حقول ألغام السياسة

عندما نتناول كتابا أو موضوعا أو حتى نسمع خبرا عن روسية يتملكنا الحنين، ربما أكثر من أهلها، إلى الاتحاد السوفيتي، الذي غاب فتركنا، نحن دول العالم الثالث، أشبه باليتامى على موائد اللئام في هذا العالم الجائر، المبني على النفاق والدسائس، التي صارت تتخذ شكل قرارات دولية، هذا العالم القائم على إبقاء أحذية القمع
جاهزة لتدوس على كل رأس يحاول أن يرتفع. العالم الذي تفشى فيه القتل العبثي، وبعثت له، من مراقدها، الحرب الإثنية والطائفية، بل وحتى القرصنة التي حسب البشر أنها صارت من موروثهم البعيد والبغيض.وقد كان، وسيظل إلى غد بعيد سؤال الأسئلة: لماذا انهيار الاتحاد السوفيتي ومعه معظم المنظومة الاشتراكية بكامل امتداداتها المتمثلة بحلف وارسو ومنظمة الكوميكون؟ وكيف حدث ذلك؟ وعندما أقول الاتحاد السوفيتي لا أقصد ذلك البلد الذي صورته أدبياتنا، نحن الماركسيين، باعتباره اليوتوبيا، التي يجد فيها كل مدافع عن حرية البشر وخلاصهم من الاضطهاد العرقي والديني والمعيشي خلاصه النهائي، وموطن أحلامه التي ما بعدها موطن، بل عن الاتحاد السوفيتي الذي وجد فيه، في الخمسينات، وطنيون من أمثال خالد العظم وجمال عبد الناصر ملاذا من حصار الغرب لسوريا ومصر، يوم منع عنهما السلاح، وأسباب التقدم العلمي والصناعي كي لا تحلم، ولو في منامها، بتغيير نتيجة الحرب المذلة عام 1948.أجل. لقد كانت العلاقة مع الاتحاد السوفيتي، وليس أي علاقة، بل العلاقة المتينة طريق العرب، أقصد العرب الذين يفكرون بمجابهة إسرائيل، لتسليح أفضل، وتقدم صناعي وعلمي أوسع من ذلك العدم واللامبالاة بمصائرها الراهنة والمستقبلية التي كان يواجهنا بها العرب وكلما فكر أحد منا بالالتفات إليه، أو استخدام إمكانية تحسين العلاقة معه كورقة ضغط أو إغراء ـ وهو الذي كان يقول لنا دوما، لو خرجتم من جلودكم فلن أعرفكم.ومن هنا أفهم الغبطة التي ظهرت جلية في مقالة الزميل داود تلمحي «نهاية التاريخ» حينما تحدث عن بداية بزوغ عالم جديد، متعدد الأقطاب، تلعب فيه روسيا المنبعثة، والصين المكتسحة لأسواق العالم، آفاقا واعدة بإمكانية العثور مجددا على ملاذ ما للضعفاء في هذا العالم، وهذه المرة ليس على أساس بوتوبيا جديدة، كتلك التي سادت منذ ثورة أكتوبر، وهذه المرة ليس على أساس بوتوبيا جديدة، وحاجة أقطاب العالم إلى حلفاء محليين بمطلق الأحوال عن الاجتهاد الذاتي للشعوب إن استطاعت إلى ذلك سبيلا!.وبهذه الروحية أقبلت على مذكرات يفجيني بريماكوف، التي صدرت مؤخرا عن دار الفكر، بدمشق بعنوان «حقول ألغام السياسة» لأعرف ما الذي فعله برماكوف في بغداد أثناء محاولتيه اليائستين عام 1990 و 2003، بمنع نشوب حربين كانتا مقررتين سلفا، ولا عن الفرص الضائعة لحل أزمة الشرق الأوسط، على أهمية ذلك كله، ولكن لا أعرف من مصدر، هو أقرب ما يكون من النبع، عما جرى في الاتحاد السوفيتي، ولماذا أصبح يسمى روسيا الاتحادية؟!ومن المعروف أن بريماكوف لم يكن في يوم من الأيام من أصحاب السياسات المتشددة. إن إرساله، دوما، كوسيط دولي في كثير من نزاعات العالم، مؤشر إلى ميله للحلول الوسيطة، وإلى أنه يؤمن بحكمة المثل الشعبي الروسي، كما يشير إلى ذلك في أكثر من موضوع في كتابه، والقائل بأنه «لا يجوز إلقاء الطفل من الطست مع الماء الوسخ». ومن هنا إعجابه بالتجربة الصينية التي بدأها «دينج هسيا وبينج»، التي نقلت الإمكانيات الضخمة للشعب الصيني العظيم من الاحتمالات الكامنة إلى الواقع، مع إبداء أقصى الاهتمام بصيانة البنية الفوقية السياسية للبلاد، وبضمنها الحزب، ولهذا لم تمر الصين بالفترة المأساوية التي مر بها الاتحاد السوفيتي والتي انتهت بانهياره المريع والمدوي.وفي فصل بعنوان «صعوبة التخلص من العقائد الجامدة» يرصد بريماكوف خط المعارضة الداخلية الذي بدأ يعبر عن نفسه بعد المؤتمر العشرين للحزب، والذي أخذ يركز في البداية، على أن ستالين شوه تعاليم لينين، وكوّن نظاما يتجافى مع مثله وأحكامه. كما وراح داخل النظام السوفيتي يتنامى عدد الذين صاروا لا يتحدثون فقط عن جرائم ستالين، بل يعارضون العقائد الإيديولوجية الجامدة، والأفكار السخيفة والبالية في مجال المسلمات النظرية الرسمية».وفي الفصل، الذي أجده الأهم من فصول الكتاب، وهو بعنوان «لماذا انهار الاتحاد السوفيتي» يقول بريماكوف «وتألم لانهيار الاتحاد السوفيتي بحقن ولاسيما في فترة الدمقرطة الأكيدة فيه، ثقلا موازنا لاتجاهات الهيمنة في العالم». ولكنه يقول في الرد عن سؤال لماذا زال الاتحاد السوفيتي من الوجود؟ بأن من الخطأ إعطاء جواب قاطع عنذلك. «ويمكن ـ كما يقول يماكوف ـ قسم من أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي في عدم كمال البنية الاتحادية، وفي الهفوات الذاتية، وأخطاء القادة السوفييت. أما المجموعة الأخرى من الأسباب فهي الأخطاء التي ارتكبت في أثناء عملية البيريسترويكا، وفي نهاية المطاف أثرت تأثيرا سلبيا للغاية على تطور وضع المواجهة بين جورلاتشوف ويلتسين، ومارست دورها الولايات المتحدةوحليفاتها في الناتو» وينبغي اقتطاف الفصل كله لنحيط بشمولية الصورة.وبعد أن يفصل بريماكوف، بإسهاب، كل هذه العوامل التي ساهمت في انهيار الاتحاد السوفيتي، يرى أن الحركة الانقلابية التي قادتها لجنة الطوارئ في 19 آب 1991، والتي هدفت من ورائها، العودة بالبلاد إلى مرحلة ما قبل البيريسترديكان وشكلت نقطة النهاية للاتحاد السوفيتي. ففي حينها كانت «البلاد قد أصبحت بلادا أخرى»، وظهر عجز الحزب والجيش عن المقاومة «ولم تستطيع أجهزة الأمن التي أفزعتها الأحداث إيقاف الموجة الصاعدة التي اجتاحت الاتحاد السوفيتي وأدت إلى انهياره».وفي باب بعنوان «في رئاسة الحكومة» وهو لا يقل درامية ومأساوية يتحدث بريماكوف عن الثمانية أشهر التي استلم فيها رئاسة الحكومة الروسية، والممتدة بين أواخر عام 1998 وأوائل عام 1999 وقد جيء به ليصلح ما أفسده يلتسين وحاشيته الذين أوصلوا روسية إلى الإفلاس ، وإلى الحضيض من حيث المكانة الدولية. «ومع حلول منتصف عام 1988 ـ يقول برماكوف ـ ازدادت بقوة العمليات التي بدأت تدفع البلاد نحو الهاوية. فقد تقلص حجم الناتج المحلي الإجمالي بشدة، وحدث كساد لا مثيل له في الإنتاج الصناعي، وتوقف النظام المصرفي عن العمل. وعمليا تعطلت عمليات دفع وتسديد المال في البلاد».ويتحدث بريماكزف بقسوة عمن يسميهم «الليبراليين المزيفين» الذين قادوا اقتصاد روسية إلى وضع مكّن حفنة قليلة من الناس ـ من أسماهم المواطنون فيما بعد الأولجاركيين ـ من جني ثروات هائلة تقدر بمليارات الدولارات «وقد بذل الأولجاركيين كل ما في وسعهم في سبيل بقاء السلطة بأيدي من يسمح لهم بقطف الزبدة بشكل هين وسريع»، وهم الذين ساعدوا بشكل كبير في إعادة انتخاب يلتسين رئيسا عام 1969. على أنهم ومعهم الليبراليون كانوا في أواسط عام 1998 قد أوصلوا روسية إلى الخراب، ورفعوا أيديهم علامة الاستسلام.وبعد الخراب قصة شائعة، ولكنها مؤلمة، عن الانبعاث من جديد، بصبر، وبحزم، ولكن دون مواجهة، إذ أن المواجهة الضعيفة مع الليبراليين، والأوليجاركيين الذين أثروا في الفترة السابقة، كان سيقود حتما إلى مواجهات دموية لا تحمد عقباها. وكان واضحا أن اقتصاد السوق، والحرية السياسية، قد باتا بالنسبة لروسيا خياران لا عودة عنهما، والمهم هو، كيف يمكن جعل هذين الخيارين حضاريين، ويعودان، أخيرا، بالنفع على عموم الشعب الروسي، وعلى صورته في العالم. وحسب بريماكوف فإن السوق وحدها لم يكن بمستطاعها في ظل التجربة المشوهة، التي نجمت عن العلاج بالصدمة، أن تحل الأزمة الاقتصادية، وأن المطلوب تدخل الدولة. «لقد كانت الحكومة التي ترأستها ـ يقول بريماكوف ـ تلتزم بأفكار الوسط أو بالأحرى يسار الوسط» وما كان ممكنا لتلك الحكومة أن توجد، وأن تنجح في مهمتها، إلا لأن الحزب الشيوعي في روسية كان قد وصل إلى قناعة نهائية بأنه لا عودة إلى نموذج ممارسة أساليب الإدارة في النظام الاجتماعي والاقتصادي. ليس ذلك فحسب بل لقد ثبت ذلك في وثائقه.وفي الباب الأخير من الكتاب «ماذا بعد هذا» حديث معمق عن فلاديمير بوتين، الذي خلف برويس يلتسين عندما استقال الأخير من منصبه في 31 كانون الأول من عام 1999. ولم يكن سجل بوتين عندما تسلم رئاسته روسيا كافيا لأجل تسلم هذه المهمة الكبيرة. وفي البدء دعمت الفئات المقربة من يلتسن مجيء بوتين، القادم من جهاز الأمن، لأنهم أرادوا أن يجروا إلى طرفهم مؤسسة تمتلك أكبر قدر من المعلومات، والرجال الأقوياء بحكم وضعهم في الدولة».على أنه تبين فيما بعد أن مصالح روسيا هي ما يقرب بوتين أو يبعده من هذا الأمر السياسي أو ذاك.«وحافظ عموما على نهج بناء مجتمع ديمقراطي اقتصاد السوق في روسيا. وأقدم على اتخاذ عدد من التدابير التي أصلحت الاعوجاج، ومهدت الطريق العقلي نحو السوق المتحضرة. والسمة الرئيسة المميزة لنهج السياسة الخارجية الذي اتبعته بلادنا ـ كما يقول برماكوف ـ في عهد بوتين هي الذود عن المصالح الوطنية، واستعادة مكانة روسيا كدولة عالمية.. لاسيما في ظل وضع أخذت تتنامى فيه بحدة القوة العسكرية لروسيا، على نحو جعلها تنهض بقوة وثبات من أنقاض التسعينات، التي مرغت سمعتها، وأحالتها إلى ما يشبه دولة من دول العالم الثالث.. وأوضح أن استعادة روسيا لمكانتها يعني أن يعايش العالم، من جديد، وضعا يصبح فيه متعدد الأقطاب، وهذا بالطبع ما لا تريده الولايات المتحدة، وبعض الدول الغربية التي تفتعل المشاكل كل يوم أمام روسياـ أكان عبر الدرع الصاروخية أو تغذية النزعات المعادية لروسيا في دول مثل أوكريا وجورجيا أو عبر محاربة علاقاتها بدول تعتبرها الولايات المتحدة من دول محور الشر، كإيران وسوريان وبالتالي سد المنافذ أمام صناعة الأسلحة الروسية التي تعتبر بالإضافة إلى النفط والغاز، مصدرا أساسيا للدخل الروسي.وفي المذكرات البالغة 528 صفحة من القطع الكبير، فصول شيقة أخرى عن نشاطات بريماكوف في مجال العمل في الصحافة، كمراسل بجريدة البرافدا في الشرق الأوسط، وعمله في أكاديمية العلوم، وفي المخابرات الخارجية لبلاده، وعمله كوزير للخارجية، ووسيط في أزمة الشرق الأوسط، وحربي الخليج الأولى والثانية، وأزمة كوسوفو، وغير ذلك من الأشياء الهامة والممتعة، والتي لا يستطيع الإحاطة بها كلها إلا قراءة الكتاب الذي نفهم منه أن اقتصاد العولمة قد بات يحكم العالم شرقه وغربه، وملاذنا الوحيد هو أن ننفذ من خلال التصدعات التي قد تحصل فيه من حين إلى آخر.
بقلم أحمد سعيد نجم
نشر في موقع الحرية
16/11/2008

إضافة تعليق