جدلية العلاقة في ما يتعدّى ثنائية المثقف أو السياسي الجدل والتحول

المثفف، من حيث المهنة، هو من يشتغل في القطاع الفكري. قد يكون فليسوفاً أو عالماً أو أديباً أو كاتباً أو فناناً… بهذا المعنى يشكّل المثقفون عمال الفكر وأهل المعرفة، المنتجين للمعاني والنصوص أو للصور والرموز، قد يكون النتاج نظرية أو مقولة أو قصيدة أو رواية أو لوحة أو صحيفة.

ولا أنسى الإعلامي وصاحب البرنامج التلفزيوني. نحن إزاء فاعل جديد يمثّله الرجل الميديائي، بل المرأة الميديائية، التي تدير بجدارة المناظرات السياسية والفكرية مع الوزراء والمفكرين من كل اختصاص، لكي تسلّط الضوء على المشكلات الراهنة وتسهم في تشكيل الرأي العام. ونحن نعلم أن الفلسفة نشأت في أثينا ليس في أكاديمية أفلاطون، بل مع حركة الجدال الخصبة والعارِمة التي كان أبطالها سقراط والسفسطائيون. أما الأكاديمية فكانت لاحقة.
•أما المهمة فإنها تنهض على ادعاء نخبوي جعل المثقفين يقدمون أنفسهم بوصفهم عقول الأمم النيّرة وضمائرها الحيّة، الذين يكشفون الحقائق وينشرون الوعي، أو يجسدون قيم الحرية والعدالة والمساواة… ولذا فالمثقف هو من يتدخل في الشأن العام، ويُعنى بإثارة القضايا ومناقشة المشكلات التي تهمّ العموم من الناس، سواء على مستوى وطن ودولة، كالاهتمام بمسألة الحريات الديمقراطية، أو على مستوى العالم، كالاهتمام بمشكلة البيئة. وفي هذا العصر المعولم، حيث تتداخل المصالح والمصائر، صار من الصعب الفصل بين الوطني والعالمي أو بين المحلي والكوكبي.
بهذا المعنى مثّل المثقفون المشروعية العليا التي هي فوق شرعية الحكام، ولذا فهم أصحاب سلطة هي السلطة الفكرية في مواجهة السلطة السياسية. ولهذا يُلاحَق المثقف المعارض أو المطالب بالسلطة، إلا إذا كان ينسى سلطته، كما تتمثّل في كتاباته وآرائه أو في مواقفه ومواقعه أو في ألقابه وأسمائه وسواها من رؤوس الأموال الرمزية.
عندما قيل للرئيس الفرنسي الجنرال ديجول، إبان ثورة الطلاب عام 1968، عليك باعتقال الفيلسوف جان بول سارتر، الذي كان يشارك في التظاهرات، قال: لا يمكنني أن أسجن فولتير. أما الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان (1974- 1981)، فإنه عندما سئل هل هناك سلطة فوق سلطتك تخشاها؟ فأجاب: نعم إنهم كبار المثقفين.
هل مازال الوضع كذلك اليوم؟ لا أعتقد. لأن المثقف والرئيس كلاهما متهم في فرنسا، وكلاهما يتهم الآخر، بالعجز والفشل عن حل الأزمات المتعلقة بالهوية والهجرة والجالية الإسلامية، وعن تجديد النموذج الفرنسي بعد أن استهلك وفقد فاعليته. أما عندنا فلا تصح المقارنة، لأننا لم نصنع نماذج أو نحقق انجازات يعتد بها، بل شوهنا ما ورثناه عن الماضين أو أفدناه من المحدثين.
•بالطبع فالمثقف هو صاحب هوية، إذ لا أحد يعرى من هوىً أو انتماء. واذا كان المثقف يدافع عن هويته، فلا يجدر به أن ينسى انه يدافع بالدرجة الأولى عن الحقيقة والعدالة، وإلا كان مع القاعدة القديمة الجائرة، ولكن المتجددة بشكلها الأسوأ: أنصُر أخاكَ ظالماً أو مظلوماً، وكما تشهد الحروب الطاحنة بين الفرقتين الإسلاميتين، والأحرى القول الديانتين الإسلاميتين العدوتين.

II.نماذج المثقف

علاقة المثقف بالسلطة السياسية هي علاقة مركبة ومزدوجة، بقدر ما هي ملتبسة وإشكالية من حيث وجوهها المختلفة ومستوياتها المتعددة.
هناك المثقف الموالي الذي يُسوِّغ للحاكم مشروعيته ويدافع عن سياساته. وما أكثر المثقفين في العالم العربي الذين يلتحقون بالحكام، ومن بينهم طغاة، لكي يمشوا في ركابهم ويبرّروا لهم أخطاءهم ومساوئهم.
على الطرف الآخر يقف المثقف المنشقّ، ومثاله عالم اللغة، المفكر والمناضل الاميركي نعوم تشومسكي الخارج على بلده، الناقد لنظامه ومشاريعه وسياساته.
وبين هذين الطرفين تتراوح النماذج، بين محايد ومستقل، أو مستشار ومتعاون، أو ناقد ومعارض، أو مُنظِّر ومنخرط.
المثقف المحايد وغير المنضوي، هو مَن يكتفي باستخدام علمه ومعارفه في تحليل السياسات من دون اتخاذ موقف أو إصدار حكم في ما يخص الأنظمة والسلطات.
أتوقف عند نماذج المستشار والمعارض والمنخرط.
1-المثقف المستشار هو الذي يتعاون مع صاحب السلطة. لا يحضرني مثال بارز على وجود المثقف المستشار في العالم العربي. بينما الأمثلة كثيرة في العالم الغربي: الكاتب أندريه مالرو الذي كان أول وزير للثقافة في فرنسا على عهد ديجول، أو عالم الاجتماع أنطوني غيدنز على عهد طوني بلير، أو المفكرون الاستراتيجيون مثال هنري كيسنجر وبول كندي وريتشارد هاس في الولايات المتحدة.
والمستشار لا يتخلّى عن استقلاليته الفكرية، بل يعمل بخصوصيته كمنتج للأفكار أو كمحلل يشخص الواقع ويقترح الحلول للمشكلات. ولكن لا يجدر تبسيط الأمور في ما يخصّ علاقة المثقف المستشار برجل الدولة، إذ هي ليست وحيدة الجانب، بل علاقة تبادلية، أخذاً ورداً أو تأثيراً وتأثراً. فإذا كان الأول هو من يستخدم معارفه ومناهجه وخبراته في التحليل والتشخيص، لكي يمارس دوره الفعال، فإن السياسي الفاعل ليس مجرّد منفذ لآراء مستشاريه. هذه نظرة تبسيطية يقول أصحابها بالفصل القاطع بين النظرية والممارسة، بين المثقف الذي يفكر وينظّر وبين السياسي الذي يمارس وينفذ.
في الواقع تجري الأمور على خلاف ذلك. فالأفكار الحيّة والخصبة التي يبتكرها الفلاسفة والعلماء قلّما ينجحون في ترجمتها بصورة فعّالة، نظراً لأنهم عندما يفكرون بالإصلاح والتغيير، السياسي والمجتمعي، يتصرفون ككائنات إيديولوجية طوباوية. ولذا فالفكرة تحتاج إلى ساسة مبدعين، هم أصحاب عقول عملية، لكي تترجم إلى إجراءات فعالة أو إلى حلول ناجعة في هذا المجال أو ذاك، تماماً كما أن النظرية تخضع للتعديل أو للتغيير على سبيل التطوير والإثراء على محك التجارب وعلى وقع التحديات والتحولات.
وهكذا فإن الفكرة المثمرة لا تعود كما كانت عليه، عندما تنتقل من مستوى أو حقل إلى آخر، أو من بلد إلى آخر. وإنما يعاد تصنيعها بصيغ جديدة. فهي ليست مجرد قالب يمكن استنساخه أو نموذج يمكن احتذاؤه، كما تعامل المثقفون مع أفكار الديمقراطية أو الوحدة أو الاشتراكية أو التنمية، فكانت العواقب وخيمة، فشلاً في مشاريع الإصلاح والتحديث.
ولو أخذنا الديمقراطية، مثالاً، نجد بأنها ليست هوية ثابتة، وإنما هي صيرورة مفهومها بقدر ما هي قدرتها على إجراء تحولات تتوسع معها مساحة الحرية أو تكتسب حقوقا جديدة في مجتمع من المجتمعات. من هنا نجدها تختلف من حيث أنماطها وصيَغها من عصرٍ إلى عصر ومن بلدٍ إلى آخر.
بهذا المعنى تُبنى العلاقة بين السلطتين بوصفها علاقة تداولٍ منتج وتبادل مثمر، ولذا فإن غياب المثقف المستشار الفيلسوف أو العالم أو الاستراتيجي يترك مفاعيله السلبية في ادارة الدول وبناء المجتمعات.

•الخلق والخرق

انطلاقاً من هذا الفهم للعلاقة بين الفكرة وترجماتها، نتجاوز المنطق الجدلي في قراءة العلاقة بين المثقف والسياسي، نحو المنطق التحويلي.
بحسب المنطق الجدلي، وكما استخدمه المثقفون اليساريون، يتم نفي الواقع لكي تصح النظريات، أو يتم التعامل مع الآخر كضد ينبغي ازاحته أو استئصاله. ولذا كانت النتيجة أن المادية الجدلية ترجمت بقيام الأنظمة الشمولية ومعسكرات الاعتقال.
بحسب المنطق التحويلي تتغير خريطة العلاقات على غير مستوى:
1- تتغير على مستوى أول الفكرة نفسها، إذ لا تعود مجرد أطروحة نظرية تولد نقيضها أو حقيقة مطلقة تصح بذاتها ولا تحتاج إلا إلى التطبيق. وإنما تفهم وتمارس كنمط وجود وأسلوب حياة أو شكل من أشكال التواصل والتبادل. ولذا فهي تتغير وتتجدد بقدر ما تسهم في تغيير الواقع، بما تفتحه من الإمكانات للفهم والتشخيص أو للعمل والتدبير.
2- ويتغير على مستوى ثانٍ الواقع ، إذ لا يعود حتمياته الصارمة وقوانينه الثابتة، بل بنيته المتحركة، المنسوجة من الالتباسات والتوترات والمفارقات، مما يجعله إمكاناً مفتوحاً على تعدد القراءات والخيارات، وفرصة للخرق والتدخل والتوسط، عبر أعمال الإنتاج والإبداع، للتأثير في المجريات في مجال من المجالات.
3- ويتغير على مستوى ثالث الفعل، فلا يعود مجرد قبض على الواقع، بل القدرة على خلق الوقائع وإنتاج الحقائق. وما نخلقه أو نصنعه لا يمكن التنبؤ بمساراته أو السيطرة على مآلاته، لأنه قد يتجاوزنا ويرتد علينا. من هنا الحاجة الدائمة الى مراجعة الحسابات، لا بلغة النفي والقطع، ولا بلغة النسخ والمماهاة، بل بمفردات التحويل الخلاق والترتيب البناء والتجاوز الفعال، وعلى النحو الذي يتيح خرق الشروط وتغيير قواعد اللعبة لإعادة ترتيب الأولويات.
4- ويتغير على مستوى رابع الفاعل، فلا يعود هويته الثابتة، بل قدرته على أن يتحول عن ذاته أو يرتد على أفكاره، لكي يسهم في تحويل سواه، لا بالتعلق بعقيدة مقدسة أو نظرية نهائية، ينفي بها الآخر أو يرهبه، بل بخلق فضاء أو وسط أو مساحة تتيح التحاور والتواصل أو التعايش والتبادل.
ومن هذا شأنه لا يتعامل مع هويته كماهية ثابتة أو قوقعة خانقة، بل كحيوية وجودية تنسج من تعارض الأهواء والميول والنزاعات، بقدر ما تنفتح على تعدد الوجوه والأبعاد والأطوار.
وهذا ما يفعله كل من يمارس مهنته ومهمته بمنهج تحويلي، تركيبي، تعددي. إنه يعمل على ذاته وعلى أفكاره لتأليف القوى والعناصر والوسائل، التي تتيح تحسين الأحوال وتركيب الحلول للأزمات والمشكلات.
بهذا المعنى، بالوسع القول إن المثقف والسياسي كلاهما يصنع الآخر. وبالإجمال كل من يقيم علاقة مع سواه، أكانت عداء أم حباً أم شراكةً، إنما يسهم في صنعه بقدر ما يغدو صنيعته. قد تكون أمريكا أسهمت في صنع منظمة «القاعدة». ولكن هذه قد أسهمت بدورها في صنع أمريكا إذ أجبرتها على تغيير استراتيجيتها وخططها.
حتى المثقف الملحق والتابع لا يقتصر دوره على التأثر بمن يتبعه أو يروج لسياسته من الحكام، بل هو قد يؤثر أيضاً بالحاكم، ولكن بصورة سلبية، إذ يجعله أكثر سوءا، أي أكثر جهلاً أو فساداً أو استبدادا.
أكثر من ذلك فبحسب منطق التحويل والتركيب والتعدد، يمكن للضد أن يتواطأ مع ضده. لعلنا ننتقل اليوم من صراع الأضداد إلى تواطؤ الأضداد. ولذا نجد اللاعب اليوم يستدعي ضده ويتغذى منه لكي يبرر مشروعيته في المطالبة بالسلطة أو بالبقاء فيها. وإلا كيف نفسر أن معظم اللاعبين على المسرح العربي والعالمي، إنما يصنعون النماذج التي يدعي محاربتها!

III.المعارض وتناقضاته

أصل من ذلك إلى المثقف المعارض، الناقد للأنظمة والسياسات، بنماذجه الثلاثة:
المثقف المستقل الذي لا تقف وراءه سوى قامته الفكرية أو الأدبية.
أو المثقف المنخرط في حزب سياسي أو تجمع ثقافي أو مدني.
أو المثقف المنظّر وصاحب المشروع لاستلام السلطة.
والمثقف المعارض هو ابرز نماذج المثقف. ومن المعلوم أن ولادة المثقف الحديث يؤرخ لها بالرسالة التي وجهها الكاتب إميل نزولاً عام 1898، للرئيس الفرنسي وعنوانها: إني أتهم، وكانت احتجاجاً على محاكمة الضابط اليهودي درايفوس، الذي قيل انه كان بريئاً ولكن تهمة لفقت ضده.
•والمثقف المعارض هو بالتعريف مثقف تنويري، سواء من جهة جرأته الفكرية أو من حيث ابتكاراته المعرفية. ولذا فهو يهتم من خلال تحليلاته وانتقاداته، بالكشف والتعرية أو الفضح لأشكال الاحتكار او المصادرة، أو لآليات الحجب والتلاعب أو لوجوه التمييز والإقصاء، أو لمواطن العجز والفشل والقصور…
•والمثقف التنويري هو نقيض المثقف المتعصب أوالعنصري، إذ هو يمارس هويته على نحو كوسموبوليتي عابر لحواجز الثقافة والدول. ولذا فهو لا يقف مع بلده أو دولته أو يتمترس وراء هويته، إذا كان ذلك يتعارض مع قيم الحقيقة والعدالة والحرية.
ولكن لا يجدر بنا أن نؤخذ أو نخدع بما يعلنه المثقف المعارض أو المنخرط في الدفاع عن الحقوق والحريات. فهو يشهد دوماً على تناقضاته، إذ يقف ضد أشكال الاستبداد في مكان ويسكت عليها أو يدعمها في مكان آخر.
وهذه حال كبار المثقفين الغربيين الذين كانوا يمثلون الرأي العام الوطني والعالمي، ويقودون التظاهرات والاحتجاجات ضد سياسة حكوماتهم، خاصة في بلد كفرنسا، هذا فيما كانوا يؤيدون أعتى الأنظمة الشمولية كما تجسدت في النظام السوفيياتي أو في النظام الصيني على عهد ماوتسي تونج في الصين. وهذه هي ثمرة التعلُّق الأعمى بالشعارات، مما جعل المثقف اليساري يهاجم الأنظمة الليبرالية ويدافع عن الأنظمة الشمولية التي تصادر حريته أو حرية أمثاله.

IV.الثالوث المخرب

أنتقل من تناقضات المثقف المعارض الى إخفاقات المثقف المنخرط، وبخاصة المثقف المنظّر الذي طرح نفسه بديلاً ثورياً للأنظمة التقليدية التي وصمت بالمحافظة والرجعية، وكما تجلى ذلك، عربياً، في الثالوث القومي واليساري والإسلامي.
ولكن ماذا كانت الحصيلة بعد عقود من الوعود البراقة والآمال العريضة؟ لا تعسف بالقول إنه الفشل الذريع والبرامج والدعوات، إذ كلها آلت الى السقوط في الاستحقاقات الحضارية المتعلقة بالحرية والمعرفة أو بالنهوض والتقدم أو بالعدالة والتنمية، سواء لدى المُطالب بالوحدة العربية، أو لدى المُنظّر للبرنامج الاشتراكي، أو لدى الداعية للخلافة الإسلامية.
والعلة في ذلك أن المثقفين أداروا الشعارات والقضايا، بعقل أحادي أصولي، نيروني، أو بعقلية، عنصرية، فئوية، أو بخيال فقير وفكر رجعي متخلف.

V.الطاغية والإرهابي

ولنتوقف عند شعار الحرية الذي ترجمه أصحابه بضده قهراً واستبداداً.
– إما لأنهم تعاملوا معها بعقل فردوسي فاستبدوا بها أو وقعوا ضحيتها، لأنه لا فردوس على هذه الأرض.
– أو لأنهم حسبوها فطرة أو غريزة، فيما هي شيء يصنع ويكتسب بالمراس والدربة والخبرة.
– والأهم لأنهم تعاملوا معها بوصفها نقيض السلطة، فيما الحرية هي أن يصنع الواحد سلطته، في مجاله أو محيطه أو عالمه، لكي يلعب دوره ويمارس فاعليته وحضوره، لا بأن يفعل ما يشاء، بل بالجدارة والاستحقاق. وهكذا فالمثقف شهد على جهله بالحرية والسلطة معاً، بقدر ما تعامل مع الحرّية بوصفها سلطة مطلقة تتيح له أن يفعل ما يشاء.
من هذا المنطلق النقدي لأصحاب المشاريع الإيديولوجية، كنت أسوغ لنفسي القول إن البلدان التي لم يحكمها منظّر قومي أو يساري أو اسلامي، هي صاحبة حظ، لأنها نجت من الكارثة، كما هي حال دول الخليج، أو كما كان الحالُ في الدول الديمقراطية التي ورثها العرب عن الدول الغربية، قبل أن تقضي عليها محاولات العوربة والأسلمة واليسرنة.
من هنا نحن نتجاوز اليوم ثنائية المثقف والسلطة، فكلاهما أخفق وكلاهما متهم، كما تجسدت النماذج من جانب الثالوث الإيديولوجي الذي جمع أصحابه بين السلطتين، بل كل السُلُطات، بذلك مارسوا أسوأ السُلُطات، لكي تحصد المجتمعات العربية التقهقر الوجودي والإخفاق الحضاري والفقر المعرفي والاستبداد السياسي أو الإرهاب الديني. تلك هي ثمرة عقود من سيطرة النُخَب السياسية والثقافية: إنتاج الطاغية والإرهابي، وكلاهما وجهان لعملة واحدة.

VI.الدرس والرهان

القيام بمراجعة جذرية لما نصنع به حياتنا، أعني فشلنا وتراجعنا وبربريتنا، من المفاهيم والصور أو القيم والنماذج.
إن المثقفين طرحوا افكاراً تشهد على جهلهم المركب بأنفسهم وبالافكار نفسها، كما تشهد على جهة بالواقع والعالم، الأمر الذي أدى الى انكسار صورة المثقف النخبوي، على وقع التراجعات والصدمات والانهيارات في المشاريع والشعارات.
ولذا فالمهمة هي الانخراط في المناقشات العالمية الدائرة، من اجل تطوير أو تجديد العدة الفكرية، في ما يخص كل مفردات الوجود وعناوين الحضارة، كالحقيقة والهوية والحرية والديمقراطية والتنمية…
والمثقف، وكما هي مقاربتي النقدية، منذ كتاب «أوهام النخبة»، إنما مشكلته الأولى مع أفكاره التي تعامل معها كعقائد مقدسة، أو كشعارات طوباوية، أو كمتاريس إيديولوجية، بل كتنانين لفظية هي الوجه الآخر لتنانين الأنظمة والدول.
أتوقف عند أربع قضايا:

1)اللاعب والفاعل.

لنحسن قراءة ما طرأ من تغير بنيوي وجذري على المشهد العالمي بعد ثورة المعلومات والتقنيات. نحن ندخل الآن في مجتمع المعرفة التداولي الذي هو شبكة تأثيراته المتبادلة وسيرورة تحولاته المتواصلة. والرهان أن يتصرف المثقف كفاعل اجتماعي شأنه شأن العاملين في بقية القطاعات. وكل واحد يفعل انطلاقاً من اختصاصه وحقل عمله.
ولذا فإن ثنائية المثقف والسلطة أمست تنتمي الى زمن مضى، بعد أن ظهر لاعبون جدد على المسرح. وكلهم فاعلون. ولعلهم يتجاوزوننا من حيث قدرتهم على الفعل والتأثير في المجريات.
هناك الإعلامي والميديائي، وهناك الناشط والمدون، فضلاً عن صاحب الشركة العملاقة التي تنتج المعلومة وتخزنها أو تنشرها، كشركة آبل أو مايكروسوفت.
ولنسأل من يفعل ويؤثر اليوم؟
بل جيتس ونظراؤه أو تشومسكي وأمثال أو أتباعه؟ فهؤلاء يتحدثون حديث اليقين عن الواقع، فإذا بالوقائع تفاجئهم لتكشف عن أوهامهم وهامشيتهم. أما الأول فانهم يخلقون الجديد والراهن، المثير والعجيب، من آفاق الوجود وأصعدته وأنماطه.

سذاجة التنوير

تجاوز النظرة التبسيطية الساذجة والمتفائلة للعقل التنويري، كما جسدها المثقفون الذين قدّموا أنفسهم بوصفهم ذوي العقل وممثلي العقلانية، ثم ألّهوا العقل وأحلوه محل الكتب المقدسة، وكانت الحصيلة قصور العقل وارتداده على نفسه، انفجارات اللامعقول في غير جانب من جوانب الحياة والاجتماع.
لنحسن التشخيص. إن العقل التنويري ليس سلاحاً لا يخرم، ولا هو مكسب نهائي، وإنما هو مجرد فاعلية لها حدودها. وما ينتجه من الصيغ العقلانية والانساق المعرفية، قد تكون شغالة في طور ثم تستنفد نفسها في طور آخر، أو تتكشف عن قوالبها الجامدة وممارساتها المعتمة وآلياتها اللامعقولة. وقديماً قال ابن عربي: إن الوهم سلطان على العقل.
من هنا، فالتنوير هو مهمة دائمة، والا تحول العاقل أو مدعي العقلانية إلى ديناصور فكري يجترّ مقولاته الخاوية أو الصدئة.

2) ارهاب الحقيقة

انتقل إلى مسألة الحقيقة التي هي بيت الداء. فالمثقفون تصوروا الحقيقة على نحو ماورائي، أصولي، بوصفها مبدأ سابقاً أو جوهراً ثابتاً أو أساساً راسخاً أو منهجاً مطابقاً. ولذا فقد أقاموا معها علاقة كشف وامتلاك أو احتكار…
ومن يدعي امتلاك الحقيقة، سواء اختصّ الأمر بهوية دينية أو وطنية أو مجتمعية… إنما يمارس الإرهاب، أقله على المستوى الفكري، بإقصاء الآخر أو احتقاره، وذلك بإخراجه من فلك المعرفة ورميه في دائرة الجهالة أو الكفر أو الزندقة أو العمالة…
أعرف مثقفين كباراً، قد لا يؤذي الواحد منهم نملة، ولكنه عندما يفكر لا يحسن سوى الغاء كل من لا يفكر على شاكلته. مثل هذا المفهوم الأصولي، والثبوتي، والأيقوني للحقيقة، يولد العجز، بقدر ما هو أداة إقصاء واستبداد أو إرهاب.
فالأجدى أن نكسر منطق التملّك والتحكم أو القبض والتيقّن، فلا أحد يملك الحقيقة أو يحتكر الطريق اليها، بحيث تعامل الحقيقة بمفردات الفتح والخلق أو الصناعة والتحويل أو التأليف والبناء، وبحيث تدار بلغة السياسة والاستراتيجية واللعبة. اجل انها لعبة، ولكن ليس بمعنى الغصب والتشبيح أو الشعوذة، بل بمعنى الجدارة والاستحقاق أو الفاعلية والحضور. ولذا فالحقيقة ليست ما نمتلكه لكي نقصي أو نرهب بعضنا البعض. انها ما نقدر على خلقه وانتاجه أو ما نحسن انجازه وأداءه، على سبيل التداول والشراكة والتبادل مع الغير.

3)فضيحة الإنسانية

أنهي بما هو مكمن العلّة، أعني إنسانيتنا التي هي فضيحتنا، إذ هي مصدر ما نشكو منه. ولنحسن القراءة. لقد أمضى المثقفون، من عرب وغربيين، الشطر الأكبر من حياتهم الفكرية والسياسية، يدافعون عن حقوق الإنسان ومصالح الشعوب في ما يخصّ مطالب الحرية والعدالة والعمل والحياة اللائقة.
ولكن ماذا كانت النتيجة: كل هذه الأشكال الحديثة من العبودية. كل هذه البربرية التي لا سابق لها، ولكن على مرأى ومسمع من العالم الساكت والعاجز أو المتورّط والمتواطئ.
والوقائع صارخة وفاضحة:
– الهياكل العظمية للأطفال والأشخاص الذين أنهكهم الجوع بسبب الحصار الذي تفرضه عليهم حكومتهم، بعد عقود من رفع شعار الوحدة والحرية والاشتراكية…
– الضحايا الذين يتحولون إلى جلادين لكي ينتقموا من الناس أجمعين، أو ادعياء المظلومية الذين يملؤون الأرض ظلماً وعدواناً.
– القطعان البشرية التي تهلل وتصفق لطاغيتها الذي فجر قنبلة هيدروجينية قوتها هي اضعاف القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما، فقط من اجل أن يحافظ على سلطته ويكيد لاعدائه.
– القطعان نفسها التي نراها، عندنا، هائجة في الساحات والميادين، ترفع الأصوات والأيدي عالياً، بالتهديد والوعيد لشركائها في الوطن واللغة والعقيدة، فقط من أجل تحقيق نزوات جلاديها وتهويماتهم النرجسية حول ذواتهم وحول الآخر والعالم.
ولذا عندما سألني صديقي عما اذا كنت كلبناني متفائلاً، في ما يخصّ المستقبل والمصير، قلت: له أنا لست متفائلاً بنفسي كإنسان، فكيف أتفاءل بهويتي كلبناني أو عربي أو مسلم؟!
لذا فالمهمة، الآن، هي اعادة النظر الجذرية بالصور والنماذج والمقولات التي صنعنا بها انسانيتنا كمفردات القداسة والعظمة والعصمة والبطولة والنخبة والخلافة الالهية… والتي صنعتنا من حيث لا نحتسب ولا نعقل، لكي نحصد البربرية والعدمية والكارثة.
وكل ذلك مدعاة لممارسة التقى الفكري والتواضع الوجودي، بحيث لا نثق ثقة مفرطة بالانسان وبما يدعيه لنفسه من حب الحقيقة والحرية والعدالة والمساواة…
لعلّ الأصل هو الهوى والطمع أو الكره والحقد… أما التعقل والتروّي أو التواصل والتعارف، وسواها من القيم الجامعة، فهي قشرة حضارية هشة، ما أسهل اختراقها وتمزيقها… ولذا فهي تحتاج إلى عمل على الذات شاق ومتواصل، من المراس والدربة، كما تحتاج إلى أن لا يتخلى الواحد عن عينه النقدية تجاه كل ما يقوله أصحاب المشاريع الطوباوية والدعوات المستحيلة أو الإستراتيجية القاتلة.
لسنا آلهة ولا أنصاف آلهة أو ناطقين باسم الآلهة، كما لسنا ملائكة ولا أبالسة، وسواها من العملات الفكرية التي لا تنتج سوى هذا التوحش الذي يفاجئنا، لكي يفضح مزاعمنا و هشاشتنا وعجزنا. نحن بشر نعيش على سطح هذا الكوكب، والرهان أن نخلق ونبتكر ما يتيح العيش سوياً بأقل الأضرار والتكاليف، كما يتيح المحافظة على الأرض التي نكاد نخربها بجشعنا وتكالبنا وحروبنا

تعليقات

By Kawsar dababo (not verified) on
يبدو انها قصه رائعه .. لقد قرأت مقطع الغلاف وادمعت عيناي .. فالشوق للوطن لا يماثله اي شيء .. وهو الهويه لكل فرد رتع في احضانه .. صعب ان نعيش بلا هويه ..

إضافة تعليق

3 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.