توينز كارتون: القصص المصورة هي طفل الثقافة اليتيم!

*أغلب رسامي الكوميكس غير مهيئين لكتابة سيناريو متخصص * تبدأ معاناة الرسام خلال العمل تحت ضغوط الناشر لإنجاز العمل في أسرع وقت دون التطرق للعائد المادي أو حتى المعنوي الذي سيحصل عليه، وذلك في سبيل نشر أعماله.

* الكاتب لا يجد جدوى من التضحية بوقته لإنتاج قصص مصورة، ما يدفعه للتوجه إلى الصحافة أو نشر «أعمال فردية».

«توينز كارتون»، بالانجليزية، أو «توأم الرسوم المتحركة» بالعربية، ربما يبدو التعبير على طرافته غريباً، خاصةً وأن «هيثم رأفت السحت» و»محمد رأفت السحت» اللذان يتخذان من فن الكوميكس «القصص المصورة» مهنةً لهما كرسامين، يتمتعان بإصرار غير عادي على ألا تنظر لأحدهما، ولو للحظة، منفرداً ومنفصلاً عن نصفه الآخر، فلن تجد رسماً موقعاً باسم أحدهما دون الآخر، بل إنهما عند الانتهاء من رسمة أو قصة مصورة لا يوقعان باسميهما «الحقيقيين» أصلاً، بل يمهران أعمالهما بالكنية التي اختاراها لنفسيهما: توينز كارتون!
هما الآن في التاسعة والعشرين من العمر، ومثلما ولدا معاً، ظلا معاً يتقاسمان الاهتمامات والهوايات نفسها، حتى أنهما التحقاً بكلية الفنون الجميلة معاً، وتخصصا في قسم الرسوم المتحركة، قبل أن يتجها للحياة العملية حالمين بصنع نقلة في المجال الذي يعشقانه: القصص المصورة أو «الفن التاسع» كما يحلو لصناع هذا الفن أن يطلقوا عليه. بتفاهم غير عادي يرسم التوأم معاً، بحيث يخرج العمل في النهاية منسجماً وكأن يداً واحدة هي من أنجزته وليس يدين! يحلمان بأن يصبح الاسم «توينز كارتون» علامة مسجلة ذات يوم، تدل عليهما، ومن أجل ذلك يعملان ليل نهار على تحقيق حلمهما الفني في مجال القصص المصورة الذي يعشقانه.
مؤخراً، أقدم التوأم على خطوة جريئة، ولا أبالغ إن قلت إنها محفوفة بالمخاطر، عندما قررا إصدار مجلة للقصص المصورة للكبار هي «جراج»، على نفقتهما الخاصة وبعيداً عن أي تمويل خارجي أو اللجوء لناشر خاص (مع استحالة العثور على ناشر حكومي بالطبع) يمول التجربة، من هنا كان سؤالي الأول: لماذا؟
يبدأ هيثم مبتسماً: «سأحكي لك حكاية طريفة تتكرر مع أغلب رسامي القصص المصورة عندما يتقدمون لناشر بمشروع مجلة أملاً في إنتاجها، بعد أن يتأمل الناشر التجربة بإعجاب، ويبدو متحمساً، يقول لك: جميل جداً الكلام ده يا فنان.. شغل هائل.. كده المجلة مش ناقصها غير الطباعة. تسأله بفرح: يعني بجد ستتنشر خلاص وتنزل السوق؟ فيربت على كتفك مشجعاً: طبعاً. وهنا يأتي الدور على السؤال الذي لا يحبه الناشر ويخجل منه الفنان، عندما تتجرأ وتسأله: صحيح أنا مش بحب أتكلم في الأمور المادية بس كنت حابب أعرف التعامل بينا سيبقى ازاي؟ هنا سيجيبك الناشر مطمئناً: ما تقلقش يا فنان حقك محفوظ.. بص يا سيدي.. نسبتي كناشر ستبقى 80 % وطبعاً ده لأني متكفل بالنشر والتوزيع والطباعة وخلافه. مثل هذا الحوار، والكلام ما يزال لهيثم، يصيب الرسام بإحباط غير عادي، ويجد نفسه أمام طريق من اثنين، إما أن يقبل تحت ضغط احتياجه للتحقق والانتشار وخروج عمله للنور، مضحياً بحقوقه، أو أن يرفض وفي هذه الحالة لن يعرف متى ستحين الفرصة ليعبر عن نفسه.
الناشر إذن هو أولى المشكلات التي تواجه فنان القصص المصورة، وفضلاً عن رغبته في ابتلاع التجربة بحيث يصبح هو الرابح الأكبر على حساب منتجيها الحقيقيين، هناك ضغوط أخرى، يلخصها «محمد رأفت» قائلاً: حتى مع وجود ذلك الناشر المنتظر.. تبدأ رحلة الرسام في المعاناة من خلال العمل تحت عدد من الضغوط من قبل الناشر لإنجاز العمل في أسرع وقت دون التطرق للعائد المادي أو حتى المعنوي الذي سيحصل عليه الرسام، وذلك في سبيل نشر أعماله في السوق وخروجها للنور.
ولذلك _ يرى محمد _ أنه لابد من تحقيق المعادلة الصعبة مابين الناشر والرسام، يمكن من خلالها إنتاج عدد كبير من القصص المصورة يضمن حقوقهما سوياً. المشكلة الثانية، كما يرى محمد تخص رسام الكوميكس نفسه: «للأسف علينا أن نعترف أن أغلب رسامي الكوميكس ليس لديهم الحماس الكافي لإنتاج قصة مصورة وأسباب هذا العزوف كثيرة منها العنصر المادي والوقت الطويل الذي يستغرقه العمل لإتمام قصة مصورة فضلاً عن عدم دراية الرسام عموماً بالجوانب الإدارية المحيطة بالعمل الفني كالنشر والتوزيع وخلافه.. كل هذه الأمور تمثل معوقات في وجه الرسام الذي يجد نفسه في نهاية المطاف أمام ركام من المعوقات تجعله يحجم عن خوض التجربة».
يتدخل «هيثم»: علينا ألا ننسي الضلع الثالث في مثلث «الكوميكس» وهو كُتَّاب الكوميكس، فنحن نواجه في مصر مشكلة كبيرة هي ندرة الكاتب المتخصص في كتابة القصص المصورة (الكوميكس) مقارنة بأعداد رسامي الكوميكس المتوفرين بكثرة، وللأسف الغالبية منهم غير مهيأة لكتابة سيناريو متخصص للقصص المصورة مما يجعل عملية إنتاج هذا النوع من الفن عملية غير مكتملة.
ويكمل هيثم: «بالفعل لا يجد الكاتب جدوى من استقطاع جزء كبير من وقته ومجهوده لإنتاج قصص مصورة، مما يدفعه للتوجه إلى الصحافة أو نشر روايات خاصة به تنسب له وحده وليس عملاً جماعياً يرفع من مستوى الفن التاسع ويجعله صناعة مهمة كما هو الحال في المدارس الرائدة لفن القصص المصورة في أمريكا وفرنسا (المدرسة الرائدة في أوروبا) واليابان (المدرسة الآسيوية الكبيرة والتي ابتكرت فن المانجا).
من ضمن الحلول المطروحة والتي باتت طوق نجاة مؤخراً، النشر الإليكتروني أو الرقمي. يقول محمد: «في الفترة الأخيرة تعالت الأصوات المنادية بنشر الرسام لأعماله رقمياً من خلال المواقع الإلكترونية الفنية المتخصصة، مما يسهل من انتشار أعماله فضلاً عن إشباعه معنوياً على الأقل خاصة وأن تلك المواقع توجد ردود فعل سريعة ومردود فوري.. وهو ما يزيد أيضاً من كمية الأعمال المنتجة من الكوميكس ويجعله فعلياً فناً شعبياً وهو ما يجب أن يكون».
هذا أحد الحلول، لكن هل يكفي؟ أو، بتعبير آخر، هل يُغني عن وجود مكتبة ورقية لفن الكوميكس تحوي كتباً ومجلات يمكن للقارئ الحصول عليها وتدخل ضمن عملية النشر «الفعلية» كعملية اقتصادية؟
من هنا، كما يقول هيثم، يأتي طموح مجلة مثل «جراج»: هدفنا تحقيق عمل متكامل، يحقق جزءاً من تصورنا عن مجلة الكوميكس التي نحلم بها، على مستوى الرسم والكتابة وصولاً للإخراج والطباعة.. ولذلك استغرقنا وقتاً طويلاً في الإعداد لهذه المطبوعة ووقفنا عند كل التفاصيل بما في ذلك «القطع»، وقد اخترنا قطعاً كبيراً يجعل من المساحة البصرية وفعل «الفرجة» بطلاً حقيقياً تشعر بوجوده بمجرد مطالعة المجلة.
يكمل هيثم: سأمنا الحديث المكرور عن الحلول، وفي رأيي لا يكمن الحل في الكلام الدارج والمحفوظ بضرورة دعم الفنانين المستقلين والكتاب ودور النشر، لكن يجب دعم العملية بجميع أركانها والاهتمام بهذا النوع من الفن الذي لا تزال الأغلبية العريضة من المجتمع لا تدرك عنه شيئاً، من ضمن الحلول إقامة مهرجانات شعبية لهذا النوع من الفن تمنحه أرضية حقيقية على أرض الواقع.. بهذه الطريقة ستبدأ دور النشر تتحمس لإنتاج كتب أو مجلات، فمن الضروري تغيير إيديولوجية أو الذهنية التي تحكم عدد كبير من هذه الدور والمتمركزة حول المكسب المادي السريع.

حاورهما: طارق إمام

إضافة تعليق

8 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.