ثقافة في الأسر وتفكيك المقولات النهضوية العربية

د. محمد عادل شريح: ينبغي إعادة تحديث التراث من موقع مغاير
دمشق
صحيفة تشرين
ملف الاسبوع الثقافي
السبت 18 تشرين الأول 2008
قراءة وحوار: عزيزة السبيني
تعاني الثقافة العربية من ازدواجية الحداثة بمفهومها الغربي، والثقافة العربية الإسلامية التي تستند إلى التراث والتاريخ والدين.
صحيفة تشرين
ملف الاسبوع الثقافي
السبت 18 تشرين الأول 2008
قراءة وحوار: عزيزة السبيني
تعاني الثقافة العربية من ازدواجية الحداثة بمفهومها الغربي، والثقافة العربية الإسلامية التي تستند إلى التراث والتاريخ والدين.
هذه الازدواجية انعكست على الدور الذي يلعبه المثقف العربي في الحراك الثقافي والفكري العربي فهو إما مؤيد للحداثة حاملاً لسماتها الفكرية والنفسية مقتنعاً بصلاحيتها للتطبيق في مجتمعات تختلف اختلافاً جذرياً في قيمها وحضارتها عن مجتمعات نشوئه، وإما معارض لها يستند إلى التاريخ والدين وقيم ومبادئ المجتمع الذي نشأ فيه.

حول هذه الازدواجية التي أنتجت ما يسمى أزمة الثقافة العربية، وأزمة الهوية، وأثارت تساؤلات حول العلاقة الجدلية بين الفكر القومي وموقفه من الإسلام وتأثير الفكر التأصيلي في الثقافة العربي، التقينا الدكتور الباحث محمد عادل شريح في الحوار التالي:
ہ « ثقافة في الأسر، نحو تفكيك المقولات النهضوية العربية» هو عنوان كتابك الذي صدر حديثاً عن دار الفكر، ما هي هذه الثقافة،و في أي أسر هي ؟ و ما الذي تعنيه بتفكيك مقولات النهضة؟

ہہ الثقافة التي في الأسر، هي الثقافة العربية الإسلامية التي عاشت فيها أمتنا أربعة عشر قرناً من الزمان، لقد وقعت هذه الثقافة في أسر مجموعة من المقولات الحداثية المهيمنة و على رأسها مقولة التقدم الشامل كرؤية معرفية و تاريخية أنتجتها فلسفة الأنوار في أوروبا و قام المثقفون العرب بتبنيها كرؤية شمولية للفكر و التاريخ. بدورها فقد أنتجت هذه المقولات مجموعة من المنظورات المعرفية كثنائية الانحطاط و النهضة التي كرست قطيعة معرفية مع تراث الأمة و ماضيها، و قطيعة أخرى بين مكونات الثقافة الاجتماعية التي تحملها الجماهير كمخزون معرفي و الثقافة العالمة التي تمثلها شريحة المثقفين المنقطعة عن تراثها و هويتها و ثقافتها الاجتماعية.
هذه المقولات و هذه المنظورات تمثل الإطار الذي نمت فيه وتطورت الأيديولوجيات النهضوية - نسبة إلى النهضة كمفهوم مركزي في ثقافتنا الحديثة- الانقطاعية - أي التي ترى تحقيق النهضة عبر عملية انقطاع و إعادة تأسيس معرفي و تاريخي.
أما مفهوم التفكيك فهو يشير إلى أن عملية النقد الذي سوف يُمارس لا تلامس تفرعات الثقافة العربية النهضوية الحديثة، إنما هو يذهب عميقاً إلى المقدمات التي تأسست عليها هذه الثقافة ليخضعها لعملية نقد شامل.
ہ تشير إلى أزمة الثقافة العربية اليوم باعتبارها أزمة جمود، وهناك بعض المصطلحات التي يطلقها مثقفو اليوم على الثقافة العربية، مثل «التصحر الفكري، الضمور الإبداعي، هوس الخصوصية، هاجس الهوية، شيزوفرانيا المعرفة» إلى غير ذلك. ألا ترى أن المثقف العربي بشكل عام غير بعيد عن تسميات كهذه؟ وأن الحداثة التي نادى بها لم تنتصر إلى اليوم في الثقافة العربية على الرغم من بروز بعض الأسماء التي لاتفوت وقتاً في نقد التراث والدين والتاريخ، وكأن هذا التراث والدين والتاريخ نقمة على الثقافة العربية؟
ہہ إن أزمة الثقافة العربية اليوم، هي إلى حد كبير أزمة المثقف عموماً، فهذه الشريحة الاجتماعية منذ تبلورها مع نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين حملت سمات فكرية و نفسية جعلت منها عامل هدم و تدمير أكثر منها عامل بناء.
إن المثقفين عموماً هم ممثلون لشريحة حديثة أنتجتها ظروف الحداثة و التنوير في التجربة الغربية. ففي كل مجتمع من المجتمعات و عبر مراحل التطور التاريخي المختلفة كانت هناك شرائح اجتماعية تمثل النخبة في هذا المجتمع، و هي تتميز بقوة دورها و مكانتها في المجتمع بحكم قوة السلطة أو قوة المال أو قوة الأفكار، و هذه التي تتميز بقوة الأفكار هي النخبة الفكرية والتي كانت في كل الحضارات التقليدية ملتحمة عضوياً مع مجتمعها و كانت تمثل الحامل و الناقل لقيم و مبادئ هذا المجتمع، وهي المعبر الصادق عن مكوناته ، وكانت تقوم بدورها الفاعل من خلال تقديم تصورات و رموز و قواعد و خلاصات أيديولوجية تبريرية و تقريرية تتبناها الجماهير بيسر و سهولة لأنها امتداد للمخزون الثقافي و التجربة الحياتية لهذه الجماهير و لهذا المجتمع. هذه النخبة الفكرية كانت تسمى في تجربتنا العربية الإسلامية شريحة العلماء و التي كان لها دور كبير و تأثير ظاهر و واضح في كل مراحل تطور الحضارة العربية الإسلامية، حتى في ظل أحلك الظروف التاريخية.
إن شريحة المثقفين التي جاءت لتستبدل ممثلي النخبة التقليدية في كل المجتمعات، هي ـ كما أشرنا ـ أحد منتجات الحداثة، فكلمة مثقفون هي ترجمة للكلمة الإنجليزية Intelligentsia و هي مصطلح حداثي دخل حيز التداول في القرن التاسع عشر، بعد أن تم اقتباسه و تعميمه من الأدب الروسي الذي أنتج هذه الصيغة الاصطلاحية ليدل على نمط جديد من أنماط الوعي و الممارسة الثقافية المغايرة لبنية و تكوين الثقافة الروسية التقليدية ، فالمثقفون - Intelligentsia- هم الشريحة من شباب الجيل الجديد الذين يتوحدون لا على أساس الطبقة الاجتماعية و لا على أساس المصلحة الاقتصادية إنما على أساس اعتناقهم لمنظومة جديدة من الأفكار و القيم التي كانت في معظمها ليبرالية و اشتراكية و لا دينية، أي مغايرة لثقافة المجتمع السائدة.
فشريحة المثقفين في التجربة الغربية هي الشريحة التي ولدت من رحم تناقضات التجربة الحضارية الأوروبية المسيحية و التي قامت على مدار عصر التنوير بعملية نقد شاملة أدت إلى تهديم البنى الحضارية القديمة و التأسيس لبنيان الحداثة، ثم بعد ذلك أصبحت هذه الشريحة مغتربة في إطار المنتج الحضاري الذي كان لأسلافها الدور الكبير في ظهوره و تحقيقه، فبعد أن ساهمت هذه الشريحة في صنع كل أيديولوجيات الحداثة و في كل الثورات الاجتماعية العلمانية والليبرالية و الاشتراكية، عادت لتكتشف غربتها في حضارة الليبرالية العلمانية و اقتصاد السوق، أو في نموذج الاشتراكية التسلطية، و قد عبرت الفلسفة الوجودية و امتداداتها في الفن و الأدب عن حالة الاغتراب و ضياع المعنى الذي تعيشه شريحة المثقفين، ثم انتهت إلى أن بدا ممثلو التكنوكراط من خبراء ثورة الاتصالات و المعلومات يحتلون مكانها .
إذا عدنا إلى واقعنا العربي فإننا نجد أن شريحة المثقفين التي ولدت على أثر الاحتكاك الذي حصل بينا و بين الحضارة الغربية، و زاحمت النخبة العضوية و همشتها وحلت مكانها، قد جاءت حاملة للسمات الفكرية و النفسية نفسها لنموذج مثقف الحداثة الغربية، لقد كانت هذه الشريحة الاجتماعية، ومنذ لحظة ولادتها مشبعة بقيم الحداثة الغربية مقتنعة بصلاحية هذا النموذج الحداثي الغربي للتطبيق في مختلف المجتمعات و الحضارات، و قد كانت منفصلة عن ثقافة مجتمعاتها، و تنظر إلى هذه الثقافة بفوقية و تعالٍٍٍ كبيرين و تزدري التراث و تقف موقف المتشكك - في أقل تقدير - من القيم الدينية.
كانت هذه الشريحة ترى كذلك أن مهمتها الأساسية هي تهديم البنى الثقافية التقليدية و إحلال النماذج الحداثية مكانها، دون الأخذ بعين الاعتبار كل الحيثيات التاريخية و الفكرية و الحضارية و النفسية و حتى السياسية لعالمنا المعاصر و لتجربتنا التاريخية و الحضارية، و قد عملت على ذلك بكل جد و اجتهاد.
في المحصلة، فقد تحولت هذه الشريحة إلى عامل هدم ثقافي على أمل أن يأتي ذلك اليوم الذي سينجلي فيه غبار هذا الحطام عن ذلك النموذج الأيديولوجي الذي يحمله المثقف في مخيلته، و الذي سيحقق النهضة وينقذ المجتمع من واقع التخلف و الانحطاط ، و هاقد مرت العقود الطوال دون أن يتحقق ذلك الوعد المأمول و لم تتحقق النهضة المرجوة، و لا نجد من حولنا سوى ركام من البنى الثقافية و القيمية والاجتماعية المدمرة.
ہ تقول: إن الهوية تمثل في الوجود الثقافي المستوى الأعمق من مكونات هذا الوجود، وهي حسب رؤيتك، الحقيقة المولدة للأفكار والنظم المختلفة. وتنفي وجود أي ثقافة أصيلة من دون هوية. هذا الرأي يتعارض مع موقف المثقفين العرب الحداثيين التي يعتبرونها حجر عثرة في طريق مشروعهم التغريبي. هل ترى أن مفهوم الهوية يشكل عائقاً دون التفاعل الحضاري في عالم اليوم، لأن مفهوم الهوية يخلق تصورات مسبقة عن الآخر. وما هي الأسباب الموضوعية التي أشرت إليها والتي أدت إلى إخفاق المثقف الحداثي العربي؟
ہہ هناك نمطان من أنماط التفاعل الحضاري و المثاقفة، فهناك نمط التفاعل و المثاقفة الذي يتم على أساس من الاستتباع الحضاري و الاستلاب المعرفي و النفسي، و هذا شكل من التفاعل يميز موقف الضعيف المهزوم من القوي المنتصر و قد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى هذه الحالة بقوله«إن المغلوب مولع أبداً للاقتداء بالغالب في شعاره و زيه ونحلته و سائر أحواله و عوائده».
و هناك نمط آخر من التفاعل بين الحضارات و هو تفاعل قائم على أساس من إدراك الذات و إدراك الخصوصية و القدرة على الحوار الفاعل و التفاعل البنّاء.
إن مجمل عمليات التفاعل و المثاقفة التي كانت تمارس في تاريخنا الفكري الحديث كانت تتم على قاعدة من الاستتباع الحضاري و الاستلاب النفسي و المعرفي، ويكفي أن نلقي نظرة إلى الكيفية التي تعامل بها المثقف العربي مع القيم الغربية الحداثية من حيث النظر إليها على أنها قيم مطلقة مبرأة من المحمولات الذاتية و الاعتبارات النسبية، بل إن المثقفين العرب كثيراً ما كانوا ينظرون بنوع من الاحترام و التبجيل حتى لأقوال المفكرين الغربيين الذين كانوا يقللون من شأن الثقافة العربية الإسلامية و يستخفون بها كآراء رينان و هيغل و غيرهم في الثقافة العربية الإسلامية.
و قد فوجئنا منذ سنوات و عندما صدرت أخيراً الترجمة الكاملة لرد جمال الدين الأفغاني على المفكر الفرنسي رينان، هذا الرد الذي كانت تباهي به الكتب و الدراسات العربية و الإسلامية على أن مفكراً إسلامياً قد تصدى لرينان و اتهاماته للإسلام و الثقافة الإسلامية بأنها معادية للعلم، فوجئنا بأن محتوى هذا الرد المفحم لم يزد على أن وافق الأفغاني رينان في ما ذهب إليه، لكنه أضاف بأن هذا العداء ليس سمة خاصة بالدين الإسلامي بل هو ميزة كل الديانات!!
القضية الأخرى التي ينبغي التنويه إليها، هي أن الاستلاب تجاه الآخر يقابله لا محالة نوع من ازدراء الذات و التقليل من شأنها، وكما لاحظت فقد ورد في كتاب «ثقافة في الأسر» نماذج من الأقوال و الممارسات التي صدرت عن رموز مهمة في الثقافة العربية الحديثة التي تؤكد هذه الرؤية. إن المؤلفات العربية الحديثة مليئة بالتوصيفات المعيبة للذات الثقافية من نوع الانحطاط و الظلامية و الاستبدادية و التخلف المتوارث و التصحر الفكري و الضمور الإبداعي و غير ذلك.
كذلك فإن الشخصية العربية توصف في الدراسات الأكثر شهرة و انتشاراً بأبشع الأوصاف، فعلى سبيل المثال نجد هشام شرابي في دراساته للمجتمع العربي و الشخصية العربية مستنداً إلى مقدمات ماركسية و فرويدية ، يصف المجتمع العربي و الشخصية العربية بأبشع الأوصاف من نوع التخلف و الاتكالية و العجز وهذه الصفات متوارثة يعيد المجتمع إنتاجها في كل شخوصه و أفراده من خلال العلاقات الاجتماعية الأبوية. هذا النوع من الدراسات يركز على بعض السلبيات في المجتمع و يضخمها و يعطيها صفة الإطلاقية دون أن ينظر بدايةً في المقدمات المنهجية التي يؤسس عليها أحكامه، فأنا لا أفهم ما هو السبب الذي يبرر أن نحتكم في علاقاتنا الاجتماعية و في تقييمنا للذات و الشخصية العربية إلى مزيح من الفرويدية و الماركسية ؟ كيف نبرر ذلك علمياً و منهجياً لا أيديولوجياً؟ و ما الذي يعطي الفرويدية أو الماركسية أو غيرها حاكمية نظرية لتقييم مجتمع و حضارة تقليدية لها نمط تطورها الخاص و تجربتها المتميزة ؟
و كان قبل ذلك سلامة موسى قد عبر عن هذا الازدراء للذات بشكل مباشر حين قال «إن الأجانب يحتقروننا بحق ، ونحن نكرههم دون حق». لقد كرست هذه الممارسة الثقافية نوعاً من التقييم المتدني للذات عند الإنسان العربي، و معلوم عند العارفين بعلم النفس الاجتماعي أن التقيم المتدني للذات هو أقصر الطرق نحو السلبية والعجز.
الآن لو عدنا إلى قضية التفاعل الحضاري ، نقول: إن الخروج من هذه الحالة من الاستلاب و الاستتباع يقتضي أن نعود للتأكيد على مقولات الهوية الفاعلة و استشعار خصوصية التجربة التاريخية و الحضارية العربية و الانطلاق من هذا الإدراك العميق للذات نحو التفاعل مع الآخر، تفاعلاً بناء مبدعاً.
إن الهوية بالمعنى الفلسفي هي صنو الوجود، و هي بالمعنى الحضاري معين الطاقات الكامنة الذي تستمد الحضارة منه مفردات التحقق الذاتي في مجالات الحياة كافة، إنها أشبه ما يكون برموز التطور الجيني الكامنة في كل خلية من الخلايا الحية تحدد نموها وتطورها في كل مرحلة من مراحل حياتها، إنها تمثل السمات الخاصة بالشخصية التي تعطي لهذه الشخصية صورتها و تكاملها.
إن الانطلاق من الهوية الحضارية هو المقدمة الصحيحة للتفاعل مع الآخر فلكي نحاور الآخر علينا أن نتكون و نكتمل كذات أولاً، أما الذات التي تدور في فلك الآخر فهي أعجز ما يكون عن التفاعل معه، أنها لا تعدو أن تكون جرماً صغيراً يدور في فلكه، و بالتالي فإن الآخر يحاور ظله البعيد فينا و لا يحاورنا كذات مستقلة.
ہ يدعو الجابري إلى تأسيس النهضة الحداثية استناداً إلى التراث بقوله: «إذاً فلا سبيل إلى التجديد والتحديث، ونحن نتحدث عن العقل العربي، إلا من داخل التراث نفسه وبوسائله الخاصة وإمكاناته الذاتية» وهذا يعني أن التراث بأشكاله المختلفة هو الداعم الأساس لقيام النهضة الحداثية. وفي تعليقك على هذا القول أشرت إلى أن التجديد والتحديث الذي يقصده الجابري هو الحداثة بمعناها الغربي، فكيف يرى الجابري أن التراث هو المؤسس للنهضة العربية بينما أن الحداثة التي يقصدها هي الحداثة بمعناها الغربي، وفي هذا تناقض واضح حيث إن الحداثة الغربية تستند إلى تاريخ ومعطيات مختلفة تماماً عن التراث العربي؟
ہہ للإجابة على هذا السؤال لا بد من توضيح قضية هامة أولاً، و هي طبيعة التغيرات التي طرأت على شكل تعامل المثقف الحداثي مع التراث، فإذا ما كانت دعوات القطيعة مع التراث هي السائدة حتى سبعينيات القرن العشرين، فقد بدأنا نلمس منذ الثمانينيات عودة المثقف الحداثي نحو التراث، هذه العودة التي كانت مدفوعة بقناعة عملية أفرزتها التجربة بأن التراث العربي الإسلامي يبدو شيئاً غير قابل للتجاوز و لا يمكن القفز من فوقه، بالتالي يجب التأسيس للدعوات الحداثية من داخل التراث نفسه عوضاً عن الاصطدام المباشر معه و قد رأينا كيف أن المادية ذاتها و التي هي على طرف نقيض، صارت جزءاً من تراثنا العربي الإسلامي الذي لم يكن يتطور، كما يرى البعض، إلا في إطار من مقولات الديالكتيك الهيغلي الماركسي !! ؟
يمثل الجابري و مشروعه لدراسة العقل العربي أكثر هذه المحاولات إتقاناً للتطويع الإيديولوجي للتراث ، فالتراث المفيد و القابل لأن يؤسس للنهضة العربية من وجهة نظره ، هو المنظومة البرهانية التي تلتزم كلياً بالرؤية الأرسطية الخالصة والتي يمثلها خير تمثيل ابن رشد. في حين أن ابن سينا و الفارابي، كذلك الغزالي هم ممثلو التوجه الأخطر في التراث العربي و هو تيار التداخل التلفيقي كما يسميه الجابري و الذي أسس برأيه لانحطاط العقل العربي أو ما يسميه هيمنة «العقل المستقيل».
إذا كان الأمر كذلك مع الفارابي و ابن سينا فلنا أن نتخيل موقف الجابري من الأشاعرة و باقي الفرق الكلامية، أو الصوفية و حتى المعتزلة الذين كانوا فرسان العقلانية في نظر الكثير من المثقفين الحداثيين ،هم بنظر الجابري مكون أساسي في منظومة بيانية عاجزة معرفياً .
لقد أخذ الجابري بالنظرة التجزيئية للتراث فقسمه إلى منظومات معرفية ثلاث تحكم و تتحكم في العقل العربي كمُنتج و مُنتَج لهذه الثقافة في آن واحد. و هذه المنظومات المعرفية الثلاث هي : المنظومة المعرفية البيانية ، التي تشتمل على علوم «البيان» من نحو وفقه و كلام و بلاغة . و المنظومة المعرفية «العرفانية» «من تصوف و فكر شيعي و تفسير باطني للقرآن و فلسفة إشراقية و كيمياء و تطبب و فلاحة نجومية و سحر و طلسمات و علم تنجيم» و المنظومة المعرفية البرهانية التي «تؤسس الفلسفة و العلوم العقلية» من منطق و رياضيات و طبيعيات (بفروعها المختلفة) و إلهيات و ميتافيزيقا.
لم يلحظ الجابرى، أو أنه لم يُرد أن يلحظ ، أن هذه المنظومات الثلاث متكاملة متداخلة بعضها مع بعض، و لم يكتف بذلك بل ذهب إلى تقرير الصدام الحاد بين هذه المنظومات الثلاث ليقر في النهاية أن الثقافة العربية هي نتاج لصراع و تنافس هذه المنظومات الثلاث التي تبدو و كأنها جزر منفصلة لا يربطها ببعض أي رابط معرفي. لقد أوجد الجابري هذه المعركة في قلب التراث ليعود باسم التراث و يستل لنا أرسطو عبر ابن رشد في ثوب العقلانية الحديثة التي أسست للنموذج الحداثي الغربي كأساس للنهضة المستندة إلى التراث بزعمه، فأي نهضة و أي تراث هو الذي يعنيه الجابري؟ .
ہ يؤكد معظم المفكرين الحداثيين على ثنائية مقولتي (النهضة والانحطاط) اللتين استمدتا مشروعيتهما من إقرار وتثبيت مقولة الانحطاط من جهة، والحملة البونابرتية من جهة أخرى. ونراك تشير إلى ملامح نهضة إسلامية مغايرة ومختلفة تماماً سبقت النهضة البونابرتية التي أسست للتوجهات الغربية في ثقافتنا وحياتنا الإسلامية. برأيك ، لماذا تخلى المفكرون عن التراث العربي الإسلامي، وأقبلوا على دراسة وقراءة مترجمات منقوصة وتبني أفكار مبتورة؟
ہہ إن ثنائية النهضة و الانحطاط هي إحدى أهم المنظورات المعرفية (البراديغمات) التي أنتجتها الثقافة النهضوية الانقطاعية و التي تتحكم بالرؤية الثقافية الحديثة. فالنهضة التي يؤرخ لها الباحثون منذ القرن التاسع عشر، نراها إلى هذا اليوم، تستمد مشروعيتها التاريخية من مقولة الانحطاط الذي هيمن على الحياة العربية طوال ستة قرون منذ سقوط بغداد إلى أن أشرقت هذه النهضة مع طلائع سفن نابليون بونابرت التي رست على الشواطئ المصرية عام 1798 .
لكن مقولة الانحطاط هذه تبدو و كأنها مسلمة يقبلها الجميع دون نقاش و دون اعتراض.
ہ فما هي حقيقة عصور الانحطاط هذه و ما هو مقياس الانحطاط فيها إذاً؟
ہہ لقد دخل مفهوم الانحطاط حيز التداول و بشكل رئيسي من خلال الدراسات الأدبية التي قام بها المستشرقون في القرن التاسع عشر و تابعهم فيها الباحثون العرب في دراساتهم عن الأدب العربي، ، و قد عمد الباحثون العرب الأوائل في تاريخ الأدب العربي ممن كان لهم دور كبير في صناعة مناهج التعليم في مصر و من بعدها الدول العربية ، أمثال : حسن توفيق العدل ،و أحمد الإسكندري ،و أحمد حسن الزيات ، ومحمد نائل المرصفي و غيرهم إلى تكريس نظرية تقسيم العصور الأدبية العربية الخماسي المراحل : عصر الجاهلية ، فعصر ابتداء الإسلام ، ثم عصر الدولة العباسية والأندلس ثم عصر المماليك و العثمانيين الذي يمثل عصر الانحطاط ، وأخيراً عصر النهضة .
و عندما ننظر إلى المدة الزمنية التي يمتد فيها عصر الانحطاط و أدب الانحطاط ، فإننا سنذهل عندما نجد أن هذه الفترة تغطي- تبعاً لهذا التصنيف- ما يزيد على خمسة قرون و نصف كما قرر ذلك أحد أهم المراجع في تاريخ الأدب العربي لحنا الفاخوري. فعصر الانحطاط يمتد منذ سقوط بغداد على يد المغول عام 1258 م / 656 هـ حتى عام 1798 م 1213 هـ ، عندما رست سفن نابليون على شواطئ مصر مدشّنةً بداية عصر جديد هو عصر النهضة.
إن ما يذهل في هذه المقولة ليس مجرد العمر الزمني المديد الذي تقرره للانحطاط فقط ، بل حقيقة أن جل المكتبة التراثية العربية التي نفخر بها اليوم تعود إلى رجال عاشوا هذا الانحطاط المزعوم، كالقلقشندي و ابن منظور و الفيروز آبادي و المرتضى الزبيدي و ابن تيمية و السيوطي و ابن قيم الجوزية و ابن خلكان و ابن خلدون و القزويني و المقريزي و حاجي خليفة و عشرات غيرهم من كبار العلماء، و ذلك قبل أن ندخل في مجال العلوم البحتة و التطبيقية فنذكر ابن النفيس واحمد ابن ماجد و علي ابن الشاطر و الجزري بديع الزمان و مدين القوصوني و حسن الجبري و بهاء الدين العاملي و غيرهم ممن قد ينوف عددهم على الألف عالم ممن تركوا لنا آثاراً علمية لا يزال معظمها مخطوطاً لم يدرس بعد.
لقد قدم الفكر العربي الحديث المستند إلى ثنائية الانحطاط و النهضة عدداً من نماذج الانحطاط تمثلت في «الانحطاط كمفهوم سياسي» و هو يستند أساساً إلى سقوط دولة الخلافة العباسية متجاهلاً حقيقة أن الدولة الزنكية والأيوبية و دولة المماليك و من بعدهم الدولة العثمانية لم يكونوا مجرد فقاعات جوفاء فارغة على سطح التاريخ العربي و الإسلامي و العالمي. و قد أشرنا إلى نموذج «الانحطاط كمفهوم أدبي» و يمكن أن نلحق به مقولة «الانحطاط كمفهوم علمي» و هناك النموذج الأخير لمقولة الانحطاط و هي «الانحطاط كمفهوم فلسفي - عقلي» و هو النموذج الذي نجده في الدراسات الحديثة كما عند الجابري مثلاً و المتمثل في حالة التوافق التلفيقي الذي وصلت إليه الثقافة العربية عموماً، بين منظومات معرفية متباينة - بيانية و برهانية و عرفانية- أدت في النتيجة إلى انتصار«العقل المستقيل» كما يسميه ، و هو يتمثل خير تمثيل في نموذج الغزالي الذي يبدو في هذه الدراسات نقطة تحول نحو عصور الانحطاط.
لا يسعنا في هذا المقام إلا أن نتوقف أمام هذه النماذج لنوضحها و نفندها، لكننا نستطيع أن نؤكد أن هذه المقولات جميعها تبدو مقارنة بالواقع التاريخي و الفكري الفعلي ، مقولات أيديولوجية تهدف إلى تكريس «براديغما» ظالمة و مجحفة قد صرنا نحتكم إليها في رؤيتنا لتاريخنا الفكري و المعرفي و هي ثنائية الانحطاط والنهضة.
لقد أصبحت هذه «البراديغما» المتحكمة في العقل النهضوي العربي عامل انقطاع تاريخي و معرفي فصلت الأمة عن تاريخها و عن تراثها و كرست منهجية الانقطاع و إعادة التأسيس كنموذج وحيد لتحقيق النهضة، هذا النموذج الذي لم يكن سوى محاولة كسولة عقلياً و مغتربة معرفياً و مستتبعة نفسياً للنموذج الحداثي الغربي.
لقد تحول الغزو النابليوني لمصر و بلاد الشام في نهاية القرن الثامن عشر و بداية التاسع عشر إلى نوع من الصنم الفكري الذي يجب أن ندين له جميعاً بالولاء الأعمى و الاعتراف بفضله في إطلاق نهضة مزعومة لم تحقق إلى يومنا هذا سوى رقم قياسي في عدد الدراسات التي تبحث في أسباب فشل النهضة!! و مع ذلك إذا ما رغبنا اليوم في معرفة أسباب هذا الفشل، فعلينا أن نعود إلى مناقشة المسلمات أولاً و على رأس هذه المسلمات ثنائية الانحطاط و النهضة ، هذه الثنائية التي لم تفلح سوى في تكريس الانقطاع التاريخي و المعرفي للأمة.
الأمر الآخر هو أننا لوعدنا إلى دراسة الحياة الفكرية في القرن الثامن عشر في المنطقة العربية ، الذي هو تبعاً لهذا المنطق الدرك الأسفل من الانحطاط ، و هذا ما لم يفعله أحد إلا في حالات استثنائية، فإننا سنجد ما يشير إلى نوع من الحراك الثقافي النشط الذي كان سيتمخض عن نهضة، لكننا نستطيع أن نؤكد أن هذا الحراك كان يمتلك مقومات كثيرة تؤهله لتحقيق ذلك ، و على رأس هذه المقومات أنه كان عملية استمرار طبيعية لحالات النهوض و التراجع المتكررة التي عاشتها الحضارة العربية الإسلامية وأنه كان يأتي كاستمرار للتجربة التاريخية و الحضارية العربية الإسلامية بكل مقوماتها.
وهنا لابد من الإشارة إلى قول الكاتب الأمريكي الأصل بيتر غران صاحب كتاب (الجذور الإسلامية للرأسمالية) واصفاً الهدف من كتابه : «كان هدفي أن أبرهن على أن مجيء نابليون إلى مصر عام 1798 لم يكن ذا أهمية كبيرة في التاريخ المصري، كما تزعم حركة التاريخ الأوروبية منذ زمن طويل، كي تؤكد هذا المفهوم، و أنه إذا أراد أحدهم أن يزعم هذا فإن الطريق الوحيد أمامه هو الاطلاع على كتابات المصريين في هذه الفترة(وهذا ما لم يفعله أحد) ثم نبدأ بعد ذلك مناقشة الزعم بأن نابليون وعلماء الحملة غيروا إلى حد ما هذا الفكر .. و الخلاصة أنني اكتشفت أن التركيز على عام 1798 يبدو جزءاً من التاريخ الكولونيالي الذي لم يمت بعد».
و يقول في مكان آخر « إن دراسة دقيقة لما كتبه المصريون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بالمقارنة مع ما كتبوه في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، تبين أن البلاد في الفترة الأخيرة (أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر) كانت في حالة انحطاط ثقافي، هذه الفكرة تمثل مراجعة للمقولة الشائعة بأن مصر كانت تعاني فراغاً ثقافياً و أن أوروبا هي التي ملأت هذا الفراغ بالأفكار الحديثة».
مثل هذا التصور عن الواقع المصري قبل و أثناء الغزو النابليوني يقدمه لنا محمود شاكر في كتابه (في الطريق إلى ثقافتنا) و ربما هو الوحيد من الكتاب العرب الذي فعل ذلك.
لقد كانت الأمة في حالة تراجع عام في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر، نعم فهذا هو منطق التاريخ، و إن حالة الصعود التي عاشتها المنطقة العربية و الإسلامية عموماً في شباب الدولة العثمانية ما كان لها أن تستمر. لكن الأمر الآخر و الذي هو أيضاً من سنن الحياة ومن الأمور التي عاشتها الحضارة الإسلامية مرات عديدة، هي أن حالة التراجع كانت دائماً تترافق مع بدايات جديدة تأسس لمرحلة جديدة، وهذا ما كان يجري في داخل الحياة الإسلامية و العربية إلى أن جاءت غزوة نابليون و حرفت المسار الفكري و من ثم التاريخي عن سكته المعهودة.
ہ أشرت إلى العلاقة بين الفكر القومي وموقفه من الإسلام استناداً إلى أقوال الحصري، والأرسوزي وعفلق، الذين أكدوا على اللحمة بين القومية العربية والإسلام، وخلصت إلى أن هذه اللحمة لا تخرج عن كونها صياغة إيديولوجية تسعى لترويض الدين وتوظيفه لخدمة فكرتها الخاصة، وأن الفكرة القومية لاتخرج عن كونها مشروعاً انقطاعياً فكرياً بديلاً للواقع. كيف تنظر إلى العلاقة بين الفكر القومي والدين الإسلامي في ضوء ما دعا إليه الرواد؟ ولماذ اعتبرت الأفكار القومية مجرد مشروع فكري!؟.
ہہ هناك حقيقة لا بد من إثباتها، و هي واقع الاقتران بين العروبة و الإسلام تاريخياً و حضارياً اقتراناً أضحى غير قابل للانفكاك أو التغيير. و إذا كان ارتباط العرب بالإسلام بيناً، بمعنى أن الإسلام هو الذي أخرج العرب إلى ساحة الحضارة العالمية، فإن البعض يتساءل: كيف ارتبط الإسلام بالعرب.
لقد ارتبط الإسلام بالعرب ارتباط لغة أولاً، فاللغة العربية هي لغة القرآن ، و إلى العرب ينتسب نبي الإسلام ، وبالعربية دونت سنته الشريفة التي هي المصدر الثاني للتشريع، كذلك ارتبط الإسلام بالعروبة ارتباط تاريخ و دعوة، فالعرب هم حملة الإسلام إلى شعوب الأرض.
و قد ارتبط الإسلام بالعروبة ارتباط تاريخ علمي و تراث ، فإن التراث الفقهي و العلمي الإسلامي هو في جله مكتوب بالعربية.
عندما نظر المفكرون القوميون الأوائل في هذه العلاقة بين الإسلام و القومية، فقد أكدوا على اللحمة بينهما لكنهم تخيلوا هذه العلاقة بشكل معكوس، فالإسلام في الأدبيات القومية المؤسسة هو نتاج العبقرية القومية و هو يمثل تجلي هذه الروح القومية ، أو نظرة الأمة العربية ـ كما يقول الأرسوزي ـ إلى الحياة.
في المحصلة، فإن الفكر القومي عند المؤسسين هو مشروع سياسي حضاري يحاكي الظروف التاريخية والفكرية لولادة القومية في القارة الأوروبية، و لذلك فإن تعريف القومية عند الحصري مثلاً - و الذي أخذ جل جهوده النظرية- لا يتعدى كونه مقارنة بين النظرية الألمانية والفرنسية في الأمة.
ہ حول تأثير الفكر التأصيلي في الثقافة العربية الحديثة تقول: إن التيار التأصيلي لم يصبح تياراً واضح المعالم إلا في الحدود الدنيا.. وفي موضع آخر تشير إلى أن خطاب التأصيل يستند إلى ثقافة عميقة متكاملة وهذا ما أعطاه زخماً قوياً جعل منه تياراً كاسحاً في الحياة الثقافية والسياسية العربية. كيف لهذا التيار غير واضح المعالم أن يكون ذا أثر كبير في الحياة الثقافية والسياسية العربية؟ وأين يكمن هذا الأثر برأيك؟
ہہ التيار التأصيلي هو تيار حديث، و قد جاء ردة فعل على ولادة التيار النهضوي الحداثي ذي السمات الانقطاعية،أما الثقافة العميقة التي يستند إليها فهي ثقافتنا العربية الإسلامية المتكاملة المتحدرة إلينا عبر أربعة عشر قرناً من الزمان، فهذا التيار و إن كنت أرى أنه لم يمتلك بعد كل مقومات الوضوح الفكري و المنهجي - و إن كانت قد بدأت تترسم و تتضح شيئاً فشيئاً- لكن حقيقة كونه يستند إلى هذه الثقافة المتكاملة العميقة الجذور يجعله مؤهلاً لأن يكون له أكبر الأثر في ثقافتنا المعاصرة.

إضافة تعليق