلّب الأمر أيضاً انخراط الدول المصدِّرة ونظيرتها المستقبِلة للهجرة في بلورة تعاون مثمر يقوم على تشجيع التنمية والاستثمارات في دول الضفّة الجنوبية، فضلاً عن دعم السبل السلميّة لتدبير الأزمات والصراعات التي غالباً ما تكون وراء ركوب العديد من الأشخاص غمار الهجرة السرّية بحثاً عن مستقرٍّ آمن.
*أستاذ العلاقات الدولية- جامعة القاضي عياض في المغرب

إضافة تعليق