حرب طواحين الهواء الثقافية

يرصد تزفيتان تودروف في كتابه “الأدب في خطر” حالة الانحدار التي يعانيها الأدب الغربي: تدريساً وتنظيراً وإبداعاً، لقد حاول أن يساعد أولاده في دراساتهم الأدبية في المرحلة الثانوية، وصدم نتيجة لمحتوى المناهج الأدبية وطرائق تدريسها . الكتاب موجه إلى القارىء العادي، ويستخدم فيه الحجج البسيطة والمباشرة المؤيدة لوجهة نظره التي يؤكد فيها ضرورة الاهتمام بالأدب، ما يقوله مثلاً بخصوص أن دراسة الأدب بالنسبة للطبيب أهم من الرياضيات يبدو ضرباً من الأوهام في أماكن أخرى قد تعارض هذا الرأي من قبل من يوصفون بالأدباء أنفسهم، الأدب هنا ينمي ملكة الخيال وهي الملكة الأكثر علمية من ملكاتنا الأخرى كافة، الأدب إبداع جمالي، ولا شيء حقيقياً سوى الجمال، الأدب ثالثاً نزعة أخلاقية يكسب قارئه حساً مختلفاً بقضايا الآخرين والعالم من حوله .
أما موريس بيرمان في “انحطاط الحضارة الأمريكية” فيورد معلومات بالغة الأهمية عن الوضع الثقافي في أمريكا، 40% من الأمريكيين لا يستطيعون تحديد مكان اليابان على خريطة العالم، 15% لا يعرفون مكان الولايات المتحدة نفسها، 58% لا يفهمون افتتاحية الصحف الكبرى60،% لا يعرفون كيف تأسست بلادهم، 21% يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض، 60% لم يقرأو كتاباً طوال حياتهم، اطلع بيرمان على مادة خام لطالبة جامعية فوجد فيها 7 أخطاء نحوية، النظام التعليمي منهار، الإعلام حوّل الناس إلى “مهابيل”، أما الأدب الرفيع فقد اختفى، لم يعد أحد يقرأ هنري جيمس أو ويتمان في مقابل اكتساح روايات دانييل ستيل، وبالمناسبة تحتل ترجماتها مواقع مميزة في منافذ بيع الكتب العربية، يحذر بيرمان من عصور ظلام مقبلة .
في كتاب “مواطن الحداثة” للمفكر شاكرابرتي، نجد الثقافة الهندية تعاني إشكالاً حاداً في الهوية بين الموروث والوافد، وفي الكتاب صور أدبية تتجاوز في حدتها الكثير من المشاهد التي طالعناها في كتابات آباء النهضة العربية وتنظيرات الأجيال اللاحقة من المثقفين العرب سواء في ما يتعلق بالفقر أو الجهل أو معوقات التقدم تحدث الآن وهناك في الهند .
ثلاثة مشاهد تنتمي جغرافياً إلى فرنسا وأمريكا والهند، وحضارياً إلى الغرب والآخرين، تتوزع على الأدب والفكر والثقافة في التحامها بالبشر، أو على الثقافة في طبعاتها الثلاث النخبوية والوسطى والجماهيرية، مشاهد ترضي كسلنا الثقافي الواصل إلى العظم، وتنتمي إلى النفاق الثقافي إذا أوردناها من دون أيه إشارة إلى ما يقابلها في ثقافتنا .
أسئلة الأدب العربي لا تنتهي، وإشكالياته لا تبدأ بمن يحدثك عن زمن الرواية ولا تقف عند قصيدة الموبايل، نحن وبرغم من يطل علينا كل يوم لينبهنا إلى تدهور الحالة التعليمية في بلادنا لم نجد حتى الآن من درس المناهج الأدبية في مقرراتنا التعليمية، هناك من نبه إلى وضع اللغة العربية، ولكن الأدب شيء آخر، وطالما أن اللغة الحاوية لهذا الأدب ليست على ما يرام، ومع الأخذ في الاعتبار ضرورة أن يكون نظامنا التعليمي في مواجهة تحديات تجعله في لهاث دائم للبحث عن السبل المثلى للنهوض بالعلوم التطبيقية والنظرية لوضعنا في مناخ العصر، فمن الضروري أيضاً ألا نفتح ملف الأدب والتعليم، حيث إنه في ظل هذه المهمة الجسيمة يأتي الأدب في مرحلة لاحقة، إنها صورة ساخرة ومريرة، تدفعك للسؤال: ماذا يفعل القائمون على التعليم في البلدان العربية؟ فنحن لم نضف ابتكاراً علمياً، ولم ندرس الأدب كمنهج مستقل، ولم نطور اللغة العربية، وبإمكاننا أن نغزل على موريس بيرمان لنسأل كم عدد الأخطاء النحوية والأسلوبية التي سنجدها في مقال يكتبه أحد المتعلمين؟
إننا نمارس أشد درجات النفاق المعرفي عندما نكرر دائماً أن الشعر ديوان العرب، وخريج أيه جامعة لا يستطيع قراءة قصيدة للمتنبي، ولا يعرف أن هناك ما يسمى بقصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، هنا يكون كل حديث عن الموسيقا أو الفن التشكيلي أو الأوبرا أو الباليه، إلخ موجه إلى مجتمع النصف في المئة المثقف، ونمارس الخديعة عندما نردد أننا نعيش زمن الرواية، اذهب إلى أي منفذ لبيع الكتب ستجد الروايات المترجمة من شتى أقطار العالم أضعاف المؤلفة بالعربية، اسال أي مدمن لقراءة الروايات سيذكر لك عشرات الروايات الاجنبية الحديثة والجيدة، وستجده يتعثر في الروايات العربية الجديدة التي ينبغي أن تقرأ، المتابع للشأن الروائي يعرف أن هناك أطلس للرواية الاوروبية، ويعلم أن هناك روايات رائعة توزع بالملايين وتترجم إلى عشرات اللغات .
لا يمكن مناقشة الحالة الادبية معزولة عن التعليم، فهذا الأخير هو المسؤول عن الذائقة اللغوية وتنمية الخيال والحس الجمالي والأخلاقي، وهي مكونات المسألة الأدبية شكلاً ومضموناً والمشكلة لقاعدة عريضة من مجتمع يقدر الأدب ويحترمه، والمؤهلة في الوقت نفسه للدراسة الأدبية أو الكتابة الإبداعية في ما بعد، أما القدرات النقدية فلا يمكن لها الأزدهار في ظل الحفظ والتلقين .
للثقافة الجماهيرية وسائط وآليات عدة، يأتي الإعلام على رأسها، والسؤال هنا: هل من برنامج تنويري واحد في أيه فضائية عربية؟ إن تقارير التنمية الثقافية يجب ألا تكون على رأس أولويات مؤسساتنا الفكرية، فهذه وظيفتها أولاً وضع خطط ورؤى استراتيجية طويلة المدى للأزمنة المقبلة، وأن رصد الحالة المعرفية والمعلوماتية للبشر مهمة أساسية لمراكز أبحاث إعلامية، فهي المنوط بها إخبارنا بأعداد من يقرؤون الصحف ويطالعون إفتتاحياتها والأمرّ من ذلك هذه القنوات التي تروج للتعصب، وتلك التي تنشر الخرافة، ومجموعة ثالثة للعنف ورابعة للتسطيح والتفاهة، وبعض الفضائيات حاولت أن تتدارك المسألة وبأسلوب موسمي فجاءت حملاتها التثقيفية مضحكة بالنسبة لأي مشاهد من أيه بقعة في العالم، فهل يعقل أن المشاهد في عام 2011 لا يعرف ماذا تعني الديمقراطية أو مجلس الشعب أو طرائق الانتخاب؟ كما تفعل بعض الفضائيات المصرية بمناسبة الانتخابات النيابية وأحياناً من خلال رسوم كارتونية، إنه إرث عقود من تغييب الوعي .
أما السينما، فسنجد أن الأفلام المصرية على سبيل المثال قدمت في السنوات الأخيرة المتخلف أو المعتوه كتعبير عن الشخصية الوطنية، فهل سيتغير الحال بعد الثورة؟ وإذا جلست في أي مقهى أو تجمع عام ستلاحظ انتشار ال لفِ ة وهو جهاز اخترع في الأصل للقراءة ولكنه في الحالة العربية مخصص لمشاهدة الصور، وماذا عن الأغنية والقيم التي تروج لها؟ . . إلخ .
الثقافة عملية دائرية، فالتراجع في الثقافة الوسطى الناتج عن التعليم المتدهور له أيضاً ما يقابله على المستوى الجماهيري، فعندما تدخل أي متجر أو مطعم متعدد الثقافات ستجد “البيتزا” و”الكاتشب” و . . و . . إلخ، وسيندر أن تجد شيئاً عربياً له صبغة معولمة، هنا ستقع في إشكالية معقدة هل يعود السبب في هذه الحالة إلى فقر إبداعي، أم إلى مدخلات سيئة جاءت مخرجاتها على هذا النحو، أم ضعف في الترويج أم إلى ثقافة مفتونة بنخبويتها متأملة لأفكارها/ أساطيرها الكبرى معزولة عن قاعدتها؟
الكتابة التنظيرية أو الفكرية العربية ظلت لعقود ومن خلال نخبة من أبرز الباحثين العرب تبحث عن الهوية، مراوحة بين الأنا والآخر، الموروث والوافد، شاخصة إلى الماضي، استمدت منه رؤيتها وحججها وخاضت على أرضيته معاركها كافة، هي حالة للخلف در، كلما كان أحدهم يريد تمرير فكرة عصرية كان يشمر عن أدواته البحثية ومناهجه العلمية ذاهباً إلى التراث ليكسب فكرته شرعية ما، وفي رحلته كان يصطدم برؤى مغايرة ترفض العصر وتحرس أبواب التقليد وتغلقها في وجهه ولا تلبث أن تقوم حرب إقصائية بين الطرفين، حرب لا علاقة لها بالآن وهنا .
هذه الحرب صورت مجتمعاتنا منشطرة بعنف بين الموروث والوافد، مجتمعات بلا بشر لهم بالتأكيد أحلامهم ومشاكلهم المغايرة للطرفين معاً، وإذا كان الطرفان يتصارعان على التاريخ، فلماذا لا توجد نظرية أو مدرسة عربية في التاريخ؟ وهل استطاع الحداثي إضافة أي منهج اجتماعي جديد؟ وماذا عن مسؤوليته عن الترجمة ونقل معارف الآخر؟ وعلى الطرف المقابل نحن نعتقد أنه لا توجد أمة مازالت كنوز تراثها محبوسة في ما يطلق عليه الكتب الصفراء، كما هو حالنا، وهي مهمة كانت منوطة بالتيار التقليدي، لقد كانت ومازالت هذه الحرب الثقافية عبارة عن مجموعة من معارك طواحين الهواء التي لم تنتج في النهاية علماً ينتفع به، وعادت مؤخراً للوقوع في فتنتها بإقصاء الآخر، ونحن نسأل ما هي الإضافة المعرفية أو المكسب الثقافي من وراء وجهات نظر تحاكم أدب “الراحل” نجيب محفوظ إيديولوجياً؟ هنا لا إضافة أو مكسب، ولكنها مخرجات نتجت عن مدخلات لم تكن أبداً صحية، وهي مدخلات نجدها في حقول الثقافة كافة وإن كانت زاعقة في الحالة المحفوظية، فكما لا يعرف البعض أن للأدب فنياته الخاصة، يطالب آخرون التشكيلي بشرح حرفي لمنتجه وشاعر “قصيدة” النثر بالتخلي عن هذا المفهوم والروائي بالتعبير عن واقعه والسينمائي بتصوير بيئته . . إلخ .
تبقى للثقافة في الحالة العربية نقاط ضعف تمايزها عن النماذج التي أشرنا إليها في البداية وأهميتها القصوى أيضاً، فالثقافة في الحالة الغربية أو الهندية تمتلك الرؤى والاستراتيجيات المتكاملة، ولا يوجد ذلك الفصل الحاد هناك بين ثقافة للنخبة وأخرى للجمهور، وفي معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الأخيرة كان يكفي أن تقارن بين الإقبال العربي والهندي على المحاضرات والندوات لتعرف أيه أزمة تعيشها ثقافتنا . أما أهمية الثقافة فتعود إلى أننا فشلنا، أو أفشلنا لا فارق في المحصلة النهائية، في إنتاج العلم وفي تحقيق أي شكل من الوحدة القومية ولم يبق لنا سوى الثقافة .
يقول نجيب محفوظ على لسان الشيخ عبد ربه التائه في “أصداء السيرة الذاتية”: “إذا خرجنا من هذه الأزمة سالمين فهي الرحمة، وإذا خرجنا هالكين فهو العدل” .
المصدر:دار الخليج

إضافة تعليق