تناوب الفكر البشري بين قطبي الواقعية والمثالية ( منظور مالك بن نبي) الجزء الثاني

5- الزمان والمكان بين الفكرة والواقع...لا شيء ندركه أو نتصوره خارج الزمان والمكان، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على الأهمية القصوى والأساسية لكلا المفهومين.
وقد حظيت هذه المفاهيم بدراسات وبحوث قيمة، من بينها نظرية النسبية التي بينت ارتباط المكان بالزمان ارتباطا محكما، وهو ما يعبر عنه مصطلح الزمكان الذي نُحِت بدمج اللفظين. وما تأكد الإنسان من ذلك إلا من بعد قرون خلت اعتقد فيها أن الزمان والمكان حقائق مطلقة وقائمة بذاتها من غير حاجة إلى غيرها، ثم انقلبت لديه تلك "الحقائق" رأسا على عقب في العصر الحديث.
ودون الخوض في هذه الحقائق العلمية، بإمكاننا أن نتساءل  سؤالا جوهريا وأساسيا قد خطر على بال  أعلام كثر: فماذا نقصد حقيقة بالزمان والمكان؟ وهل بإمكاننا تحديد معانيهما؟.
قد يبدو هذا التساؤل غريبا لأول وهلة، لأن الزمان والمكان من المسلمات التي لا جدال فيها، وندرس تلك المفاهيم في مختلف مراحل التربية والتعليم بدون عقدة ولا تعقيد. ولقائل أن يقول: ما السبيل إلى معرفة الكائنات  لو افتقدنا إلى معرفة الزمان والمكان؟.
ومع هذا فقد بدت إشكاليات عويصة في مجال الفلسفة والعلوم  حول  تحديد مفهومنا البديهي للزمان والمكان.  ولا يزال الإنسان يسعى جاهدا في المزيد من العلم عموما وعن ذينك المفهومين خصوصا: "وقل رب زدني علما" (طه 20/114).
فمن المعتقدات التي سادت قديما أن ليس للفضاء "الخالي" المجرد من أي كائن  حقيقة فيزيائية تذكر، وقد شاع المثل: "الطبيعة تنفر من الفراغ". وكان ديكارت، أحد رواد النهضة الحديثة،  يعتقد أن الفضاء مرتبط بوجود الأجسام، فلا وجود عنده إلى فضاء خال من الأجرام  والجزيئات.
لكن ما الذي يمنع وجود فضاء مستقل عن الأجسام التي تسبح فيه وتملأه، وتقع في مواقع منه معينة تعيينا كاملا ومحدودا بدقة ووضوح؟. لذلك كان  الحسن بن الهيثم يرى من قبل  أن للمكان أبعاد يوجد  بموجبها وهو خلاء مستقل بذاته يحتضن المواد، إذ جاء في رسالته "قول في المكان": "... فمكان الجسم هو أبعاد  الجسم التي إذا جردت  في التخيل  كانت خلاء... والخلاء  ليس بذي مادة ولا فيه مدافعة ، وإنما الخلاء  هو أبعاد  فقط متهيئة لقبول المواد".
وقال نيوتن بعد ذلك بقول ابن الهيثم، إذ كان  يرى أن "الحقيقة الفيزيائية" تكمن في وجود مكان وزمان من ناحية  ووجود "نقاط مادية" من ناحية أخرى  تتحرك وتنتقل نسبة إليهما بحيث، كما يقال في هذا الصدد، "لو انقرضت المادة بقي كيان المكان والزمان مثلما  يبقى إطار المسرح بعد خروج  الممثلين منه".
وقد استنكر نيوتن رأي  باركلاي الذي راج منظوره آنذاك عن غرور الناس بوجود الزمان والمكان وجودا حقيقيا. بينما كان الفيلسوف الشهير كانط  يميل إلى  ذلك المنظور ويرى أن الزمان والمكان من المفاهيم الذهنية البحتة، فلا وجود لهما إلا بقدر ما نتصوره عنهما من خلال أذهاننا وعقولنا.
وعارض صاحب نظرية النسبية كانط وقال  بأن للفضاء حقيقة فيزيائية تماما كما فعل من قبله نيوتن مع اختلاف شاسع في التصور والمنظور. فبينما اعتقد نيوتن كما أسلفنا في وجود مطلق ومستقل لكل من الزمان والمكان، أثبت آنشتاين  أنهما نسبيان ويرتبطان وافترض بدل الجزيئات أو "النقاط المادية" عند نيوتن  مفهوم "المجال" على العموم مثل المجال الحراري أو المجال الكهرومغناطيسي.
وقد انتشر هذا المفهوم الأخير بين العلوم الحديثة كما في علم النفس وغيره  وكانت قبل ذلك حلقات متواصلة أدت إلى اعتباره وافتراضه.
فقد كان  "المجال" معلوما قبل ظهور بحوث آنشتاين، وكان مرتبطا في البداية بمفهوم الكتلة الثقلية: فحيث لا توجد المادة لا يوجد المجال لأن هذا الأخير وصف لحالة من حالات المادة ولا ينفصل عنها أبدا.
ثم ظهر، في أوساط القرن التاسع عشر، مفهوم المجال الضوئي  الذي تستثنى منه الصفات السابقة، إذ ليس للضوء كتلة ثقلية!. فاضطر العلماء إلى اللجوء  آنذاك إلى ما أسموه بالأثير  وهو مفهوم يدل على مادة ثابتة على الإطلاق ومتواجدة في كل مكان ، وأصبح ممكنا عندئذ تأويل المجال الضوئي  والمجال الكهرومغنطيسي على العموم كحالات فيزيائية للأثير، أو بتعبير آخر صار يقال بأن الموجات الضوئية تنتقل على الأثير الضوئي وأن الموجات الكهرومغنيطسية تنتقل على الأثير الكهرومغنطيسي تماما مثلما يقال إن الأمواج المائية تنتقل على سطح الماء.
وهكذا أصبح الأثير عبارة عن فضاء ثابت على الإطلاق  وإليه تسند حركة الأمواج الضوئية، وقد اطمأنت القلوب لوجود ساكن لتلك الحركة.
لكن ظهرت بعد حين تناقضات كبيرة حول وجود الأثير، فألغي هذا المفهوم  كليّة، وتبين مع  نظرية النسبية الخاصة لآنشتاين أن الفضاء كائن حقيقي ومستقر يتجسد في امتداد (Continuum) ذي أربعة أبعاد وهو الزمكان وأن المجال هو الجزء الذي لا يتجزأ في وصف الحالات الفيزيائية كلها، فحل هذا الفضاء محل ذاك الأثير في المرجعية والاستقلال لوصف هذه الحالات.
ثم تبين، مع النسبية العامة لآنشتاين سنة 1915، أن فضاء الزمكان ليس ثابتا ولا مستقلا على الإطلاق: فهو لا يخلو أبدا من مجال الجاذبية بمفهومه العام40 كما أنه  يرتبط بما يحتوي عليه من مادة و يتأثر بالأحداث التي تجري فيه  و يؤثر بدوره على مجريات الأحداث. فالزمكان ليس  بساطا ممدودا لا ينثني  ولا يتقوس، بل كل  جسم يتنقل فيه يؤثر على "تقوسه" وهو كذلك  يؤثر على مسار الأجسام.
يقول في هذا الصدد بعض الأخصائيين: "لقد حل فضاء الزمكان محل هذا الكائن المتواجد في كل مكان (الأثير) وأصبح ذلك  الفضاء يتمتع بقدرته على نقل الموجات أو تغيير مساراتها".
ولم يتوقف البحث عن مفهوم الفضاء عند هذا القدر، بل تشعب وفق التصورات والنظريات التي توالت من بعد ذلك، خاصة لما انشقت نظرية الضوء أو "النور" في علوم الفيزياء إلى اثنتين:
أ) النظرية الموجية التي تسببت كما أسلفنا في اختلاق مفهوم "الأثير" ثم تعدى الأمر بعهده إلى مفهوم المجال والفضاء رباعي الأبعاد.
ب) النظرية الجُسيميّة التي تبين من خلالها أن الضوء يتصرف كجزيء من الجزيئات التي تملأ الكون.
فظهرت على إثر ذلك ثنائية44 على طرفي نقيض بين الخصائص الموجية  والجسيمية للضوء، إذ هي خصائص متناقضة في ما بينها تناقض المحسوس بالملموس،  كمثل الظمآن يرى أمواجا من السراب يحسبها ماء صائغا للشراب حتى إذا أتاها لم يجدها شيئا.
ثم وجد مخرج لتلك الثنائية، بعد فترة من الزمن،  وذلك  على يد  لويس دوبروغلي بإنشائه لما يسمى بنظرية الميكانيكا الموجية. فاتحدت النظريتان السابقتان وأطلق  على الجزيئات اسم "الموجُزَيئات"  للدلالة على تماسك الصفتين الموجية والجسمية  في العناصر الأولية للكائنات.
وتبين، مع نظرية الكوانطا، أن هذه العناصر الأولية، كالفوتون أو الكهروب، ترتبط بالطريقة التي ننظر إليها: فهي تتصرف تارة مثل الجزيء وتارة مثل الموجة. مما يدل على  أن اللغز الذي طرحته ثنائية "الموجة والجزيء" لا يزال خفيا مستعصيا بالرغم مما حظي به من دراسات حثيثة وبحوث متواصلة.
كما تبين أنه يستحيل تعيين موقع الجزيئات الأولية  في "المكان" إذا علمنا حركتها وسرعة تنقلها عبر "الزمان" والعكس صحيح. ولا نرى من تلك العناصر، مهما كان النظر إليها دقيقا، إلا أشباحا من "الموجزيئات" كمثل صورة فوتوغرافية على صفحة الجريدة: إذا حاولنا تدقيق النظر إليها فلا نرى منها إلا نقاطا سوداء تتخللها نقاط بيضاء، مبعثرة هنا وهناك  بلا ترتيب بينها  ولا معنى يذكر لها، فإذا ابتعدنا قليلا عن الجريدة تماسكت تلك النقاط وظهرت ملاح الصورة.
فكذلك الأمر إذا نظرنا إلى الكائنات وغصنا في أغوارها.
وكذلك مفهومنا للمكان والزمان في رحاب نظرية الكوانطا: إن الفضاء بأبعاده الأربعة مركب في أساسه من  الجزيئات الأولية أو "الموجزيئات"، ولا ينفصل عنها، كما أننا لا نملك صورة عنه إلا بقدر ما  يتركب في أذهاننا من علاقات كلية بين تلك "الموجزيئات" الأولية، مثلما ندرك ملامح الصورة الفوتوغرافية من خلال نقاط منتثرة.
يقول في هذا السياق أهل الاختصاص: "إن الكهارب وغيرها من الجزيئات الأساسية: ليست موجودة داخل المكان والزمان، بل إن الزمان والمكان معا هما اللذان يوجدان بواسطتها".
فكأنما نقرأ من جديد، من خلال هذا التصريح البليغ، ما كان يعتقده كانط حول التصورات الذهنية للمكان والزمان.  ونرى عندئذ أنه كلما أمعنا النظر في تلك المفاهيم  استعصت معرفتنا لها حق المعرفة وتراوحت بين الفكرة المجردة والواقع الملموس!.
مما جعل أحد الأخصائيين يقول في هذا السياق: "لم تبلغ البشرية في ما مضى ما بلغته الآن في سباقها إلى المبادئ التي تنوط بجوهر وأعماق الأشياء، ولكنها ليست الأشياء".
فهل في ذلك تناقض "ثنائي" بالمفهوم الديكارتي أم "لا ثنائي" بمفهوم ابن عربي، حيث يقول:
إنما الكـون خيـال        وهو حق في الحقـيقة
والـذي يفهم هـذا حاز أسرار الطـريقة
يقول غوس، في رسالة له بعث بها إلى أحد أصدقائه، بعد اكتشافه لهندسة أخرى غير الهندسة الإقليدية التي باتت فريدة في وصفها للفضاء طيلة قرون مديدة:
"لقد أصبحت متيقنا أكثر مما مضى بأنه لا يمكن إثبات ضرورة الفضاء الإقليدي في وصف الفضاء الحقيقي: فليس ذلك [البرهان] في متناول العقل البشري ولا في صالحه. ولعلنا في حياة أخرى غير التي نحياها الآن سنتمكن من إدراك طبيعة الفضاء الذي بات بعيد المنال".  
وهكذا نرى مما سبق أن الفكر البشري ما انفك عبر مختلف مراحله التاريخية  يغوص تارة إلى أعماق "الواقعية" ويحلق تارة أخرى في أجواء "المثالية" بكل ما تحمله هذه المفاهيم من معان وأبعاد.
وفي ذلك جدلية  منتشرة في مختلف مجالات العلم والمعرفة، وهي ليست عقيمة بلا جدوى ولكنها خصبة ذات أهمية كبرى، إذ تدعو إلى البحث المتواصل عن الحقيقة المطلقة وتنادي كل من ألقى السمع وهو شهيد  بالرجوع إلى الحق تبارك وتعالى: "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" (قرآن كريم).
وإن الأمر في النهاية مرده إلى الجدل بين الإيمان والإلحاد الذي تنجلي معالمه وأبعاده من خلال انشقاق أهل الكتاب إلى فريقين: فريق شرب من العجل الذهبي فمال إلى حب الذهب وأخواته وتاه في الأرض طلبا للاستعلاء على عرش الماديات،  وفريق ابتدع الرهبانية وعزل الدنيا فما استطاع  رعاية غلوه في ذلك والشيئ كما هو معلوم إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده فضلوا بذلك ضلالا بعيدا.

6- المنهج الوسطي بين الفريقين من أهل الكتاب
للإيمان درجات كما أن للإلحاد دركات، ومن أعلى الدرجات إلى أدنى الدركات تتواصل حلقات الإيمان والإلحاد. كمثل الطيف الكهرومغنطيسي الذي  يمتد  من الأشعة الكونية وما فوقها إلى أمواج الراديو فما دونها،  والذي يتضمن أنوارا تسعى بين أيدي المؤمنين وظلمات تغمر وجوه الكالحين، كما يشتمل على أنكر الأصوات مثل صوت الحمير وعلى أحسن المزماير مثل مزامير داود.
وقد جاء في الذكر الحكيم مثل الأولين بين أنصار الإيمان وأنصار الإلحاد. كما وردت فيه  نماذج عديدة عبرة للآخرين، منها على وجه الخصوص ما جرى لأهل الكتاب في العهود الخالية وما لذلك من آثار بالغة في العصور الحديثة.
ويتعين علينا في هذا السياق  ذكر ما جاء عن أهل الكتاب لإلقاء الأضواء على كثير من الاتجاهات العقدية أو الفلسفية  وإدراك  الخلفيات التي تقف من وراء بعض كبرى المجريات الحاضرة.
6 . 1- أهل الكتاب بين فريقان
لقد كانت سفينة نوح عليه السلام فيصلا بين عهد خلا منذ آدم عليه السلام وبين عهد جديد شهده من نجا على متن تلك السفينة ومن تناسل عنهم وانتشروا في الأرض من بعدهم. وكان إبراهيم من شيعة نوح عليهما السلام، فاتخذه الله عز وجل خليلا وجعله أبا للمسلمين: "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل" (الحج 22/78).
وكتب الله عز وجل في ذرية إبراهيم عليه السلام النبوة والرسالة، فكان من سلالته  بنو إسرائيل الذين فضلهم الله أيما تفضيل وأصبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة وأرسل إليهم موسى عليه السلام لنصرتهم من فرعون وجنوده وهدايتهم للإيمان والعمل بالتوراة، ثم انحرفوا إلا المتقين منهم وآثروا الحياة الدنيا على الآخرة وأحبوا المال حبا جما، فأشربوا في قلوبهم العجل الذي صنعه السامري من الذهب. قال عز وجل عنهم: "وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل  بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمتين"(البقرة 2/93).
ثم أرسل المولى عز وجل إليهم المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام وأنزل معه الإنجيل ليردهم إلى رشدهم ويهديهم سبل السلام، لكنهم كفروا بنعم الله عليهم وقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة وهموا بقتل المسيح عليه السلام فأنجاه الله منهم ورفعه إليه: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم "(النساء 4/157). وكان من أتباع المسيح الحواريون الذين انتصروا لله: "فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون" (آل عمران 3/52). فكان منهم النصارى الذين وقعوا في شبهات التثليث وابتدعوا  رهبانية لم تكتب عليهم: "ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون" (الحديد 57/27).
وهكذا انشق أهل الكتاب إلى فريقين:
فريق منهم آثروا الحياة الدنيا: "ولتجدنهم أحرص الناس على حياة" (البقرة 2/96)، واثاقلوا إلى الأرض والتصقوا بها. وكانوا أكثر التصاقا وتمسكا بالذهب الذي ابتلوا به (وما يليه من فضة وكل نفيس)، فتداولوه جيلا بعد جيل على مدى أحقاب وأزمان،  وتمكنوا  بمهارة ومكر من السيطرة على أرباب  المال والأعمال وبسط  نفوذهم عبر مؤسسات دولية على المعمورة كلها، ولايزال أمرهم كذلك في عصرنا هذا.
وفريق منهم  زهدوا في الحياة الدنيا واعتزلوا  لذاتها مما أحل الله للعباد،  وقالوا  بأن ملك الله في الآخرة، واعتقدوا أن ما لقيصر فهو لقيصر وما لله فهو لله.
وهكذا اختلف الناس على غرار  هذين الفريقين: أحدهما يغوص في أعماق الماديات والآخر يهيم في أعالي  الروحانيات.
وإن  كثيرا من المذاهب والطرائق، على مستويات فلسفية أو علمية منذ أفلاطون إلى هيغل كما سبق، قد انتهجت بدرجات متفاوتة مناهج بين ذينك الفريقين. مما يدل على أن الزيغ  والضلال  قد يكونان في عالم "المثالية" المتطرفة كما  يحصلان  في أرض "الواقعية" المادية.
6 . 2- المنهاج الوسطي
فكان من رحمة الله عز وجل أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، من سلالة إبراهيم عليه السلام، وجعله خاتم النبيين وأنزل معه القرآن لهداية البشرية جمعاء إلى الوسطية بين غلو هؤلاء  وأولائك: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" (البقرة 2/143)، وبين أن ذلك منهاج إبراهيم عليه السلام الذي زاغ عنه أهل الكتاب: "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل " (الحج 22/78).  
ولولا  فضل  الله عز وجل في بعثة المصطفى رحمة للعالمين لضل الناس أجمعين، جيلا بعد جيل إلى يوم الدين،  بين تيه في غياهب الروحانيات ولج في غيابت الماديات.
وترى اليوم تكالب شرار المعمورة في  محاربة هذا المنهاج الرباني كما كانوا يصنعون ذلك بالأمس. فهم يسعون بشتى الوسائل للطعن في رسول الله وهو خير البرية، وتحريف كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والنيل  من أعراض الذين يأمرون بالقسط من الناس، والمساس بمقدسات دين القيمة التي إنما هي  منارات للبشرية جمعاء.
لكن الذي بعث بخاتم النبيين وأنزل الفرقان هدى للعالمين، يقول وهو أصدق القائلين: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون" (الصف 61/8).

خلاصة
بهذا يتبين أن الفكر البشري ما انفك عبر مختلف المجالات ومنذ غابر الأزمان، تتراوح أطرافه بين مد وجزر وبين أخذ ورد،  تارة  ترميه الأهواء  إلى السباحة على ظاهر "الواقعية والأرضية" فهو عندئذ يثّاقل إلى الأرض فيذوق ملذاتها وفتنها، وتارة تدفعه  الرياح  يحلق  في أجواء "المثالية والروحانية" وغالبا ما تخونه أجنحة الغلو فتنكسر وتهوي به إلى الهاوية.
وإن أبعاد هذا التناوب المتصل إنما تبلغ مداها الأقصى بين  دفتين اثنتين، تتمثل إحداهما في شراب بني إسرائيل للعجل الذي صنعه لهم السامري من الذهب، وتتجلى الأخرى في الرهبانية التي ابتدعها النصارى  وغلوا في أمرها غلوا كبيرا فما استطاعوا أن يرعوها حق رعايتها.
فجاءت بعثة المصطفى (ص) رحمة للعالمين، لنشر منهاج الوسطية والإعتدال في كل المجالات،  ولولاها لضل الناس أجمعين، جيلا بعد جيل إلى يوم الدين، بين مد وجزر لا ينتهي ترددها وبين أطراف متطرفة لا ترى إلا نقيضها وإذن لا تهتدي أبدا.
وصل اللهم وسلم على الرحمة المهداة، خاتم النبيين وأشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

رابط المقال :

إضافة تعليق

1 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.