حوارات ساخنة حول لغة الطفل العربي

شهد منتدى النهوض باللغة العربية الذي عقد بالدوحة في الأسبوع الماضي حوارات ساخنة، حول لغة الطفل العربي، ومدى العناية التي يجب أن يحظى بها تلافياً لمخاطر جمة تتعرض لها الشخصية العربية، والهوية القومية من جراء عدم العناية بها، ويمكن أن يؤدي الاهتمام بها إلى إشعال بعض شموع الأمل، وسط واقع لغوي تنعدم فيه كمية الضوء المتاحة إلى مدى بعيد، وتزداد معه كمية انحسار اللغة القومية أمام مد شديد الإغراء اجتماعياً وثقافياً للغات أخرى.

وقد التقى في المنتدى متخصصون وخبراء في اللغة العربية والمناهج التربوية والإعلام المسموع أو المقروء أو المرئي الموجه للطفل، وانضم إليهم نفر ممن يظهرون في المنتديات غالباً، ومعهم مبادارات يرغبون في «تسويقها» أو الترويج لها، وتتردد خلال المناقشات كثير من المصطلحات التربوية والإعلامية وأسماء منظريها، وتجارب مطبقيها، والعقبات العملية والطموحات المجنحة.
وتثار مشكلة تكوّن المدونة اللغوية العربية للطفل في مراحل نموه الأولى، ودور الأم والأسرة والبيئة المحيطة ثم المدرسة في تكوين هذه المدونة والنمو بها، وتصطدم النظريات المتفائلة بواقع يثير القلق، يتم الاعتماد فيه في مناطق كثيرة من العالم العربي على «المربيات» غير العربيات في رعاية الطفل في سنواته الأولى وما تمثله من خطر لغوي كبير، وضمور فعلي في هذه المدونة، أو تشويش واضطراب في مكوناتها، عبر الاختلاط بلغات أخرى، ويرد على الذهن هنا، العادة العربية القديمة التي كانت تكمن في إرسال الأطفال إلى البادية نشداناً لسماع لغة صافية، وتكوين مدونة سليمة، فضلاً عن فوائد أخرى وليست تجربة «السيدة حليمة» ببعيدة عن هذا المناخ العربي العام.
ومن الاقتراحات التي تثار في هذا الصدد أن تضع المدارس في خططها التعليمية للأطفال وقتاً إضافياً كافياً لممارسة «اللعب اللغوي الممنهج» من خلال مربيات عربيات يتم تأهيلهن جيداً ويلعبن مع الأطفال وفق خطة مدروسة، وبعيداً عن أعباء المقررات والامتحانات وربما ساعد ذلك في وجود مناخ ملائم لسد جانب من هذا الخلل، في مجتمعات « الرخاء النسبي» الذي لا يخلو من السلبيات لكن دور المرحلة التالية، سوف يكمن في المدرسة وما تقدمة للطلاب الصغار من مناهج في تعليم اللغة ، تتطلب المادة النظر في كثير من أوجهها، ومدى ملاءمتها للمرحلة العمرية، وللوسائل الجذابة التي يتعلم بها أطفال العالم لغاتهم من خلال تنشيط الحواس والمشاركة الفعلية وتوظيف اللعب المنهجي، والتخلي عن طريق«صب المعلومات» والقواعد على رؤوس الأطفال قبل أوانها، لكيلا ينفروا منها، ولكيلا يتحول الغذاء الذي يراد به تقوية الجسد إلى عنصر إضرار به كما يحدث لمن يحرص على تغذية طفله ونموه سريعاً فيقدم له «نصف خروف» قبل أن تتهيأ معدته الصغيرة للاستيعاب والهضم فيتحقق لذلك السلوك من الضرر أضعاف ما يحقق من الفائدة قد يقضي على شهية الطفل بقية عمره. وقد برز هذا التشبه من خلال الحديث عن بعض القواعد اللغوية والنحوية الصحفية التي تقدم للطفل قبل أن يتهيأ عقله لاستقبالها، من خلال نصوص جذابة وأغان مسلية ، وألعاب هادفة، يتم من خلالها جميعاً التدرج من اللغة المعاصرة التي يألفها في حياته اليومية إلى اللغة الكتابية الراقية التي يندرج فيها شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى مستوى اللغة في الأدب القديم ونصوصه.
وفي هذا المجال فقد جرى نقاش حول علاقة العاميات باللغة الفصحي . وهل ينبغي اعتبارهما لغتين ، أو مستويين متدرجين من لغة واحدة. ينتمي أحدهما إلى مستوى اللغة المتكلمة والأخرى إلى مستوى اللغة المكتوبة، ويتم الانتقال السلس من أحد المستويين إلى الآخر، بل قد يتم إنشاء مدونة لغوية ملائمة لمرحلة الطفولة، يتم اختيار مفرداتها مما يشيع في الحياة اليومية من كلمات صحيحة، ونكون بين أيدي كتاب أدب الطفولة، ومؤلفي كتب تعليم الأطفال ومعدي برامجهم للاسترشاد بها، كما يتم في معظم لغات العالم التي تحرص على البناء اللغوي السليم لمرحلة الطفولة.
أما الإعلام فيقع عليه جانب كبير من العبء في بناء عالم الطفل اللغوي والخلقي والسلوكي. من خلال المسلسلات والبرامج الجذابة للطفل وكثير منها لا يتم الاهتمام فيه بانتقاء المستوى اللغوي والسلوكي المناسب، في حين أن القليل الذي تم فيه حسن اختبار هذه المستويات، قدم فوائد كبيرة للطفل العربي، وأثبتت التجارب أن برنامجاً إعلاميا ناجحاً، يمكن أن يقدم للغة الطفل من الفوائد أضعاف أضعاف ما تقدمه كتب تعليم اللغة التي قد تكون في حياتنا غير ملائمة لمرحلتهم ، أو على الأقل تثبت البرامج وتقوي وتطبق الجانب المفيد في هذه الكتب.
وليس «الإعلان» أقل أثراً على مستوي الفائدة أو الضرر، ومن ثم فلا ينبغي أن يترك سلاح « الإعلان» الخطر في أيدي صناع الإعلانات التجارية الهادفة للربح قبل كل شيء، وإنما ينبغي أن تجد صناعة «الإعلان» للطفل حماية من «الدول» والمؤسسات كما نجد في كل المجتمعات المتقدمة لكي تتسرب من خلالها عوامل«الصحة» ونماذج «الاحتذاء» في عقل الطفل الخفي الذي هو نواة أساسية لمجتمع اليوم والغد.
إن الحوارات الساخنة حول «لغة الطفل العربي» ينبغي أن تتجدد من ناحية وأن يتم تفعيل مقترحاتها بقدر من الجدية، من ناحية أخرى في محاولة لتلافي كوارث محققة للغة والهوية إذا أهملت هذه العقبة الخطيرة

إضافة تعليق

3 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.