جمال اللغة وهموم العراق

حين تفقد أمة حواسها، ومنها حاسة البصر، هنا بمعني البصيرة، فعلي اللغة أن تكون بديلا عن ذلك، حتي لو كانت الرداءة هي التعبير الحقيقي عن حال السوء والهوان

غير أن الأمر لا يمكن أن يتم باليسر السائد كما هي الحال في الخطاب اليومي الشفهي، لأن اللغة من خلال كلماتها وهي تنقلنا إلي عالم الرّمز تغدو تسجيلا للتاريخ وتثبيتا له، خصوصا إذا ما اهتدت للتعبير عن مكنونات النفس بصيغ جمالية، وقد يكون هذا ما قدمه عبر غوص مبدع وهادف وواع وجذاب الكاتب الصحفي العماني "عبد الحميد الطائي" في كتابه حواس حروف، وتحديدا في الجزء الأول الذي حمل عنوان "لاتح" في زمن الرفض الممنهج للغة العربية، وتولي أهلها يوم الزحف علي جميع الجبهات.
هذا النوع من الكتابة ينصف إبداعات سابقة ظهرت في عصور الانحطاط وجعلتنا في حيرة وشك لجهة رفضها تاريخا والإعجاب بها باعتبارها نصوصا معبرة وشاهدة علي الإبداع والجمال لا يمكن أن تكون وليدة تلك العصور.. باختصار إنها كتابة تمثل فلتة ليس فقط لجعل الحروف والكلمات ومن ثم الجمل كائنات حية تتعدي الحواس إلي الروح، وإنما أيضا، وهذا الأهم في نظري، أن محرقة العمل اليومي في المجال الصحفي لم تلهب عقل الطائي وإنما نورته بكلمات هي في حقيقتها دالة علي تفاعل مع القضايا العامة بما في ذلك قضايا أمة بأكملها، مع أن الكاتب ذكر في مقدمة مؤلفه حواس حروف.. محاولة لإحياء أنوار الكلام فينا، في سلسلة تشمل أكثر من حرف و تبدأ بحرف (اللام) في (لاتح) وحتي لا يظل القارئ مثلي باحثا عن معاني كلمة

 

"لاتح" فإن عليه أن يقبل باختيار الكاتب لمعني محدد للكلمة هو "داهية"، متخل عن معانيها الأخري، وهذا من حقه وعلينا أن نقدر فيه هذا الوعي.. الذي جاء في فقرة أخري من مقدمة كتابه عبر سؤال يمثل إشكالية ثقافية وحضارية".. وكيف نكون و داهية العقل معطل عن العودة إلي معنانا؟
ولذلك أسباب، يذكر الطائي أهمها في محاولة منه علي تأكيد حقيقة الدور المناط للعقل، الذي لا يتفاعل مع الأزمنة والتطور ولا يتجاوب مع إنجازات الآخرين ولو كان ذلك من قبيل المنافسة.. لنتأمل فكرته التالية:
"
العقل تمت استباحته بقناعة أنّ أمسنا سبب أوجاعنا، وانّ يومنا لا ثمار له. وكأننا(لا) بذر لنا في الأصول.
أصولنا وصايا حق خالدة، حاول العقل البشري تجاوزها صراحة ليكون له تشريعه الدنيوي الخاص مؤسسا مزاج الطين في الجزء الثاني من حواس الحروف.. ولكن هل تكيف هذا العقل مع تشريعه القابل للتعديل؟ وهل تفاني في إخلاصه، وتناسب مع وقته ليدرك فحوي خلقه ووجوده ومعناه".
وبما أنه لا يمكن الفصل بين ما هو عام وخاص لدي الكاتب، فقد آوي إلي لغة طوّعها حينا وطوّعته أحيانا ليتم اختصار التاريخ والاقتصاد والسياسة وحركة المجتمع والأنفس وحتي الحروب في حواس حروف تري من خلالها مشاهد حياتنا المعاصرة كلها، بجمال وروعة لا مثيل لهما مع أن المشاهد في أغلبها حزينة، موجعة وغارقة في وحل الهزائم.. إذن ما أروع النص هنا حين يجعل المتلقي سابحا في بصيرة الحروف والكلمات فيري مالا تراه أعين وعقول أهل الأمر منّا.
الشاهد علي أهمية التسجيل من خلال "حواس حروف" هو الذكر المقصود لأحادث العراق الراهنة، وقد يكون هذا هو السبب المباشر الذي جعلني أطالع هذا الكتاب مرات عدة وأقرأ الجزء الخاص بالعراق عشرات المرات، وأنا أذكر بقناعتي هنا ــ الفرق بين العرب هو العراق، فمن ينسي لحظة ما يحدث فيه فهم ليس منهم في شيء، ولهذا سعدت كثيرا حين وجدت عبد الحميد الطائي يستحضر العراق، حتي جعلني أري بغداد مجسّدة في مسقط، فبرأ بذلك العرب الخليجيين خاصة من انشغالهم بأموالهم وأهليهم، وإخوانهم في العراق يدفعون ثمن البقاء دما وعرضا وأرضا.
للتأكيد علي الفكرة السابقة نورد هنا فقرتين من نص حمل عنوان "ولا.. كيف" وجاء

 

الحديث فيه عن العراق ضمن خمس عشرة فقرة، الأولي خاصة بالمقاومة، وقدمها ضمن وصف معبر تجاوز ما تبعناه من بلاغات عسكرية أو مد للقائمين بها أو ذم يقول الطائي تحت عنوان "المقاومة مستمرة":
"
اعوجاج طحلب في قاع
المحيط لا يعني بالضرورة
(
سونامي) جديدا، يلطم نواة
التدوين، بوصاية مد دائم، علي
شواطئ اعتادت الجزر، ويجهل
قاطنوها، معني الشروق، من
الغروب
ويصف العراق في حربه الراهنة، فنراه بصورة أخري، حيث يقول تحت عنوان " العراق الآن":
بلورة..
كسرها يعني الإقرار بذنب
دون وصاية من طارق طبل
غريب عن سنام ناقتنا
أرضعته بقرة حلوب
يرتدي قبعة مستديرة ويشمئز
من الغترة والعقال
يستلذ خطاه
علي شظايانا
العراق قضية كبري من قضايا أمتنا، وفيه يتحقق وجودنا كل يوم، ولأن الحرب فيه مشتعلة، آتية في عصرنا من تراث قديم، فهي مؤثرة، وظاهرة في نص شاهد علي مواقفنا، كما هي كل المواقف التي خاضت فيه أمتنا علي طول تاريخها حروبا طويلة الأمد، اختلفت أساليب التعبير عنها، وبقيت ذكريات الفاعلين، ونصوص من تحركوا صوب الأفق، محملين بعبء الكتابة وهموم القضايا وجمال اللغة... وأعتقد.. أن الطائي واحد منهم.


خالد عمر بن ققه

جريدة الزمان

6/10/2009

إضافة تعليق

7 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.