حفل التوقيع... تكريس وهم النجومية على هامش معرض بيروت للكتاب

مع دنوّ موعد معرض «بيروت العربي الدولي للكتاب»، بدأت تنهمر علينا الدعوات إلى حفلات التوقيع الكثيرة التي ستشهدها أيّام المعرض. استوقفتني بين الدعوات، دعوة لحضور حفل توقيع الروائي واسيني الأعرج لروايته الجديدة «حكاية العربي الأخير». ليس في الدعوة بحدّ ذاتها ما يستدعي التوقّف عند الأمر، ولكن بمجرّد أن قرأت الدعوة، قفزت إلى ذاكرتي إحدى ليالي «الدورة58» من معرض بيروت للكتاب، العام الماضي، حين رأيت الروائي الأعرج في جناح
«دار الآداب»، بقامته المديدة ومعطفه الشتوي وقبّعته، وهو يمشي خطوات قليلة في المساحة الضيّقة من الجناح، كمن أصابه الملل والتعب من الجلوس الطويل، وكان ذلك اليوم هو موعد توقيعه لروايته «سيرة المنتهى». لم يكن في الأمر ما يدعو الغرابة لولا أنّه، على بعد أمتار قليلة منه كانت مواطنته، الروائية أحلام مستغانمي، تقف وسط حشد كبير من الشبان والشابات، المتدافعين للحصول على توقيعها على إصدارها الشعري الأوّل، والمستعجلين لالتقاط الصور التذكارية معها، في مشهد يذكّر بمشاهد نجوم الدراما والسينما والغناء أمام معجبيهم.
هذا المشهد يفتح بوّابة التساؤل حول ماهيّة حفل التوقيع والغاية منه. إن كان التوقيع، كما هو مقصود بالشكل، هو أن يسجّل الكاتب إهداءه على الكتاب الذي يقدمه للقارئ، فإنّ هذا الأمر يعدّ قديم العهد قِدَم صنعة الكتاب. إذ اعتاد الكتّاب منذ البداية أن يدوّنوا إهداءاتهم على الصفحات الأولى حين يقدّمون كتابهم كهديّة إلى قارئ هو في النهاية صديقهم أو أحد أفراد عائلتهم أو معارفهم. إلّا أنّ الأمر لم يعد كذلك، منذ أن قرّرت بعض دور النشر الأوربيّة، في النصف الأوّل من القرن العشرين، الاستفادة من الأمر، وتحويله إلى أسلوب دعائيّ إعلاني، مع بداية انتشار ثقافة السوق والاستهلاك. وتأخّر الأمر حتى وصل إلى الأوساط الثقافيّة العربيّة، فعرفت مصر، بخجل، أولى بوادر هذه الظاهرة في خمسينيات القرن المنصرم، حيث كان عباس محمود العقاد يقف أمام مكتبة «أنجلو» يوقّع كتابه لقرّاء يصطّفون أمامه بالطابور. وقد اقتصرت الظاهرة آنذاك على بعض الأسماء الأدبية المعروفة، والتي استطاعت، عبر تاريخ طويل من العمل والكتابة، أن تكون مؤثّرة في جمهور كبير من القرّاء ينتظر، متعطّشاً، إصداراتها الجديدة. كان ذلك في زمن ندرة الصورة، وقبل أن يعرف التلفزيون طريقه إلى البيوت العربية.
استمرّ الحال ذاك سنوات حتّى تنبّهت دور النشر العربية إلى ما يمكن أن تحققه من فائدة إذا ما استغلّت فكرة توقيع الكتاب، لتبدأ الظاهرة بالانتشار والتوسّع وتأخذ بعدها الإعلاني ـ التجاري.
منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بدأت ظاهرة حفلات التوقيع بالانتشار على نطاق واسع، وقد تكون بيروت، لما لها من مكانة في مجال صناعة الثقافة، وصناعة الإعلان، إحدى العواصم العربية التي أسهمت بشكل فاعل بتحويل تلك الظاهرة إلى تقليد يتكرّر مع كلّ إصدار جديد خلال العام، ليوجد لاحقاً كاحتفالية جماعيّة خلال أيام معارض الكتاب.
لقد وجدت دور النشر في حفلات التوقيع طريقاً مختصرة لتسويق عدد من نسخ إصداراتها الجديدة، بغية الحصول سريعاً على عائدات تغطّي جزءاً من تكلفة الطباعة، وفي الآن ذاته يكون حفل التوقيع بمثابة إعلان ودعاية للكتاب الصّادر حديثاً. غير أنّ الأمر أيضاً اقتصر في البداية على الأسماء المعروفة والمكرّسة، وانقسم هؤلاء إلى فريقين، فريق أحسّ بأنّ هذه الظاهرة هي أسلوب تجاري بحت، بعيد عن أيّ بعد ثقافيّ، يحوّل الكاتب إلى بائع، ويجبره على التخلّي عن قيمة أخلاقية عليا في الكتابة، وهي نشر الثقافة بمعزل عن المردود الماديّ. أمّا الفريق الآخر، وهم الأكثرية بطبيعة الحال، فقد وجدوا بذلك فرصة للقاء القارئ، ومحاولة خلق حالة من التواصل الحميمي معه، حين يحظى بكتاب يحمل توقيع كاتبه المفضّل. إلا أنّ الأمر لم يطل على هذه الحال، فسرعان ما تحوّلت تلك الحفلات إلى مناسبات اجتماعيّة، يقوم خلالها الكتّاب أنفسهم بمجاملة زميلهم الكاتب، عبر شراء كتابه لقاء أنّه سيزورهم في حفلاتهم ويشتري كتبهم أيضاً، وعليه بات يمكن للمراقب أن يلحظ تكرار الوجوه نفسها في جميع حفلات التوقيع للكتاب المعروفين.

ترافق ازدهار الظاهرة مع انتشار القنوات الفضائية، والمواقع الإلكترونية، والهواتف الذكية، ومواقع التواصل الإجتماعي، أي أنّ انتشار الظاهرة راح يتّسع طرداً مع ازدياد سهولة التقاط الصورة ونشرها على الملأ، وقد وجدت دور النشر من جديد الفرصة لتحويل الأمر لمصلحتها التجارية (المشروعة)، ما جعل الأمر لا يعود مقتصراً فقط على الكتاب المكرّسين أو المعروفين بتاريخهم في الكتابة، بل تعدّاه إلى من يخضون تجربة الكتابة للمرّة الأولى، بمن فيهم الكتّاب الشباب، فصارت تصلك الدعوات لحضور حفلات توقيع لشبان يوقعون إصداراتهم الأولى، وبالتالي لم يبق من فكرة «حفل التوقيع» غير غايته الإعلانيّة التجاريّة، القائمة على إحراج أصدقاء الكاتب وأقاربه لبيعهم النّسخ الأولى من كتابه، لتشتكي دور النشر، غالباً، بعد ذلك أنّها باستثناء ما يباع في الحفل فإنها تجد صعوبة كبيرة في تسويق هذه الكتب لاحقاً.

لقد أسهم زمن طغيان الصورة، وسهولة التقاطها ونشرها على نطاق واسع، بتضخيم وهم النجومية لدى الشبّان، وجعلهم ينساقون خلف هذه الظاهرة بعفوية، قد تكون مبرّرة إن لم يركن هؤلاء إليها، وإن بقيت النجوميّة، التي لا يبخل أصدقاؤهم وأفراد عائلاتهم بتكريسها لديهم، ضمن حدودها الطبيعية، فلا تجعلهم يغفلون عن آراء نقديّة موضوعيّة قد تطال كتاباتهم، وأن يتقبّلوا أنّ عالم القرّاء أوسع من الدوائر الضيّقة، ويتسع للكثير من الآراء، فلا تجعلهم نجوميّة اللحظة غافلين عن هنّات ارتكبوها في كتابهم الأوّل، مستعجلين لإنجاز كتاب جديد كيلا يأفل نجمهم عن حفلات التوقيع في العام القادم، متلهّين بذلك عن مشقة الإشتغال على كتاباتهم وتطويرها.
مع انتشار هذه الظاهرة، وتزايدها عاماً بعد آخر، فقد الإهداء خصوصيته، وقيمته الحقيقة، وبات يقتصر على عبارات مكرّرة حفظها الكتّاب كما حفظها القرّاء، فيما دور النشر تعمل جاهدة لتكون إصداراتها هي الأكثر مبيعاً. لقد أصاب مصطلح الـ«Best Seller» الثقافة وصناعتها بمقتل حين وصل إليها. وقد بات معروفاً للملأ أنّ الكتب الأكثر مبيعاً لم تكن يوماً هي الكتب الأهم، إن لم نقل إنّها لم تنطوِ على أهميّة تذكر. الأمر الذي ينسحب، دون شك، على كلّ الفنون دون استثناء. كما أنّ فكرة النجوميّة هي حالة ضدّ الإبداع، وقلّة هم من يشذّون عن هذه القاعدة. وبالعودة إلى مثالنا الأوّل، سنجد أنّه بينما كان العشرات يتزاحمون للحصول على توقيع الكاتبة «الأكثر نجوميّة عربياً» (بغضّ النظر عن القيمة الحقيقية فيما تكتبه)، كان روائيّاً بحجم واسيني الأعرج، على بعد أمتار قليلة، يجلس لساعات بانتظار أن يلتفت إليه قلّة قليلة ممّن حضروا لشراء كتاب يقرؤونه، وليس للحصول على توقيع نجم يتباهون به أمام أصحابهم.

إضافة تعليق

1 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.