تناوب الفكر البشري بين قطبي الواقعية والمثالية ( منظور مالك بن نبي) -الجزء الأول

مقدمة:الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده...أما بعد...فكثيرا ما تناوب الفكر البشري كتيار دافق بين قطبين اثنين وهما: "الواقعية" و"المثالية". وغالبا ما يدل مفهوم "الواقعية" على كل ما هو فيزيائي، حسي، مادي، ظاهري وعقلاني، كما أنه بحسب تعبير مالك بن نبي محيط "بعالم الأشياء" أو "الشيئية". وأما مفهوم "المثالية" فهو يشمل، غالبا، كل ما هو روحي ميتافيزيقي، معنوي، باطني، ويمتاز بالفكرة المجردة كما يُدرك عموما بالحدس والشعور، وهو كذلك وفق تعبير مالك بن نبي كل ما يحيط "بعالم الأفكار".
ولعل من أبرز المذاهب الفكرية، عند القدامى، التي سادت عبر العصور والأمصار وأثرت تأثيرا عميقا في مجالات الفكر والعلم والدين: ما ذهب إليه كل من أفلاطون وأرسطو وما حصل بين طريقتيهما من جدال أو وصال بصدد المثالية والواقعية.
وقد أدلى مالك بن نبي بدلوه، مساهمة منه في توضيح تلك المسألة، بتحاليله المتميزة، وبضربه لأمثلة متعددة على غرار "روحانية ابن اليقظان وواقعية روبنسون". فتقدم من خلال ذلك بتوضيحات جلية عن فطرة الانسان، في تمايلها ذات اليمين وذات الشمال بين باطن الأمور وظاهرها.
وتراوح المد والجزر في مجالات عدة كما هو الشأن بين دعاة "الإسمانية والواقعية" أو بين "الثنائية واللاثنائية". وتعدى ذلك إلى المفاهيم العلمية التي تتراوح هي الأخرى بين الفكرة والواقع، كمثل مصطلح "الزمكان" في مفهومه على ضوء النظريات الحديثة.
وتلك بعض النماذج التي تدل على تناوب الفكر البشري، هذا الفكر الذي ما انفك يتأرجح بين أعماق "الواقعية" وآفاق "المثالية". ويتجسد ذلك بصفة أكثر دقة وبيانا في انشقاق أهل الكتاب إلى فريقين: فريق منهم أُشربوا في قلوبهم العجل الذهبي فاثاقلوا إلى الأرض وأخلدوا إليها حبا في أموالها وملذاتها. وفريق زهدوا في الحياة الدنيا وابتدعوا رهبانية ما رعوها حق رعايتها، فتاهوا في شعاب الروحانيات وضلوا سواء السبيل.
ولولا رحمة الله تعالى ببعثة "الرحمة المهداة"، لِفَكِّ البشرية من قبضة المتضادين من الفرق، سواء منها ما كان على مستوى الأفكار أو الأديان، وهدايتها إلى الاعتدال في الأمور كلها، للبث الناس أجمعون يتأرجحون بين غلو المغالين وضلال المضلين. وقد جاء في الذكر الحكيم بيان خلاص الانسانية بما فيها الذين عرفوا الحق وزاغوا عنه، فقال تعالى: "لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى? تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ" (سورة البينة).
وهذه الورقة عبارة عن محاولة لإبراز ملامح تلك "البينة" من خلال تضارب القرائح قديما وحديثا، كما جاء ذلك في تحاليل مالك بن نبي أو مما أشارت إليه كثير من البحوث والدراسات في شتى المجالات، بداية من الأسس الفكرية في بلاد اليونان التي تربع على عرشها الغرب ومن دعا بدعوتهم من التغريبيين، ونزولا عند انحراف أهل الكتاب عن التوراة والإنجيل فضلوا بين فكي روحانية عرجاء ومادية دهماء، لا مخرج ولا مفر من التردد بينهما إلا بإذن العلي القدير. ولقد افتقدت البشرية بالأمس إلى تلك "البينة" فجاءتها مشرقة بأنوارها، وها هو اليوم انسان "نهاية التاريخ" يبحث عنها من بعد ما أنهكته الفتن والحروب وساد الفساد في عالم الأشياء وعالم الأفكار على حد سواء.
وبالله التوفيق وهو يهدي السبيل.
1-الفكر الغربي بين مثالية أفلاطـون وواقعية أرسـطو
اعتمد أفلاطون في فلسفته على نظرية "الأفكار" أو "المُثل". فالعالم وفقه ينقسم إلى قسمين:
أ- عالم حسي يتكون من الأشياء الملموسة والمألوفة لدينا وهو يتسم بالتغيير والزوال.
بـ- وعالم معنوي يشتمل على الأفكار البحتة والمثل الكاملة وكلها خالدة وثابتة لا تتغير.
وما من كائن في العالم الحسي إلا وله "مَثل" في العالم الروحاني: ففي تصور أفلاطون، كل من الأشجار والحجر والأجسام وغيرها من الأشياء المحسوسة: إن هي إلا نسخ غير كاملة وغير وفية "للأفكار" المطلقة.
ويضرب لذلك، في كتابه "الجمهورية"، مثال السجناء في كهف معزول ومظلم: فهم يظنون خطأ أن ظل الكائنات خارج الكهف، التي تعكسها نار موقدة على بعض أطراف الكهف، هي حقيقة تلك الكائنات المحجوبة عنهم. فإذا خرج أحدهم من الكهف بدت له الأمور على حقيقتها، على عكس ما كان يتصوره داخل الكهف.
وكذلك الفرق، عند أفلاطون، بين حقيقة الأفكار أو عالم المثل وشبح "الظلال" التي تنعكس عنها أو عالم الأشياء. وبين هذين العالمين خيط متصل أفقيا، ينقسم في وسطه إلى قسمين: قسم سفلي متغير لا نملك فيه عن حقيقة الأشياء سوى فكرة نسبية أو تصورا ما عنها، وقسم علوي تظهر فيه الأشياء على حقيقتها المثلى1.
فكأن أفلاطون يرى من خلال تصوره هذا أن الأمور تتصاعد من نسبية الحقائق إلى الحقيقة المطلقة، فلا يدرك الانسان من تلك الحقيقة إلا ما تُلقي عليه من ظلالها. وكل مؤمن يتفحص عن كثب مثل هذا التصور يرى بأن أفلاطون يشير – عن علم أو بغريزته الفطرية- إلى كائن أعلى له كمال الصفات ومطلق الأسماء، يتجلى للعباد من خلال ما يحيط بهم من الكائنات. ولعل هذا التصور هو الذي دفع الشيخ الأكبر ابن عربي بأن يعتبر أفلاطون شيخا له لما توسم فيه من المعرفة اليقينية بأمر التجلي الإلهي.
وكان أرسطو يرى عكس أفلاطون، أن الحقيقة كائنة في الأشياء ذاتها وليست منفصلة عنها، وكل كائن مكون عنده من هيولى (جوهر الشيئ) وصورة متلازمتين لا تنفصلان، كما أنشأ مذهبه وطريقته معتمدا على المعرفة "الواقعية" في مقابل المعرفة "المثالية" التي انتهجها شيخه.
فكان يرى في تحرك الكائنات وتغييرها من حال إلى حال أن ذلك يعود إلى أسباب واقعية ملازمة لتلك الكائنات وليس مردها إلى قوى أو آلهة خارج عن نطاقها. وقد توسع في البحث عن هذه الأسباب فعد أربعة منها:
السبب المادي : كون الشيئ مركب من مواد معينة (كقولنا مثلا: الطين هو السبب المادي في تكوين القدر)، والسبب الشكلي (شكل القدر مقعر)، والسبب الفعلي ( الفاخوري هو صانع القدر)، والسبب الغائي (القدر صالح لحفظ الدقيق أو الحليب ولذلك صنع).
وهكذا فتح أرسطو الباب على مصراعيه لدراسة "الفيزياء"، بمفهومها الأرسطي الواسع، لأجل اكتشاف الحقائق والنظر في ما وراء الظواهر.
يقول أحد المعلقين عليه: "كان أرسطو فيزيائيا بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة. فهو يؤمن بأن الأشياء المادية هي المصدر الأول للحقيقة، وبإمكان الفيزياء وغيرها من العلوم دراسة العالم الفيزيائي واستنتاج الحقائق من ذلك"2.
وقد كان لأفلاطون وأرسطو أثر عميق في أوساط الفكر والفلسفة على العموم، وعند أتباع القرآن وأهل الكتاب على وجه الخصوص3. فهؤلاء وأولئك قد بذلوا جهودا كبيرة في التوفيق بين طرحات الفلسفة اليونانية وحقائق الوحي والإيمان، ومنهم من رفض هذه الفلسفة ومنهم من اعتبرها "خادمة" للدين واستعان بها لفهم التعاليم وتقديم الحجج.
2- مسألة الكليات بين "الإسمانية" و"الواقعية"
عندما نذكر اسما جامعا كمثل جنس "الانسان" على العموم الذي يشمل جميع أفراد البشر، أو كمثل نوع "النبات" الذي يعم كل أصناف النباتات من أعشاب وأشجار، فإننا نعبر بذلك عن "كليات" مطلقة وهي مسألة تحمل اسمها4 قد انشغل بها الورى منذ القدم، وقد عرفها أحدهم5 على النحو التالي: "هل الأجناس والأنواع حقائق موجودة في الواقع أم أنها مفاهيم ذهنية بحتة"6!. أي بعبارة أخرى هل لمفهوم كلي كالانسان "واقع" ملموس منفصل عن الأفراد الذين يشتمل عليهم كزيد وعمرو أم أنه مجرد فكرة ذهنية بلا واقع يذكر؟.
وإذا أردنا تأصيلا لهذه المسألة وربطها بموضوعنا، فبإمكاننا الإشارة إلى مختلف الأقوال التي ذكرت حول ما تعلمه أبو البشرية عن ربه من الأسماء كلها: فهل هو علم على مستوى الأفكار أم هو علم بمسمياته من الأشياء ذاتها من بداية الخلق إلى نهايته؟
وقد نشب، خصوصا عند الغربيين وأهل الكتاب، جدل كبير حول هذه المسألة وذهبت فيه الفرق إلى مذاهب عديدة7 تتراوح بين المثالية "الفكرية المجردة" والحقيقة "الواقعية الملموسة".
فمن جهة قد أقر مذهب الأفلاطونية، كما رأينا سابقا، بوجود الأفكار أو المثل المجردة عن الأشياء، كمفهوم الخير على الإطلاق وغيره من العينات الكلية (paradigmes). بينما يرى المذهب الأرسطوطاليسي غير ذلك كما وضحه طوما الإكويني: إذ يرفض أرسطو، في نظره، أن يكون للكليات وجود حقيقي خارج الأشياء التي يستنبط الذهن منها تجريده لها.
وامتد الجدل إلى العصور الوسطى ، حيث اعتقد البعض في ما يسمى بمذهب "الاسمانية"8 الذي لا يرى في الكليات سوى أسماء مجردة، بينما كان يرى أنصار مذهب "الواقعية"9 أن الكليات موجودة حقيقة وواقعا، ومنهم من انتهج بين ذلك منهجا وسطا في "المفهوماتية"10.
وكان المسلمون، من قبل ذلك، أمثال ابن سينا وغيره، قد اهتموا بدراسة مسألة الكليات وامتد أثرهم في ذلك على التطور الفكري في الحضارة الغربية11.
وتجدر الإشارة إلى أن معالجة هذه المسألة قد اختلفت باختلاف العهود وطبيعة المعارف فيها. لذا نراها قد تحولت من الجدل حول وجود المثل الكلية أو عدم وجودها بين الأفلاطونية والأرسططاليسية لدى القدامى، إلى البحث في العصر الحديث عن الثوابت الكلية التي تشترك فيها متغيرات واقعية في شتى المجالات. فعلى سبيل المثال تطرح نفس المسألة في اللسانيات على النحو التالي: هل من سنن كلية وراء مختلف الألسن البشرية؟
ولا يزال الانسان يسعى في بحوثه عن هذه السنن بالرغم مما جمعه في ذلك وأوعى. وغالبا ما تسعى هذه الجهود إلى إيجاد كليات ثابتة "على مستوى المبادئ"، لمتغيرات تجري على "واقع الأرض".
3- منظور مالك بن نبي بين روحانية ابن اليقظان وواقعية روبنسون
من الناس من اقتصر تسلسل الجدل المذكور على ظاهرتي المحيا والممات، فلم يبحث عما وراء هذا أو ذاك من مقاصد وأبعاد، ولم يرض إلا بالحياة الدنيا وتجاهل يوم التناد. فذلك مبلغهم من العلم وقد قال عز وجل: "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون" (الجاثية 45/24).
فهؤلاء هم الدهرية الذين اقتصروا الطريق، فاتبعوا الظنون وابتعدوا عن طلب اليقين.
لكن الفطرة قد جبلت على حب الاطلاع وعمق النظر، وكثيرا ما ترى الانسان يتساءل عن أصل وجوده: فمن أين أتى؟ وإلام المصير: فإلى أين الذهاب؟، باحثا عن مغزى لحياته وعن دوره وسط الكائنات. وقد يقف عند "اللاأدرية" كما فعل بعضهم12، وغالبا ما غاص في أغوار تلك المسائل بحثا عن أجوبة شافية.
فلطالما وقف الإنسان بين الأرض والسماء، تأخذه الدوافع من الأعماق إلى التأمل فيما حوله من مخلوقات،ة فيرى نفسه كأنه في جزيرة معزولة وسط محيط بلا حدود أو كذرة منثورة في خضم كائنات لا تحصى ولا تعد.
وفي هذا المقام كثيرا ما يحس بوحشة العزلة ويغمره هلع وفزع مما يجري وراء الآفاق ووراء كل الأبعاد. فيتساءل أو تنصب عليه المسائل من كل حدب وصوب، ويتقلب بصره ذات اليمين وذات الشمال وإلى كل مشرق ومغرب، فيقف بصره على اتجاهين اثنين، إذ هو: "إما ينظر نحو قدميه إلى الأرض أو يرفع عينيه في اتجاه السماء"13.
فحينما يمد بصره إلى الأرض، ويخلد إليها مطمئنا بالحياة الدنيا، فهو عندئذ كمثل روبنسون كريزوئي14 الذي رمى به الموج، في يوم عاصف، إلى جزيرة معزولة عن الناس، فكان عليه أن يصب تفكيره كله في البحث عن الطعام وأسباب العيش، وهو في هذا الحال يتفاعل مع "واقعية الأشياء" و يأخذ "بأرضية الأمور".
وحينما يمد بصره إلى السماء ويتأمل فيما وراءها ووراء كل الأبعاد، فهو عندئذ كمثل حي ابن يقظان15 الذي تعلقت نفسه منذ الصغر بغزالة كانت له بمثابة الأم، يلاعبها ويمرح معها في المراعي والأودية. فلما ماتت شق عليه فراقها، وتساءل عن ماهية المحيا والممات، ثم تصاعد في تساؤلاته عن الروح وما علاها وعن كنه السماوات وما وراءها. فهو في هذا الحال يبحث عن الحقيقة على الإطلاق ويتقلب بصره في السماء، لعله يدرك إلام ترجع الأمور وإلى أين المساق؟.
وهكذا تناوب منظور الانسان منذ القدم بين مثالية الروح وأرضية الواقع، ولا يزال الأمر كذلك في العصور الحديثة مع تغيير في الأساليب والمفاهيم، كما هو الحال بين ما يسمى بالجدلية المثالية والجدلية المادية.
فمذا يُعني بهذين المفهومين في جوهرهما؟.
لقد حظيت فلسفة هيغل16 بتأثير بليغ على الفكر الحديث، وكان ممن تأثر بها إلى حد بعيد هو كارل ماركس17 الذي قلب له الأمور رأسا على عقب.
إذ أن جدلية هيغل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو "الفكرة المطلقة" وقد سميت "بالجدلية المثالية". بينما رأى ماركس عكس ذلك وقال بصريح العبارة أن منهجه الجدلي هو "العكس المباشر"18 لمنهج هيغل وأن "جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة"19. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية، مع رفيقة إنقلز20، أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطور الفكر.
يقول ماو تسيتونغ21 موضحا الفرق بين هذين الإتجاهين: "إن الفيلسوف الشهير هيغل الذي عاش في أواخر القرن 18 وبداية القرن 19، قد أتى بمساهمة عظيمة حول الجدلية، لكن جدليته كانت مثالية [...]. وإن ماركس وإنقلز قد أخذا بعين الإعتبار وبروح نقدية، الجوانب العقلانية لجدلية هيغل"22.
واعترف ماركس نفسه بمساهمة هيغل في تعميق مفهوم الجدلية فقال: "لقد أصبحت الجدلية بين يدي هيغل روحية لكن هذا لا يمنع بأنه أول من بين أنواع الحركة العامة للجدلية بجميع خصائصها"23.
وهكذا نرى، في هذا السياق، أن هيغل قد ذهب في تصوراته إلى أقصى حدود المثالية بينما ذهب ماركس في تحاليله إلى أقصى حدود المادية.
فغاص الأول في باطن الأمور حتى لج في أعماقها، وقلب الآخر اتجاه المسيرة فولج في ظاهر الأمور طلبا لأسبابها. وقد أيقن أحدهما أو كاد يوقن، بارتقائه في سماء المثالية، بالذي هو الأول والآخر والظاهر والباطن، بينما جحد الثاني بآيات ربه فانسلخ منها وأخلد إلى الأرض. وكثيرا من أهل الكتاب من اعتنق مذهب المثالية لهيغل بينما وجد أنصار المادية ضالتهم في جدلية ماركس.
وقد سادت هذه التصورات الفكرية والفلسفية في القرن العشرين على وجه الخصوص، فحملت أمما وشعوبا على طرفي نقيض: بين اتجاه ليبرالي "مثالي" واتجاه شيوعي "ثوري" يأخذ بأرضية الواقع.

إضافة تعليق