حماية البيئة طاعة لله

لا يمكن أن تتحقق نهضة لأي مجتمع يهمل البيئة ويتعامل معها باستهتار ولا يرتقي بها . . لذلك كان من مقومات النهضة الأساسية الارتقاء بالبيئة والتعامل معها برقي وتحضر، ومقاومة كل مظاهر التلوث والإضرار بالبيئة . . فما هو واقع البيئة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي تنشد التقدم والنهضة؟
الدراسات والإحصاءات تحذر من تزايد معدلات التلوث البيئي في الوطن العربي والعالم الإسلامي عموماً يعد عائقاً كبيراً لمشروع النهضة الحضارية المنتظرة . . وهذه أهم ما أشارت إليه التقارير والدراسات التي ترصد حالة البيئة في عالمنا العربي:
* تقرير البنك الدولي عن التلوث البيئي في العالم العربي كشف أن الدول العربية تخسر أكثر من 20 مليار دولار سنوياً بسبب التلوث البيئي من خلال تلوث الهواء والتربة والمياه والسواحل وتتضاعف الخسائر في الماء والهواء والتربة والمبيدات مع زيادة تكاليف العلاج والدواء، وفقدان المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية .
* تنفق الدول العربية ما يزيد على 5 مليارات دولار لمعالجة المشكلات الصحية التي يسببها التلوث .
يعرف الدكتور مجدي الشرقاوي رئيس جمعية البيئة العربية التلوث بأنه وضع المواد في غير أماكنها الملائمة مما يؤدي لتلوثها سواء كان عن قصد أو جهل، وذلك بإلقاء العناصر والمواد الملوثة حيث يحدث تغير سلبي في معدل نمو الكائنات في البيئة فيضر كل ما فيها من كائنات بما فيها الإنسان والحيوان والنبات سواء بإضراره بسلسلة الطعام أو إدخال سموم فيها مما يضر بالصحة والمجتمع . ويشير إلى أن أغلبية مظاهر التلوث الحالية مرتبطة بالثورة الصناعية التي بدأت قبل قرون وامتدت إلى مختلف دول العالم، حيث خلفت هذه الثورة الكثير من الملوثات في جميع مراحل التصنيع بل وبعد الانتهاء منه عن طريق إلقاء المخلفات بشكل غير مناسب في البيئة ولا يتوقف ضرر هذا التلوث على الكائنات الحية فقط بل يمتد إلى الكون نفسه من خلال الإضرار بوظائف الطبقة الحيوية التي يطلق عليها “بيوسفير”، والتي تحيط بالكرة الأرضية .
ويطالب الدكتور الشرقاوي الدول العربية والإسلامية بتوقيع اتفاقات للتعاون المشترك في إزالة ما لحق من أضرار بيئية بالإنسان الذي يعيش في بيئة هواؤها وتربتها وغذاؤها ملوث سواء بمواد كيميائية أو مشعة، إضافة إلى ما يلحق به نتيجة الأضرار التي تصيب المحاصيل الزراعية والنباتات والمياه والتربة والحيوانات، وهي التي لا يستغني عنها الإنسان في المأكل والمشرب والتنفس وتزيد الأمر صعوبة الأضرار البالغة للتلوث بتدميره للجمال البيئي عن طريق الدخان والغبار والضوضاء والفضلات والقمامة .
مناهج عن البيئة
ويحث عبدالسلام على تخصيص مادة دراسية تتضمن المحافظة على البيئة والتوعية بمخاطر تلوثها في كل الصفوف الدراسية، خاصة في مراحل التعليم الأولى التي يتم فيها بناء ثقافة وفكر وسلوك الإنسان بل واقترح أن يمتد ذلك إلى التعليم الجامعي، بحيث تتضمن هذه المناهج الدراسية المخاطر التي تهدد البيئة من جراء التلوث وموقف الأديان منها، خاصة أن جميع الأديان تأمر بحمايتها ويتميز الإسلام عن غيره في أنه يجعل الارتقاء بالبيئة وحمايتها من التلوث طاعة لله، ولهذا ورابطة الجامعات الإسلامية لديها مشروع متكامل لهذا المنهج المتدرج عن البيئة وما تتعرض له من تلوث سواء كان تلوثاً للغذاء بالاستخدام الجائر للمخصبات الزراعية والمبيدات الضارة بالصحة والاقتصاد أو تلوث الهواء الذي تتعدد مصادره، ويسهم الإنسان بالجزء الأكبر في حدوثه عن طريق مخلفات الصرف الصحي والنفايات والمخلفات الصناعية والزراعية والطبية والنفط ومشتقاته والمبيدات والمخصبات الزراعية والمواد المشعة، مما أدى إلى الإضرار بالنظام البيئي .
أضرار صحية
وعن الأضرار الصحية لتلوث البيئة يقول الدكتور أحمد درة الأستاذ في طب الأزهر: التلوث البيئي هو أب لكل الأمراض التي تصيب أجهزة وأعضاء الإنسان ابتداء من الأمراض البسيطة التي يسهل علاجها وانتهاء بالأمراض المستعصية والمزمنة، لأن هذا التلوث يؤدي إلى إحداث تغير في البيئة التي تحيط بالكائنات الحية المحيطة بالإنسان ويعتمد عليها في غذائه، وتحول هذه الملوثات الموارد النافعة إلى موارد ضارة فمثلاً الفضلات البيولوجية للحيوانات تشكل مورداً نافعاً إذا تم استخدامها كمخصبات للتربة الزراعية أما إذا تم التخلص منها في مصارف المياه فستؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة .
ويطالب د . درة المسؤولين عن البيئة والصحة في العالمين العربي والإسلامي بتوقيع بروتوكولات تعاون في ما بينهم لكيفية المحافظة على البيئة وحمايتها من الملوثات ليكون هذا أسلوب حياة ناتجاً عن وعي وخطط لحماية البيئة بدلاً من الحالة العشوائية التي تعيش فيها أمتنا الآن حتى أصبحت موطناً لأخطر الأمراض الفتاكة في العالم، مما يعد إهداراً لقيمة الثروة البشرية التي يتميز بها العالم الإسلامي، والذي يعد الأعلى تكاثراً في العالم والأكثر مرضاً بسبب هذا التلوث البيئي .
خسائر اقتصادية
ويطالب الدكتور شلبي بمعالجة مواطن القصور الحالية وفق خطط علمية تتعاون في وضعها مؤسساتنا العربية والإسلامية، وأن يتم تبادل الخبرات مما يدفع النمو الاقتصادي في العالم العربي ويوقف نزف الخسائر البيئية الباهظة، وهذا يتطلب إجراء دراسات لمشروعات جديدة يتم إنجازها في بلادنا الإسلامية، خاصة أن العلاقة وثيقة بين الاقتصاد والبيئة فإذا كان الاقتصاد يدور حول الإنتاج والاستهلاك إلا أنه لا يمكن فصلهما عن العناصر البيئية مما يؤدي إلى استنزاف الموارد غير المتجددة مثل الغابات والنفط والمعادن المختلفة إلى جانب إجهاد الأرض بالعديد من المزروعات، مما أثر في خصوبتها وأدى إلى ظهور مشكلة التصحر . . كما أن تصريف مخلفات الإنتاج في ظل تلوث الهواء والمياه في الأنهار والبحار يؤثر سلباً في الزراعة والحيوان باعتبارهما المصدر الرئيس للغذاء، ولهذا لا بد من التخلص من المخلفات عن طريق الإدارة المتكاملة بالجمع والنقل والفرز والتدوير والدفن الآمن .
وعن كيفية مواجهة التلوث وتداعياته الخطيرة من المنظور الإسلامي يقول الدكتور الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف المصري الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: الإسلام لم يقف مكتوف الأيدي تجاه هذه القضية الخطيرة التي تتعلق بحياة البشر وإعمار الكون، وإنما وضع الإطار النظري والعملي لحماية البيئة فمثلاً هناك وظيفة المحتسب الذي يمثل أهم أساليب التحكم والسيطرة والرقابة باتخاذ الإجراءات الوقائية والعلاجية لمنع التلوث . . وواجب المسلمين أن يلتزموا بأحكام دينهم التي تأمرهم بأن يتقوا الله في المحافظة على عناصر البيئة وتحرم الإسراف والتبذير والتخريب والتدمير للموارد التي سخرها الله للإنسان، ولهذا لا بد أن يكون للدعاة وخطباء المساجد دور في مساعدة الحكومات بتوعية المواطنين .
ويضيف: من المؤسف أننا نعيش في عالم بما فيه بعض الدول الإسلامية يضع البيئة والحفاظ عليها في مرتبة متأخرة لأنهم ليسوا على دراية كافية بما تقتضيه شريعتهم، مما أدى إلى مساهمتهم في تدمير البيئة التي يحرص الإسلام على الحفاظ عليها . . بل إن الإسلام جعل التلوث نوعاً من الإفساد في الأرض والله لا يحب الفساد والمفسدين حيث قال تعالى: “ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها” .
وسائل الحماية
ويرصد بعض الوسائل الإسلامية في المحافظة على البيئة فيقول: تعد حماية البيئة بكل مكوناتها الطبيعية أمانة في عنق الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض ليصلح فيها لا ليلوثها ويدمرها، ولهذا أمره الله بالحرص على النظافة حتى إنه جعلها من الإيمان فضلاً عن كونها تحافظ على صحته وحرم كل ما يضر بنعم الله التي سخرها لنا في الحياة سواء من المخلوقات الحية أو كل ما له علاقة بها كالتربة والماء والهواء وغيرها فقرر مجموعة من الإجراءات الوقائية مثل الطهارة والنظافة بما فيها تنظيف الجسد والثياب والأواني والأثاث . . ولا بد أن تتحمل الدول مسؤوليتها بالتعاون مع الأفراد والجمعيات المدنية لمنع الاستخدامات الضارة بالبيئة .

إضافة تعليق