ثقافة الحوار....قناديل كثيرة.. والضوء واحد

قد تبدو فكرة الحوار بين الأديان واضحة، ومع ذلك فإنه من الجدير أن نخصص بعض الوقت لنتبين ما الذي تقصد الكنيسة عندما تقول: إننا ينبغي أن ننخرط في هذا الحوار، إذ ينظر كثير من الناس الى معنى الحوار بشكل ضيق جداً، في حين أن رؤية الكنيسة في دعوتها للحوار أوسع من ذلك بكثير.
في ظل عالم مضطرب تتنازعه حروب لا تكاد تهدأ حتى تتفجر من جديد.. ماذا ينفع الحوار؟
أم إن هذا وقته وقد حان العمل من أجله؟
من ذا الذي يدير وجهه، وبين من ومن سيكون؟
هل سيفضي الى نتائج حقيقية؟!
أسئلة كثيرة لابد من طرحها، وسماع وجهات نظر المتحاورين. هذا ما يسعى إليه كتاب "بناء ثقافة الحوار" الصادر حديثاً عن دار الفكر، لمؤلفه توماس ميشل اليسوعي، ترجمة ناصر ضميرية.
ما المقصود بالحوار؟
يطرح المؤلف في بداية كتابه سؤالاً واسعاً تحت عنوان ما الحوار؟ ويجيب على ذلك قائلاً: التساؤل السابق يطرح موضوعين جوهريين: أولاً ماا لذي نعنيه بالحوار؟ ومن ثم ما المقصود بثقافة الحوار؟
قد تبدو فكرة الحوار بين الأديان واضحة، ومع ذلك فإنه من الجدير أن نخصص بعض الوقت لنتبين ما الذي تقصد الكنيسة عندما تقول: إننا ينبغي أن ننخرط في هذا الحوار، إذ ينظر كثير من الناس الى معنى الحوار بشكل ضيق جداً، في حين أن رؤية الكنيسة في دعوتها للحوار أوسع من ذلك بكثير.
ينظر البعض الى الحوار على أنه مجرد لقاءات رسمية تتم بين الزعماء الدينيين والعلماء، يجلسون معاًَ، ويصطنعون البهجة والتفاؤل، ويختارون كلماتهم بحرص لتجنب المواضيع الجدلية التي قد توتر الأجواء وتثير المشاعر، وباختصار إنهم ينظرون الى لقاءات الحوار بين الأديان وكأنها حفلات شاي.
إن كانت هذه فكرتنا عن الحوار؛ فلا عجب إن نظر الكثير من المسيحيين، وأتباع الديانات الأخرى الى هذه اللقاءات بالشك والريب، وعدَُوها مضيعة للوقت.. ترفاً لا يتسع له جدول أعمالنا.. مجرد علاقات عامة، أو تبدو كأنها حلول وسط في مسائل لا تقبل الحلول الوسط.
إن كان هذا واقع الحوار فمن الصعب علينا أن نفهم أن الكنيسة الكاثوليكية؛ بدءاً من مجمع الفاتيكان الثاني وعلى امتداد ما يربو على الأربعين عاماً الماضية.. وبشكل أساسي من خلال تعليمات البابايوحنا بولس الثاني- لا تزال تُلحُّ وتحثُّ المسيحيين على الالتزام بالحوار بين الأديان. على سبيل المثال يمكننا أن نسمتع الى بيان البابا عام 1991، (رسالة الفادي) عن اللقاء بين الأديان: «المؤمنون جميعهم والجماعات المسيحية كلهم مدعوون إلى ممارسة الحوار حتى إن لم يكن على المستوى نفسه وتحت أشكال مختلفة» بالنسبة الى الكثيرين -لا يزال القول للبابا- هذا سيكون من خلال ما يسمى (حوار الحياة).
الصبر وثقافة الحوار
يرى المؤلف أن ثقافة الحوار لاتُبنى بإعانات، وإنما تتقدم ببطء استناداً الى الدراسة والتخطيط، إنها قرارات وخيارات، والأهم من ذلك هي مسألة تغيير المواقف، ولا بد لي أن أعترف أن المؤسسة التي أنتمي اليها (اليسوعية) ومع كل النوايا الطيبة التي أعربت عنها في بيانها لا تزال تتحرك ببطء، ولكني آمل بثبات على الطريق نحو إيجاد مثل هذه الثقافة. وأعتقد أن أول ميزة مطلوبة هي الصبر، شأنه في ذلك شأن أي نشاط جدي وجدير بالاهتمام، فالحوار ليس تلفيقاً يتم بين عشية وضحاها ولا يمكن إنجازه من قبل هواة.. نحتاج إلى عمل الكثير من أجل التغلب على عدم الثقة.
عبء التاريخ
يلتفت المؤلف الى أمر ضروري.. ألا وهو الإرث التاريخي الضاغط على الجميع، ويرى أن عبء التاريخ من أصعب العقبات التي ينبغي التغلب عليها في بناء الحوار، غير أن تجاوز هذا العبء هو أحد أهم الثمار المأمولة من الحوار. يشكل هذا التاريخ المحزن عبئاً علينا أن نتحمل تبعاته جميعاً.
ببطء وبالكثير من الجهد علينا أن نبني الثقة فيما بيننا. يتعين علينا أن نقنع أنفسنا، وأن يقتنع شركاؤنا بأننا لسنا أسرى الماضي، وأنه يمكننا العيش معاً والعمل معاً على نحو أفضل مما فعلنا في السابق. إن الأفراد والجماعات يمكن أن يغيروا مواقفهم، والأهم من ذلك تحقيق إرادة الله في الحب والاحترام والقبول المتبادل.. بين أولئك الذين يقفون أمامه في الطاعة والعبادة، هذه هي الرسالة التي عبرت عنها مبادرة (الكلمة السواء).
الحوار ثراء
ويرى المؤلف أنه بعد أكثر من أربعين سنة من المشاركة، بإمكانه أن يقدم شهادته في الحوار، وأنه بمجرد أن تنشأ الثقة فإن الكثير من الإنجازات يمكن تحقيقها.
في التحليل النهائي فإن الحوار والحياة المشتركة ليس بالأهداف البعيدة والعسيرة المنال، إن كنا نرى في أنفسنا أدوات تعمل على تحقيق إرادة الله، فالروح الإلهية الفاعلة فينا قادرة على إبراز أفضل مافينا، وكذلك أفضل ما في جيراننا من الديانات الأخرى، لإنجاز ما كنا أبداً نظن أننا قادرون على إنجازه حتى مع قدراتنا الضعيفة، والمحدودة في المعرفة والقوة.
الحوار يثري ذاتنا من خلال الاطلاع على تجارب الآخرين الروحية، وكثيراً ما نسمع شهادات أصدقائنا من الديانات الأخرى، والذين يشعرون بالثراء الروحي ذاته، لدينا جميعاً الكثير ليتعلم بعضنا من بعض إنسانياً.
البابا يوحنا بولس الثاني ينظر الى الإثراء المتبادل بكونه أحد الثمار الروحية العميقة للحوار، في زيارته الرعوية الى بلجيكا عام 1986 قال: إنه يخص جميع المؤمنين ليعرف بعضهم بعضاً بشكل أفضل، وللدخول في حوار من أجل إيجاد سبل سلمية للعيش معاً، والإثراء الروحي المتبادل، هذا النوع من التفاعل المتبادل يمكن أن يعود بالنفع على المجتمع بأسره، ولاسيما أولئك الذين يجدون أنفسهم في أشد الحاجة الى العدالة والمساواة والأمل، في كلمة واحدة: من هم في حاجة الى أسباب الحياة.
ولا ننسى أن الحوار الأكثر فاعلية، وتأثيراً -على الأرجح- ليس من خلال المشاريع العظيمة، ولكن في النشاط اليومي للناس العاديين الذين تملؤهم الرغبة في تقاسم الحياة مع المحيطين.
بقي أن نشير إلى أن الكتاب يقع في 230 صفحة، ويتوزع على مجموعة كبيرة من العناوين الهامة، ويقدم مجموعة ملاحق حول الحوار الذي جرى سابقاً.
اسم الكتاب: بناء ثقافة الحوار
الناشر: دار الفكر
جريدة " الثورة" الأربعاء 23-6-2010 م

إضافة تعليق