حوار متصور مع مالك بن نبي... طغيان الأشخاص

* سيدي ذكرتم أن من أعراض أفول المجتمع الإسلامي طغيان الشيئية حتى أنها تتحول إلى مقياس لكل شيء، هل لنا أن نتابع من هنا؟

- في المرحلة الحالية للمجتمع الإسلامي نشهد تداخلاً بين طغيان الأشياء وطغيان الأشخاص، وتترتب على طغيان الأشخاص نتائج ضارةٌ على الصعيدين الأخلاقي والسياسي، فعلى الصعيد الأخلاقي، عندما يتجسد المثل الأعلى في شخصٍ ما، هنالك خطرٌ مزدوج: فسائر أخطاء الشخص ينعكس ضررُها على المجتمع الذي جسّد في شخصه مثله الأعلى . وسائر انحرافات ذلك الشخص تتجسد كذلك في خسائر، وتكون هذه الخسارة إما في رفض للمثال الأعلى الذي سقط، وإما في ردّةٍ حقيقية يعتقد عبرها بإمكانية التعويض عن الإحباط باعتناق مثل أعلى آخر . وفي كلا الحالتين فنحن نستبدل من دون أن ندري مشكلة الأشخاص بمشكلة الأفكار، لقد سبب هذا الاستبدال كثيراً من الضرر بالأفكار الإسلامية المتمثلة بأشخاصٍ ليسوا أهلاً لحملها . فمن ذا الذي يستطيع أن يمثل الأفكار من دون أن يعرض المجتمع للخطر؟

- لا أعتقد سيدي أنه فيما عدا المعصوم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوجد من يمثل فكرة ما مئة في المئة، فكل ابن آدم يمكن أن يحيد قليلاً أو كثيراً عن تمثيل الفكرة التي يدعو اليها أو يعتبر علامة لها، ويجب أن يبقى هذا حاضراً في الأذهان حتى لا تتأثر الأفكار بأخطاء الأشخاص، فتتلوث الفكرة أو ينصرف عنها الناس إلى فكرة أخرى .

- إن خطر التمثيل قد وضعه القرآن الكريم صراحةً في الوعي الإسلامي بقوله: (وَمَا مُحَمدٌ إِلا رَسُوْلٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُر اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشاكِرِيْنَ)، هذا التحذير ليس موجهاً لتفادي خطأٍ أو انحرافٍ مستحيل من الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنه من أجل الإشارة إلى خطر تمثيل الأفكار بحد ذاته .

* هذا على الصعيد الأخلاقي فماذا عن الصعيد السياسي؟

- بالإمكان أن تحصي في بلد إسلامي واحدٍ عدداً لا بأس به من الكوارث التي كان ممكناً تجنب وقوعها لو لم تُسلب أفكار دافعة بفعل تجسيدها .

وواحدة من أكثر الأفكار الدافعة عظمةً التي ارتعد لها الاستعمار في الجزائر هي فكرة ( المؤتمر الإسلامي الجزائري ) الذي أقيم سنة ( 1936 ) .

لقد أريد أن تتجسد هذه الفكرة في أحد المثقفين السياسيين؛ فماتت الفكرة بعد مرور شهرٍ واحد؛ لأن ذلك المثقف لم يكن أهلاً بالحد الذي يجعل منه سنداً لها . والجزائر ليست البلد المسلم الوحيد الذي دفع غالياً ثمن تمثيل الأفكار .

أنت سيدي تتحدث عن فكرة دافعة أي أنها تملك قوة على تحريك الناس وتفعيل نشاطهم، عندما ترتبط فكرة ما قادرة على تغيير مصير مجتمع بشخص واحد أو بمجموعة ثم لا يكون أو يكونون أهلا لذلك أو قد يغيبهم الموت، عندها نكون فعلا أمام كارثة حقيقية  .

-نعم، وإذا نظرنا إلى الأمور من زاوية الصراع الفكري فإننا نشعر من هذا الجانب أن الاستعمار يستطيع استغلال هذا الاتجاه المرضي لتجسيد أفكارنا خصوصاً في الإطار السياسي .

ويمنعنا هذا الاتجاه أحياناً من استخراج العبر من الفشل، وذلك بتجسيد أسباب الفشل فوراً في شخصٍ يكون ( رجل نحس )؛ بدلاً من التفكير ملياً وجدياً بالدروس التي نستخرجها منها، فمثلاً عندما وقع الانفصال بين سوريا ومصر عام ( 1961 )؛ الذي سجل فشلاً أليماً لفكرة الوحدة العربية استمعت إلى راديو دمشق وراديو القاهرة لمعرفة التفسير الذي سيعطى لذلك الحادث المؤسف، وعلى الأخص استمعت لراديو القاهرة الذي كان يعزو الحدث إلى رجل نحسٍ، إلى مدبّر الانقلاب، الضابط السوري، وذلك بدلاً من البحث عن الأسباب الحقيقية للانفصال في عالمنا الثقافي؛ بطريقة أعمق وأكثر فائدة للأمة العربية .

وقد كان واضحاً أن الانقلاب سيقع بهذا الرجل أو من دونه؛ لأنه لم يكن يتوافر في عالمنا الثقافي فكرةٌ مضادةٌ له، بل على العكس من ذلك، كانت هنالك العوامل المشجعة جميعها .

- لقد اعتدنا سيدي على عزو الانتصارات والهزائم، الإنجازات والخسائر، للأشخاص بدل التحليل الذي تتفضلون به .

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.