حب الوطن . . قيمة إسلامية شاملة

غرس الإسلام في نفوس أتباعه حب أوطانهم، وجعل الدفاع عن الأوطان ضد أي عدوان خارجي من الواجبات الدينية والوطنية التي لا يجوز التفريط فيها أو التخلي عنها، وذم كل من يتخلى عن هذا الواجب واعتبره خائناً لدينه ووطنه وأمته .

والانتماء للوطن الذي يغرسه الإسلام في نفوس أتباعه ليس عصبية مقيتة، ولا عنصرية مدمرة، بل هو طاقة جبارة ينبغي مضاعفتها داخل كل إنسان، فهي الدافع الأول لحماية الوطن والدفاع عنه والتضحية بكل غال ونفيس من أجله، وهي التي تدفع الإنسان إلى أن يعمل بإخلاص وأن يواجه بكل شجاعة كل من يحاولون الإضرار بالوطن .

قول د . عبدالله النجار، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر: الانتماء للوطن قيمة إسلامية، فقد حث الإسلام أتباعه على حب أوطانهم والاعتزاز بها والدفاع عنها والوقوف في وجه كل المعتدين، ولذلك كان من يموت دفاعاً عن وطنه شهيداً: “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون”.

لقد بلغ اهتمام الإسلام بحب الوطن أن جعله فوق النفس والمال والأهل، فقد أمر الإسلام الإنسان بأن يحفظ نفسه ونفس غيره، وجعل التعدي على النفس بالأذى جريمة من أكبر الكبائر، فالنفس في الإسلام مصونة، والدماء محرمة . . ومع ذلك فإن حفظ النفس رغم قداستها وظهور أمر حرمتها إذا تعارض مع حب الوطن والدفاع عنه، فإن على الإنسان أن يبذل نفسه رخيصة في سبيل الله والدفاع عن وطنه، وهذا المعنى واضح في قول الحق سبحانه وتعالى: “إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون . وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم”.

 فرض عين

  ويضيف: من هنا كان واجب الدفاع عن الوطن هو أول ضريبة الحب له، إذا استدعى الأمر ذلك على النحو الذي يصبح به فرض عين على كل مسلم، وفي هذه الحالة تهون كل الحقوق الخاصة مهما بلغت درجة قداستها، بل حتى ولو كانت تمس علاقة الرجل بزوجته .

 ويؤكد الدكتور النجار أن الإسلام ارتقى بعلاقة الإنسان بوطنه، فلا حق لأحد يفوق حقه، ولا حب لشيء فوق حبه . . ولم لا، والإسلام يأمر الإنسان بأن يجود بدمه، ويبذل نفسه طائعاً محتسباً في سبيله؟

 ويوضح الدكتور النجار أن حب الوطن في الإسلام ليس مجرد شعور إنساني يقتصر على ميل القلب من دون أن يتجسد في السلوك البشري المنضبط، الذي يحاسب الإنسان بموجب الخطاب المنظم له فيثاب على الوفاء له، ويعاقب على التقصير في واجبه . . بل إن حب الوطن في الإسلام إذا أردنا أن نقيسه بمعايير العطاء البشري نجد أنه يتفوق على حب النفس والمال ويتجاوز حب الأهل والولد . . فكل تلك الأمور رغم خطرها في حياة الناس تأتي بعد حب الوطن في المرتبة، فإذا تعارض الحفاظ عليها مع الدفاع عنه فإنها في سبيل تلك الغاية المقدسة تهون، ومن أجل حب الوطن ترخص .

 مفهوم الانتماء

 يقول د .محمود حمدي زقزوق أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر ووزير الأوقاف المصري الأسبق: من بين القيم العديدة التي نتمنى أن تجد لها مكانا بارزا في حياتنا الخاصة والعامة قيمة الانتماء . والانتماء يعني الانتساب المقرون بالولاء والتقدير إلى مكان معين أو إلى جهة ما أو إلى شخص من الأشخاص أو إلى مؤسسة لها دور مهم في حياتنا . فهناك  مثلاً  الانتماء للوطن، والانتماء للمؤسسة التي يعمل فيها المرء، والانتماء لمهنة من المهن، والانتماء للأسرة، والانتماء لعقيدة من العقائد أو فكرة من الأفكار . ومن أجل ذلك نجد  مثلاً  أصحاب كل حرفة يشكلون فيما بينهم نقابة أو رابطة تربط بينهم ينتمون إليها ويحرصون عليها ويشعرون بالولاء لها .

 ومن الواضح أن الانتماء ينبني على أساس أن الجهة التي أنتمي إليها قد أسدت لي صنيعاً، وأني مدين لها بالفضل والامتنان، وأرى من واجبي أن أحفظ لها هذا الجميل وأرد لها هذا الدين . وكمثال على ذلك ما نشعر به من انتماء وولاء للوطن . فالوطن له في القلوب منزلة عظيمة ومكانة فريدة . فهو المكان الذي ولدنا فيه وعشنا على أرضه ونعمنا بخيره وتنفسنا هواءه، وهو الذي يحمل أغلى ذكرياتنا في طفولتنا وشبابنا وكهولتنا وحتى آخر لحظة في حياتنا، لا نرضى به بديلا مهما كانت الأحوال ومهما تعرض لمحن وأزمات . وهذا ما دعا أمير الشعراء أحمد شوقي إلى القول:

 بلادي وإن جارت عليّ عزيزة . . وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام

 ومن منطلق هذا الشعور الغامر بالحب والإعزاز الذي يشعر به كل مواطن نحو وطنه كان قول الرسول  عليه الصلاة والسلام  عندما هاجر من مكة إلى المدينة مخاطباً وطنه العزيز مكة: “والله إنك أحب أرض الله إلى نفسي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت”. وذلك على الرغم مما تعرض له في وطنه مكة من ألوان الإيذاء والغدر والعدوان على يد مواطنيه المكيين الذين عفا عنهم جميعا عندما عاد مرة أخرى إلى وطنه فاتحاً منتصرا .

 ترجمة الحب

 لكن، ماذا يعني حب الوطن وتعميق قيمة الانتماء إليه؟

 يجيب د . زقزوق: حب الوطن يعني الدفاع عنه والتضحية من أجله والعمل على استتباب الأمن فيه وبذل كل الجهد من أجل الارتقاء به اقتصادياً وعلمياً وحضارياً، ومن دون قيمة الانتماء لن يتحقق شيء من ذلك على الإطلاق .

 لذلك لابد أن تعمل كل وسائل الثقافة والتوجيه داخل المجتمع على تقوية الشعور بالانتماء، فالشعور بالانتماء للوطن والولاء له هو الذي يجعل المواطنين يهبون للدفاع عن الوطن ضد أي خطر يتهدده، ويبذلون الدماء والأرواح فداء له ودفاعا عن عزته وكرامته .

 إن قيمة الانتماء للوطن  إذاً  ليست مجرد كلمة تقال أو أغنية حماسية نرددها في المناسبات، وإنما هي في حاجة مستمرة إلى ترجمة حقيقية لعمل ملموس يرفع من شأن الوطن ويعلي من مكانته في السلم وفي الحرب على السواء . ومن هنا فإننا عندما نتحدث عن قيمة الانتماء للوطن فإن ذلك يتطلب منا أن نبرهن دائما على هذا الانتماء بأدلة حقيقية . فإذا كان انتمائي للوطن يتطلب مني أن أحافظ عليه وأحميه من كل عدوان أو اعتداء على أرضه وسمائه، فإنني مطالب بالقدر نفسه بأن أحمي أرض هذا الوطن وسماءه من التلوث بأي شكل من الأشكال، حتى ينعم المواطنون فيه ببيئة نظيفة .

 وهذا يتطلب منا  كما يقول د . زقزوق  أن نربي أبناءنا وبناتنا على الحرص على نظافة شوارعنا في مدننا وقرانا، ونعودهم على النظام والانضباط في البيت وفي العمل وفي المدرسة . . إلخ، ونغرس في نفوسهم حب العلم والاستزادة منه والنبوغ فيه، وننمي فيهم حب العمل من أجل خير الوطن والمواطنين، وتقديم المساعدة للمحتاجين، وحماية ممتلكات هذا الوطن وثرواته من أي عبث أو إفساد، والضرب بشدة على يد كل من تسول له نفسه أن يعبث بأوطاننا، كما ينبغي أن نحرص على سمعة الوطن وكرامته وأمنه واستقراره، وعلى حماية المال العام ونظافة وسلامة كل المرافق العامة في الدولة بوصفها ممتلكات للمواطنين جميعا، وذلك كله ما هو إلا تعبير عن الانتماء الحقيقي للوطن، وترجمة صادقة للولاء والحب الذي تكنه القلوب للوطن .

 ومن ذلك يتضح أن قيمة الانتماء للوطن قيمة شاملة لكل ما يتعلق بهذا الوطن من قريب أو بعيد .

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.