حسين الأزعط: لا جدوى من حوسبة فن بصري كالخط

دخلت التكنولوجيا في تفاصيل حياتنا اليومية لتسهلها وتسرّع من الأداء وتعظم الإنتاج، ومن هذه المجالات الحواسيب التي سهلت علينا الكتابة الموحدة، سهلة القراءة، بخطوط متعارف عليها ومشتركة، ورغم هذه الميزة إلا أنها أفقدت الكلمات المطبوعة روح كاتبها، ولمساته الخاصة التي تميزه بخط يده.
هذه الروح المسلوبة من خط اليد في الكتابة اليومية تتعاظم خسارتها في اللوحات الفنية القائمة على الخط العربي بأنواعه، فلا يمكن للخطوط المبرمجة أن تجاري خط اليد وجمالياته التي تميز كل خطاط أو فنان تشكيلي.
حول قضية التكنولوجيا وتصميم الخطوط على الحواسيب وعلاقتها بخط اليد، هل تخدم جماليات الخط العربي أم تشوهه وتحد من فنياته وخيال الخطاط، التقت مجلة الجزيرة مع مصمم الخطوط والخطاط الأردني حسين الأزعط، وكان هذا الحوار:
هل التكنولوجيا خدمت جمالية الخط العربي، أم أضرت بها؟
التكنولوجيا دوما تخدم الإنسان ومنتجاته الحضارية، ولطالما ارتبط الحرف العربي بالتكنولوجيا وواكب تطورها، فمنذ إنشاء الدواوين والوزارات في المجتمع المدني العربي خلال الحكم الراشدي والأموي، ظهرت الحاجة إلى تطوير صناعة الورق والأحبار لتتماشى مع حجم الدولة المستمر بالتوسع حينها، وأيضا تطورت الصناعات الزراعية والعسكرية والبحرية، ولاحقا الممارسات التقنية والتجارب العلمية في العصر العباسي، التي أثرت بإيجاد علوم جديدة للعرب والمسلمين كالفلك والرياضيات والميكانيكا، كل ما سبق احتاج إلى توجهات جديدة لجعل الحرف العربي المكتوب يتفاعل مع هذه التطورات، ويتكيف ويتطور مع كل جانب منها.
كان الخط العربي في كل هذه التطورات يؤدي مهامه الوظيفية بنجاح وإتقان، ولَم يكن للجوانب الجمالية نصيب مهم في العصور الإسلامية الأولى، ولكن بعدما عّم الرخاء والاستقرار في الحواضر العربية الرائدة كدمشق وبغداد والكوفة، أخذ بعض الفنانين على عاتقهم مهمة تزويق وتجميل الحرف العربي المكتوب، وكان التركيز آنذاك على المصحف الشريف الذي أبدع الفنان المسلم بإظهاره في أجمل صورة وأبهى حلة.
ثم بعد ذ لك تمت صياغة قوانين وقواعد للخطوط القرآنية، وجرى تحسين هذه الخطوط وتسميتها، بل اشتقت أفرع عدة منها لتخدم كتابة المصحف الكريم بمختلف قياساته وتصميماته، ولقد أثرت هذه الممارسة في الكتابات العربية الأخرى، وانتقلت عدوى التطوير لباقي الاستخدامات الحياتية، وأصبح الحرف العربي المكتوب خاضعا لفن كتابة الخط العربي، لغايات الإبهار البصري والجماليات العالية. وكان استخدام هذا الفن في المصاحف والمساجد والمعمار بشكل عام، وفيما بعد على شكل لوحات وقطع فنية.
وهناك الخط العربي للغايات الوظيفية البحتة التي تتطلب الوضوح، كالكتب والمعدات والأدوات والتوثيق الفكري والأدبي والعلمي، وهو ما جرى الاصطلاح عليه بـ "خطوط النساخين أو الوراقين".
بقيت الحضارة الإسلامية تستفيد من هذين السياقين الهامين وكانت التكنولوجيا تغذيهما وتطرح لهما تحديات جديدة في كل يوم، وكان الفنان المسلم على درجة من الالتزام والشغف بتطبيق الحرف العربي المكتوب على كل ما هو جديد تعزيزا للهوية ومواكبة للعصر.
إلا أن الحرف العربي تعرض للانتكاسة الأولى في تاريخه عندما تم حظر اللغة العربية كلغة رسمية للدولة العثمانية في القرن السادس عشر، وأتت الضربة الثانية عندما منعت السلطات العثمانية إدخال المطبعة التي كانت الاختراع التقني الأهم حينها والثورة المعلوماتية الأضخم، وجرّاء ذلك تم حرمان كل رعايا الدولة من هذه التكنولوجيا التي كانت تغزو الغرب بلا هوادة وتنير العقول والأفكار إلى يومنا هذا.
وسمح العثمانيون بالمطابع العربية في وقت متأخر جدا، وكان الجهل والأمية تملآن شوارع العرب. وعكس ذلك ما كان يجري في الغرب، وأيقن الجميع بأن معاداة التكنولوجيا أمر خاطئ لا محالة، وبالتحجر يحدث الضرر.
وهل تتمكن هذه التكنولوجيا من الاستفادة من مزايا الخط ومرونته مثل الخط اليدوي؟
عندما نرى إسطرلابا أو آيات كريمة في مسجد فإننا نلمس الوعي الكبير عند الفنان المسلم باختيار الشكل الأنسب لمشروعه ووظيفته، المرونة لها أسباب ودواعٍ للاستخدام والصلابة كذلك، ومن غير المنطقي أن نقرأ خبرا صحافيا في جريدة وحروفه مكتوبة بخط الثلث العالي الفنيات مثلا.
أنا شخصيا لا أرى فائدة من إقحام التكنولوجيا والمكننة في فن الخط العربي، ما الفائدة المرجوة من روبوت يرسم على طريقة فان جوخ؟ لا شيء. الفن هو ممارسة إنسانية بحتة، يؤدي بها الفنان عمله عبر مشاعره وحواسه وخبرته. وقديما كان الفنان يحتاج إلى وسائل وتقنيات بدائية لتكبير أعماله مثلاً، الآن يكفي استخدام بروجيكتور بسيط ليقوم بالواجب وزيادة. مجدداً، التكنولوجيا في خدمة الفن والتحضر والتطور.
والمعادلة نفسها تنطبق على الحرف العربي، لا جدوى من حوسبة فن بصري عمره مئات السنوات مثل خط الثلث، لأنها تقتل كل جمالية بشرية تنتجها يد الفنان والإنسان المسلم، وللأسف نرى محاولات لجعل فن الخط Calligraphy متوفرا على الحواسيب، والنتائج بالطبع كارثية ومشوهة.
أما التطوير الواجب الاهتمام به وتفعيل دوره بعد مئات السنين من الثورة المعرفية التي أطلقتها المطابع هو "علم تصميم الحرف" أو "علم الحرف الطباعي" Typography وهذا الأمر الذي بدأنا فيه متأخرين جدا عن باقي الأمم، هو ما يجعل القارئ محتارا أو منزعجا أو متألما من قراءة نص عربي في كتاب أو على موبايل أو على لافتة في مستشفى أو شارع سريع.
كيف تقيم برأيك واقع واستخدامات الخط العربي بأنواعه حاليا؟ وعلى من تقع مسؤولية إعادة إحياء الخطوط القديمة ونشرها إلكترونيا؟
جرى وأد عشرات الأنواع من الخطوط العربية خلال حكم العثمانيين للمنطقة العربية، وما تبقى من خطوط جرى تهذيبها وتحسين صورتها على يد خطاطين عثمانيين، ومؤخراً جرى تطوير بعض الأنواع الجديدة على يد فنانين عرب وفرس، في محاولة لإغناء المكتبة الخطية العربية، هذه الخطوط ما زالت تستخدم إلى الآن في صناعة اللوحات الخطية الفنية، وعلى المساجد وعناوين الكتب وبعض الاستخدامات الإعلانية أحيانا.
ودخل هذا الفن في عالم التصميم الجرافيكي لينتج العديد من الشعارات والعلامات التجارية، وأصبح مكونا بصريات هاما للعديد من الهويات المؤسسية العربية، ودخل أيضا فن الخط بأشكاله الكلاسيكية والحداثية بفنون تصميم الأزياء والأثاث والحلي، أي أن فن الخط أصبح له حضور جيد في الحياة المعاصرة، ويلاقي إقبالاً من الجميع، كونه ممثلا رئيسيا للثقافة البصرية العربية.
أما الشق الآخر من واقع الحرف العربي المكتوب "علم تصميم الحرف" فهو ما زال في طور التجربة والممارسات الفردية، وواقعه معقّد قليلا، حيث أن الرهبان الأوروبيين هم من بدأوا بتطويره لغايات الطباعة في القرن السادس عشر، وأتى العديدون من عجم وعرب ليطوروا كل على مزاجه ورأيه.
ولم يحصل هذا العلم الأساسي حتى اللحظة بدراسة واضحة وشاملة ومحكمة تضع مواصفات ومقاييس لتفاصيله وجمالياته وتحدياته الإلكترونية والطباعية، وهذا الذي أنا بصدده حاليا، مشروع كبير، أعمل عليه بشكل فردي منذ سنوات، على أمل أن يرى النور قريبا.

إضافة تعليق