حفل تأبين الدكتور شوقي أبوخليل-كلمة أصدقاء الفقيد

كان في اجتماعاته وسهراته ونزهاته محور الحديث يشد المستمع إليه بأحاديثه الجميلة وأسلوبه العذب وطرفه اللطيفة وقصصه المستمدة من الماضي والحاضر واستقراء المستقبل فكان رحمه الله خبيرا بنفوس من حوله يعرف كيف ومتى يبدأ الحديث ومتى وكيف ينهي موضوعه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ,والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه ,وبعد:

يقول ربنا سبحانه وتعالى: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" الأحزاب 23

ونحن أصدقاء الدكتور شوقي وتلاميذه ومحبيه نشهد بما رأينا ولمسنا وعايشنا من أخلاق وسلوك كان - رحمه الله – يحرص على أن يتمثلها ويمارسها ,فقد كان حريصاً دائماً على الوفاء بعهده لله ورسوله أن يكون مثلاً أعلى بسلوكه وعلمه وعمله المخلص لوجه الله فقد كان - رحمه الله – رجل علم وعمل ويعلّم من حوله أن العلم والعمل دائماً يقترنان معاً فالسلوك ينبئ على ما في القلوب وقلب الدكتور شوقي رحمه الله كان عامرا ًبالإسلام وتعاليمه السمحة بما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله  وهذا ما تلمسه واضحاً في حديثه ومحاضراته حيث أن كلامه كان يصدر من لسان وقلب صادق محب لله ورسوله  ودمعته كانت دائماً حاضرة عندما يتكلم عن خشية الله وإجلاله وعن محبة رسول الله وقيمه السامية النبيلة السمحة.

ومن الأمور العظيمة والأخلاق الرفيعة التي كان يحرص عليها رحمه الله:

1- الحرص على نعمة الوقت وتنظيمه واستغلاله الاستغلال الأمثل بما فيه نفع الفرد والمجتمع والأمة. فكان رحمه الله يضع برنامجاً ليومه استيقاظاً ثم ذهاباً إلى دار الفكر حيث كان يجد راحته بالاجتماع برجال النشر والفكر والقلم وطرح قضايا الأمة المعاصرة والأحداث الجارية وكثيراً ما كانت هذه الموضوعات المطروحة نقطة انطلاق لمحاضرة أو ندوة أو مؤلف أو كتاب من كتبه الفريدة والمتنوعة والهادفة والتي تحمل دائماً أفكاراً منيرة فيها حداثة بالأسلوب والجدية بالطرح وعدم تكرار من سبقه من أهل الفكر.

   وبعد عودته من دار الفكر ,غداء وبعدها قيلولة ضرورية لاستعادة نشاطه                                     البدني والذهني حتى صلاة العصر .

بعدها يباشر بورشة عمل بالمنزل تمتد من 4-5-6 ساعات لا يكل فيها ولا يمل مطالعةً وكتابةً, تحقيقاً وتصويباً وتأليفاً أما إذا كان لديه محاضرات في معهد الفتح الإسلامي فيذهب لأداء رسالته التي كان يعتبرها مقدسة تجاه طلاب العلم ودائماً وقته دقيق بالوصول إلى المعهد ومغادرته ,وجواله إما مقفل أثناء محاضراته أو يتركه في المنزل لأن هذا الوقت مخصص لطلاب العلم وبعد عودته من معهد الفتح متعباً إلى المنزل مسروراً بما حاضر ونقل وناقش وأثرى بالعلم مع طلاب العلم  وفور وصوله للمنزل يجدد وضوءه ويبدأ بورشة العمل التي يحب /2-3 ساعات/ قبل العشاء ,بعدها عشاء مع العائلة ونوم مبكر - 10.30- ليستيقظ قبل صلاة الفجر ويصلي ركعتين إلى أربع ركعات تهجد وبعدها صلاة الفجر ثم أذكار واستغفار بعد الفجر ثم يعود إلى ورشة عمله المفضلة لا إلى فراشه إلا في الفترة الأخيرة قبل وفاته حيث كان ينام قليلاً بعد الفجر وذلك كونه كان يتأخر قليلاً مساءً في نومه سهراً على دراسة قضايا الأمة المعاصرة وعمله الدؤوب في متابعة ما بدأ به من موضوع أو كتاب , وصباحاً بعد أن يصلي الضحى يذهب إلى دار الفكر مبكراً, وهذا البرنامج الدقيق لم يكن يكسره إلا لمناسبة مفاجئة كوفاة شخصية عزيزة على قلبه أو الذهاب لمجلس عزاء بأحد المعارف والأصحاب وكان حريصاً على أداء الواجب حتى في حال مرضه حتى لو كان المعزى في محافظة بعيدة ,فيرافق أصدقاءه ويقوم بالواجب ويصر على العودة مباشرة دون الجلوس لطعام أو مسامرة أو زيارات جانبية غير مبرمجة.

2-كان الدكتور شوقي رحمه الله دقيقاً في موعده ونضبط ساعتنا على موعده, ومن صور احترامه للموعد أنه كان إذا وصل قبل ساعة الاتفاق ولو بدقائق ينتظر بسيارته ثم يتعمد أن يقرع جرس منزل من وعده من أصدقائه بذات دقيقة الاتفاق ليعلمنا مدى احترام دقة الموعد.

3-احترام العلم والتخصص العلمي

فكان رحمه الله رجل علم وعمل يحترم أهل العلم الشرعي وأهل العلم الدنيوي وأمور الحياة والعلوم الكونية ويحيل كل موضوع لأهل اختصاصه   فإذا طرحت قضية طبية استشار الطبيب وأخذ برأيه والتزم به وإذا ما نوقش موضوع عن الرياضيات أحال البت به إلى أستاذ الرياضيات الموجود في المجلس وأخذ برأيه وأقره وإذا طرح موضوع يتعلق بالهندسة  أو الالكترونيات فلا يناقش به إلا المهندس المختص.

فالدكتور شوقي رحمه الله كان في اجتماعاته وسهراته ونزهاته محور الحديث يشد المستمع إليه بأحاديثه الجميلة وأسلوبه العذب وطرفه اللطيفة وقصصه المستمدة من الماضي والحاضر واستقراء المستقبل فكان رحمه الله خبيرا بنفوس من حوله يعرف كيف ومتى يبدأ الحديث ومتى وكيف ينهي موضوعه- وكانت أبحاثه ومداخلاته ومحاضراته التي يلقيها على طلابه وفي بعض المراكز الثقافية وبعدة محافظات وفي بعض الجلسات مع الأصحاب كانت تنهل من معين الإسلام الخصب وتاريخه المشرق المشرف بتوثيق ودقة حيث أن هذه المحاضرات كلها تم طباعتها بدار الفكر بعد أخذ موافقة الإعلام دائما لتُنشر وتعم الفائدة لكل طالب علم ومعرفة وحقيقة. فكان رحمه الله لا يحب العلم والمعرفة المنغلقة بل يحب الانفتاح بعلمه ومعرفته لكل الناس بأسلوبه اللطيف الذي يخرج من قلب مخلص لكل من حول بالحكمة والموعظة الحسنة فهو دائما يتمثل قوله تعالى :"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين " -النحل  125- وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يتأتى خطابه من الأمة من بعده.

وكان رحمه الله غزير الطرح لمواضيع السيرة النبوية الشريفة وأخذ العظات والمنفعة منها , شديد الحب لرسول الله ولسيرته العطرة والتأسي بشمائله وخصاله وكان ينوع حتى بطرح الموضوع ذاته مثل مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم فكان احتفاله سنويا بذكرى المولد بسرد سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بشكل علمي وعملي لينتفع كل من حضر ذلك المجلس للتأسي بسيرة سيد الخلق والتحلي بأخلاقه فكان أسلوبه يبهج النفوس ويؤثر بها أعظم تأثير وفي آخر احتفال بذكرى المولد ختم بأبيات شعر للشاعر القروي فبكى بنهايتها وأبكى كل من في المجلس:

عيد البرية عيد المولد النبوي    في المشرقين له والمغربين دوي

يا فاتح الأرض ميدانا لقوته      صارت بلادك ميدان لكل قوي

يا حبذا عهد بغداد وأندلس       عهد بروحي أفدي عوده وذوي

يا قوم هذا مسيحي يذكركم        لا ينهض الشرق إلا حبنا الأخوي

فان ذكرتم رسول الله تكرمة      فبلغوه سلام الشاعر القروي

وإذا أردنا أن نتحدث عن خصائص وأخلاق د.شوقي رحمه الله لكتبنا عنه مقالات ومؤلفات وكلها تدور في فلك ما أوصانا به رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم من حب الخير لكل الناس فكان د. شوقي يذكر دائما أن القرآن الكريم ورسالة الإسلام السمحة إنما هي للناس كافة رسالة إنسانية لكل البشرية.قال تعالى:( يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)  الحجرات "13"

وذكر رحمه الله أكثر من مرة قصة عن إنسانية سيدنا محمد واحترامه إنسانية الإنسان: وقف صلى الله عليه وسلم لجنازة غير مسلم فقال له الصحابة انه ليس مسلما فقال صلى الله عليه وسلم أوليس أنسانا أوليس نفسا.

وكان رحمه الله في نزهاته ورحلاته مع أصدقائه قمة بالتواضع والأنس والرقة وخفة الظل محبا ومتعاونا مع الجميع ولا ينسيه من يرافقهم أخوة له بمكان آخر وفاء حيث يحضر النعناع الأخضر من بستان من يحب لمن أحب بدار الفكر حيث يشرب الشاي مع النعناع مع أهل الفكر والعلم صباح كل يوم على مائدة العلم كما لا ينسيه عائلته وأولاده حيث يحرص دائما على العودة إلى منزله في موعده المعتاد حاملا معه ما يحبه أهله من أطيب الطعام والشراب والتسالي والملبس.

أما من الناحية الطبية فكان د.شوقي رحمه الله مثال المريض الملتزم بالتوصيات الصحية وأخذ أدويته بدقة متناهية واتخاذ الأسباب اللازمة لطلب الشفاء من الله.

وللبيان أوضح أن سبب الأزمة القلبية الأولى والثانية لوعته وحرقته وألمه على أمور الأمة التي آلت إليها في وقتنا الحالي خاصة الأزمة القلبية الثانية التي ألمت به في اسبانيا حيث بكى كثيرا في الساحة التي أحرقت فيها آلاف المخطوطات العربية والإسلامية في نهاية الحكم الأندلسي وبداية محاكم التفتيش فمن حزنه على هذا الكنز الضائع من المخطوطات أصيب باحتشاء حاد بالعضلة القلبية وأسعف للعناية المشددة القلبية باسبانيا وبقي عدة أيام حتى استقرت حالته وبعدها عاد إلى دمشق تحت المراقبة الطبية  حضّر وأجري له أربع مجازات إكليلية خطرة وتمت العملية بنجاح  فكنت وجميع أصدقاء د. شوقي رحمه الله لا نرى في وجهه إلا بسمة الرضا بقضاء الله وقدره دون تبرم ولا شكوى صابرا محتسبا الأجر عند الله ,وبعدها ومنذ بداية 2004 ميلادي أنتج وخط العيد من مؤلفاته النوعية والهادفة لخدمة كل إنسان يبحث عن العلم والمعرفة الحقيقية في ميدان السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي وأطالسه الدقيقة الرائعة , وكتابات عن المرأة ومكانتها بالإسلام ,وكتب مع الحدث التي أمتعت كل مهتم ومثقف وكتابات للأطفال هادفة وكتابات مع أخيه وصديقة د.نزار أباظة لتقويم الهاشمية التي يقرأ وريقاتها اليوميةملايين الناس مع احترام عقول الجميع.

وبقي رحمه الله مجداً بكتاباته حتى قبل وفاته حيث أنهى أطلس انتشار الإسلام.

وفي 14 رمضان 1431 وبعد انتهائه من إفطار آخر يوم له في رمضان

وبعد انتهائه من ورشة علم وعمل ذلك اليوم وبعد أذان العشاء بدقائق وافته المنية ورحل إلى ربه بسهولة ويسر خلال دقيقة واحدة ولفظ أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله إنا لله و إنا إليه راجعون.

كانت وفاته سهلة عليه صعبة على أهله وأحبابه وأصدقائه.

رحمه الله/أكرم الأكرمين/ وأكرم مثواه وجعله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وأخيراً الشكر الجزيل لدار الفكر ممثلة بالأستاذ الكبير محمد عدنان سالم على كل جهد بذلوه ويبذلوه في تكريم العلم والعلماء.

والشكر الجزيل للأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي لفضله

كما نشكر إدارة مكتبة الأسد على استضافة هذا الحفل التأبيني لعلم من أعلام الفكر والتاريخ بعد رحيله.

والشكر موصول لمعهد الفتح الإسلامي وعلى الأخص أ.د.حسام الفرفور والدكتور عبد الفتاح البزم ولكل أساتذة المعهد الأفاضل.

كما لا يفوتنا أن نشكر مجمع أبو النور إدارةً وأساتذةً أجلاء

والشكر لكل من حضر من أصدقاء وأحباء الدكتور شوقي رحمه الله ولكل طلاب العلم المنوط بهم حمل الرسالة التي طالما أكد عليها د. شوقي رحمه الله رسالة الإسلام الحق بشكلها الصحيح لخدمة الإنسانية.

     والسلام عليكم

                               د.محمد عيد طبرنين

 

                           27/9/2010 ميلادي

                           18 شوال 1431 هجري

 

إضافة تعليق

8 + 12 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.