حفل تأبين الدكتور شوقي أبوخليل-كلمة د.محمد وهبي سليمان

قرأ شوقي رحمه الله التاريخ بأحداثه وكتبه وحلله بعين بصيرة واعية ليست نظرة تقديس للماضي بأعماله ورموزه وأفكاره وتقاليده بل عبر رؤية نقدية تميز بين إيجابياته وسلبياته. 

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة:

إن الأمة التي لها مكان بين الأمم تعتز برجالها وتكرم مفكريها وتعرف قيمة مبدعيها.

وإذا كنا اليوم أمام لحظة تذكر الحقيقة التي لا بد أن يصل إليها كل مخلوق )كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ( [آل ‌عمران: 3/185].

وأمام حقيقة الإنسان الذي يجهل ساعة رحيله فإنّ العاقل من يعمل لها ليترك أثراً من خلاله يدعى له ويستمر ذكره من بعده.

وإننا اليوم أمام واحد من رجالات الفكر والعلم والتربية رحل بجسده وبقيت آثاره تدل عليه يذكرها الناس من بعده ليستمر أجره وثوابه وفضله وعلمه.

إنه الدكتور شوقي أبو خليل.

في جامع أبي النور في مجمع الشيخ أحمد كفتارو كانت النشأة، فهناك كانت مرحلة طالما كان يذكرها ويحن إليها، وفيها تكونهت صداقاته وذكرياته وتشكلت مطالع فكره وطريق حياته ومع الشيخ أحمد كفتارو كانت التربية الأولى واستمرت لعقود بقي فيها شوقي في القلب لم يغادر أبداً، وبعدها جنت كلية الشريعة في جامعة دمشق من ثمار علمه وكتبه وكان الختام مسكاً في حصاد زرع استوى على سوقه في مجمع الفتح الإسلامي.

والذي جمع بين متفرقات حياته وجعل منها عقداً في جيد الفكر والأمة هي دار الفكر.

فكانت الأرض التي احتضنت فكره ورعته حتى استوى على سوقه وأعجب الزراع فانتشر في أصقاع الدنيا وأطراف الأرض وبعديد من اللغات.

ومن خلال دار الفكر سيبقى هذا الفكر وضاء ناصعاً ومنتشراً.

أثرى شوقي رحمه الله الدار بفكره وبادلته العطاء بالعطاء والمحبة بالمحبة.

وفيها عملنا معاً في دار الفكر وتعلمنا؛ عملنا أن نشحذ عقولنا لا سيوفنا.

في نظرة مستقبلية تفيد من الماضي وتبني من خلالها الحاضر والمستقبل في مقابل تحول للماضي بحلوه ومره إلى صنم يعبد في تصور بعضٍ من الماضويين الذي لم ينتج إلا تكريساً لحالة الاستلاب التي يقيل فيها الإنسان عقله.

عملنا معاً في دار الفكر مؤمنين بتعددية فكرية في مقابل أحادية استئصالية يحاول على أساسها كل طرف إثبات خطأ الآخر وضرورة إلغائه.

عملنا معاً في دار الفكر بعقلانية نقدية في مقابل مفهوم آبائي يختصر الماضي برموزه وعقائده وأفكاره وعلومه وإبداعاته، آبائية عبرت عن عقل متخشب يقدس الحجر والشجر ويحتقر الذات والإنسان.

آمن الدكتور شوقي رحمه الله بالإسلام قضية عادلة ولكنها للأسف وقعت في أيدي محامين فاشلين أرادوا أن تضيع الأمة في صمت؛ لأن أفة الأديان جاءت من كثير من رجالها، هذا الكثير لا يصلح لإدراك رسالة السماء.

طالما أتى صباحاً يشكو مما سمع وشاهد من أقوال ممن نصب نفسه ناطقاً باسم الإسلام وكأنه اليوم يسلط الضوء على علماء أو دعاة تم اختيارهم وفق مواصفات تعكر صفو الإسلام وتطيح بحاضره ومستقبله.

يتساءلون عن الصلاة ودم البراغيث في قمصانهم ولا يتساءلون عن مستقبل أمة أهدر دمها حتى أضحى لا يثير جزعاً ولا فزعاً، في عالم يتقارب فيه المتباعدون يجترون أفكاراً بشرية باعدت بين المسلمين لقرون طويلة ليشقوا بها الصف ويمزقوا بها الشمل.

آمن الدكتور شوقي رحمه الله بالحوار وسيلة للتخاطب في زمن ضل الاختلاف طريقه فأصبح إدماناً على التقاطع تحت عناوين مذهبية وطائفية.

آمن شوقي رحمه الله بالإنسان وعقله في التعامل مع التاريخ والتراث في زمن إعلان إقالة العقل المسلم ومن ثم انتحاره، وأن مثل العقل والقرآن كمثل البصر والضياء فلا العين يمكنها أن تبصر من دون ضياء ولا الضياء قادر على أن يجعل الأعمى بصيراً.

قرأ شوقي رحمه الله التاريخ بأحداثه وكتبه وحلله بعين بصيرة واعية ليست نظرة تقديس للماضي بأعماله ورموزه وأفكاره وتقاليده بل عبر رؤية نقدية تميز بين إيجابياته وسلبياته.

لأن الذين لا يقرؤون التاريخ سيقعون في أخطائه وأننا يجب أن نقرأ التاريخ لنتعلم ليس ما يجب أن نفعله، بل ما يجب ألا نفعله.

آمن بالفكر الواعي المنفتح لأن الأفكار حين تتحول إلى أصنام وأقانيم تفقد فاعليتها.

وإن الفكر الذي لا يخدم الإنسان هو مجرد ترف لا قيمة له.

أيها السادة نتذكر الدكتور شوقي لأننا أمة الوفاء لرجالها ومفكريها ومبدعيها.

نتذكر الدكتور شوقي لأننا نعرف قيمة الرجال.

فالويل لأمة يخزى فيها العالمون ويقدر فيها التافهون.

رحمك الله يا شوقي، وإن شاء الله، وبصدق منك، سيكون لك العمل الذي لا ينقطع وهو علم ينتفع به وهو كثير كثير.     

إضافة تعليق

6 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.