حوار مركز نماء مع الدكتور محمد خميسي حول: رسالة الجامعة في الوطن العربي ومقومات إصلاح منظومة التعليم العالي(1/2)

يتناول هذا الحوار  الأسئلة الشائكة التي تطرح اليوم على منظومة التربية والتكوين بالنسبة إلى التعليم الجامعي في الوطن العربي، سواء منها ما يتعلق برسالة الجامعة أو طبيعة التكوينات التي تضمها، أو موقع البحث العلمي فيها، أو إشكالية لغة التدريس وتدريس اللغات، هذا فضلا عن قضية التمويل والخصخصة والتنافسية. ولئن مستقبل الجامعة في الوطن العربي، وتحسين تصنيفها عالميا، يرتبط بشكل كبير بالأجوبة التي يتم تقديمها لهذه الأسئلة فقد ارتأينا في مركز "نماء" أن نفتح هذا الملف للنقاش، بدءا بهذا الحوار الذي استضفنا فيه  الدكتور محمد الخمسي أستاذ التعليم العالي بشعبة الرياضيات بكلية العلوم والتقنيات بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، وأحد كوادر المنتدى الوطني للتعليم العالم والبحث العلمي بالمغرب، ونأمل في أن نستعرض  في المستقبل القريب وجهات نظر أخرى تقدم إجاباتها بخصوص هذه ألأسئلة، حتى نتمكن من فتح فضاء للنقاش العميق حول مستقبل الجامعة في الوطن العربي وآفاق إصلاح التعليم الجامعي به. إلي نص الحوار:

 تصنف الجامعات العربية في الغالب  في أسفل الترتيب بالمقارنة مع الجامعات الأمريكية واليابانية والأوربية، في نظركم لماذا يرجع هذا التدني في التصنيف، هل إلى المعايير المعتمدة في هذه التصنيفات والتي لا تراعي الخصوصية العربية، أم إلى تدني مستويات التعليم والبحث الجامعي في العالم العربي؟
 تشكل الجامعة في أي دولة من العالم، امتدادا طبيعيا لواقعها، ومكانة الدولة الموجودة فيها، ولذلك، لا يمكن أن نتصور الجامعة إلا جزءا من الواقع والمشهد السياسي والاقتصادي والثقافي لبلد ما. وتعتمد مجموعة من المعايير التقنية والعلمية في التصنيف والترتيب، غير أن هناك عناصر مهمة وضمنية تساهم بشكل أساسي في هذا التصنيف، أهمها اللغة المعتمدة في التدريس وإنجاز البحوث في كل المستويات الجامعية، وخاصة النشر العلمي كما وكيفا، وهناك وسائل وآليات لقياس دور الجامعة في صناعة القرار السياسي والاقتصادي، ومساهمتها في التنمية، وبطبيعة الحال الإمكانات المالية والتنظيمية وطبيعة ومستوى الموارد البشرية كلها عناصر أساسية في عملية الترتيب، ويتم قياسها بشكل مباشر وغير مباشر، بالنسبة للجامعات العربية يمكن تصنيفها إلى أربع أصناف:
الصنف الأول: ويتمثل في الجامعات الخليجية والتي تتمتع بموارد مالية هائلة، تمكنها من استقطاب بعض الأسماء العلمية مع توفير أسباب النشر العلمي، دون أن يعكس ذلك بالضرورة وجود مجتمع علمي ومشاريع بحث إستراتيجية وطنية.
وفي اعتقادي، أن هذه الجامعات تساهم في تخرج قيادات إدارية وسياسية فقط، على اعتبار أن السوق العالمي  يتيح شراء كل خدمة يحتاجها المجتمع أو الدولة، وتصنيف هذه الجامعات الخليجية ينطوي على بعض المؤشرات الجزئية تتم قراءتها بشكل مبالغ فيه كعدد النشر والمنح والإمكانات المالية التي تتمتع بها.
الصنف الثاني: يكاد يكون على النقيض من الصنف الأول تمثله الجامعات في المغرب العربي، حيث تتميز هذه الجامعات بكفاءات وطنية ودولية وبمورد بشري هائل، إذا اعتمدنا عدد الطلبة في مختلف التخصصات والشعب والمجالات،  إلا أن هذه الجامعات تعاني من ثلاثة اختلالات أساسية وهي:
-  التمزق اللغوي بين لغة التدريس "العربية" في المستوى الثانوي ولغة التدريس والبحث في الجامعة متمثلة في الفرنسية، ولغة النشر العلمي متمثلة في الانجليزية.
-  ضعف الموارد المالية وخاصة المتعلقة بالبحث العلمي، مع اعتمادها بشكل كلي على المال العام.
-  التشتت وضعف التركيز في قضايا البحث، ومجالاته العلمية، إذ تشتغل هذه الجامعات في كل شيء بدون أثر يذكر، أو تركيز أو تميز، بل أحيانا تشتغل في بحوث ليس لها أية علاقة بالقضايا الوطنية، (الاقتصادية والاجتماعية)، فتبقى مجموعة من الكفاءات موجودة جغرافيا داخل الوطن لكن اهتمامها وعطاءها العلمي خارجه، فهي في حالة هجرة دائمة لعقولها.
الصنف الثالث: وتمثله الجامعات المصرية والأردنية، وهي تعاني من نفس المشاكل وبشكل أشد حدة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أجور الموارد البشرية، إلا أن إشكال اللغة أخف عندهم لكونهم يعتمدون لغتين فقط العربية والانجليزية، من هنا كان تصنيفها أحيانا أفضل من الجامعات الموجودة في المغرب العربي.
الصنف الرابع: وتم القضاء عليه والإجهاز على تجربته، ويتمثل في التجربة العراقية، والتفصيل فيه قد يبعدنا عن الموضوع.
وكخلاصة للجواب على سؤالكم يمكن أن نقول أن أسباب وعوامل التصنيف مركبة ومتعددة ومتداخلة لا يمكن إرجاعها إلى سبب أو سببين، لما يعرفه الواقع العالمي من تعقيد وتداخل، إذ الجامعة جزء و مكون من واقع الكلي. ولاشك أن الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية واللغوية ساهمت في الترتيب والتصنيف للجامعة المغربية.
 تسود موجة  اليوم في العالم العربي، تدعو إلى تحويل الجامعة إلى مؤسسة للتكوين المهني على حساب التكوينات الأساسية، بحجة ربطها بالمحيط السوسيو اقتصادي، كيف تقيمون هذا التوجه؟ وما  آثاره المرتقبة على وظيفة ورسالة الجامعة؟
 من أساب كثير من الفشل في العالم العربي، أننا ننشغل بالإجابة على الأسئلة المتعلقة بكيف دون القدرة على صياغة الأسئلة المتعلقة بـلماذا، فالمنطق والعقل  يقتضي أن يكون مطلب التكوين المهني ضمن استراتيجية وطنية شاملة، فلا يعقل ولا يتصور أن نتحدث عن جنود دون ضباط، كما أننا لا يمكن أن نتصور وجود تقنيين دون مهندسين، أو مهندسين دون باحثين وجامعيين،  كما أننا لا يمكن أن نكتفي بتكوين ممرضات وممرضين دون أطباء، ولا يمكن أن نتحدث عن مرشدين تربويين دون خبراء وباحثين في هذا المجال، ولا يمكن أن نتحدث عن مدرسين وأطر تربوية دون كفاءات وطنية في مجال علوم التربية، وهكذا، فلا يمكن أن نتصور قاعدة عريضة من الخبرات والكفاءات الوسيطة دون أطر عليا، صحيح وأكيد أن هناك اختلال في قاعدة التناسب بين عدد الكفاءات العليا والأطر الوسطى والأطر التقنية، بل وعدد اليد العاملة والمؤهلة،  بحيث أننا كلما اتجهنا إلى المستويات العليا إلا وقل العدد وكلما اتجهنا إلى المهارات التقنية والمباشرة إلا ووجب ارتفاع عدد التكوين والمتخرجين، فحل هذه المشكلة لا يشترط ولا يتطلب خلق مشكلة أخرى إذ لو ذهبنا في  سياسة  تجفيف منابع الأطر العليا والكفاءات الوطنية، فسيؤثر ذلك مستقبلا على الاقتصاد الوطني والتنمية الشاملة، بل لن أبالغ إذا قلت إن غياب أطر وكفاءات وطنية سوف يؤثر على استقلالية القرار الوطني، ويقلص من  السيادة الوطنية على المدى المتوسط والبعيد في عدة مجالات، إن سياسة تجفيف منابع الأطر العليا، ستفرض علينا مستقبلا استدعاء هذه الكفاءات والخبرات وبرواتب عالية وعملة صعبة. إن دور المحيط السوسيو اقتصادي مهم جدا يجب أخذه بعين الاعتبار، ونحن ندرك أهمية الكفاءات التقنية التي لا تشترط مستوى علميا عاليا،  ويمكن   تحقيق ذلك  دون   تقليص عدد الكفاءات العليا، مع العلم أنا لازلنا نعاني من نقص في المهندسين والأطباء إذا ما اعتمدنا المعاير الدولية كما أننا لا زلنا دون تغطية بعض المجالات المتعلقة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية التي أصبحت أساسية ومفاتيح لمعرفة حاجة المجتمعات و تطلعاتها المستقبلية، إذا ما تم التركيز فقط على التكوين التقني المحدود جدا فعلى سبيل المثال لا يمكن تطوير المجال الفلاحي في الدول العربية التي تعتمد عل الفلاحة فقط بمجموعة من التقنيين، فالمغرب مثلا في حاجة ماسة إلى جامعة علمية متخصصة في البحث في موضوع  الفوسفاط  من كل جوانبه و القضايا الاستراتيجية المتعلقة به، وليس فقط إلى تقني يشغل هذه الآلة أو تلك على أهمية دوره ومهمته، وأنا أشتغل في كلية العلوم والتقنيات ولا معنى لمؤسسة تقنية إلا ضمن نسق وسياق علمي، بل إن الجانب التقني يستفاد منه عند التمكن العلمي، ومن شروط توطين التقنيات أنه لا بد من الاستيعاب العلمي لها بل إن الخبرة التقنية، ما هي إلا أشكال من الإنتاج العلمي، وهي قابلة للتطوير والتغير بوتيرة سريعة يسهل استيعابها في بيئة علمية أو في بيئة تتمتع بثقافة علمية كحد أدنى.
 من أكبر المعضلات التي تواجه التعليم الجامعي في العالم العربي قضية التعليم الجامعي الخاص، وتوطين العديد من الجامعات الغربية على أرضيته،  في نظركم ما الآثار التي يمكن أن تنتج على عدم وجود استراتيجية ناظمة في هذا الاتجاه؟
 يحيلنا السؤال عن التعليم الخصوصي على أربع إشكالات أساسية وهي:
أولا: يجب استحضار دور الجامعة المغربية في صناعة النخب الوطنية وفي مساهمتها في بناء الدولة الوطنية الحديثة والديمقراطية وتطوير مؤسساتها، كما أن هذه الجامعة ساهمت في استقلال قرار البلدان العربية وحماية سقف سيادتها،  ذلك أن الجامعة ليست مواد تقنية صرفة، بل هي حالة ومنظومة فكرية وثقافية واجتماعية وسياسية تساهم في بناء وخلق انتماء جماعي، ومن  يتحدث عن الجامعة كمؤسسة تسلم شواهد وتمكن من مهارات وخبرات فهو لا يعي  دور الجامعة في بناء  الشعور الوطني، والهوية الثقافية والدينية والوطنية، والانتماء إلى حيز جغرافي ثقافي تاريخي، وإن فتح الباب أمم الجامعات الخصوصية، دون أفق استراتيجي تسطره الدولة ومؤسساتها، والنخب الفكرية والعلمية والوطنية، ودون ميثاق وطني، وقواعد عمل متعلقة بهذا الموضوع، سيخلق أو يساهم في تفكيك الكثير مما يجمعنا، بل سنصبح مع الزمن مجتمعات داخل المجتمع، (نموذج الجامعة الأمريكية في بيروت)، مما يترتب عنه مجموعة من القضايا والإشكالات المستعصية والشائكة.
يجب أن نعي بالمخاطر المرافقة للجامعات الخصوصية والناتجة عن وجودها، فقدوم أفراد تخرجوا من هذه الجامعات، ليس له نفس الأثر في وجودها على التراب الوطني. فبدون إطار أو استراتيجية مسيجان لهذه الجامعات، ومحددان لدورها ووظيفتها ستكون له عواقب سلبية على البنية الاجتماعية  للدول العربية. إن من يضع برامج الجامعات وخاصة  ما يتعلق بالعلوم الإنسانية والاقتصادية والقانونية ليسوا هواة أو أصحاب مشاريع اقتصادية صرفة، وإنما من وراءها مراكز وخبراء وبرامج تملك من التأثير على المجتمعات الشيء الكثير، والترخيص للجامعات الخصوصية بموارد بشرية ومالية ليس مشروعا اقتصاديا لتخفيف العبء عن الدولة، وإنما هو مشروع مجتمعي يرخص له ضمن مجتمعنا التاريخي والثقافي، وبالتالي فالوعي بالنتائج أساسي وضروري قبل وعند اتخاذ القرار.
ثانيا: لا بد أن نتساءل هل سيأخذ التعليم الخصوصي المجال التقني الذي يسهل على  خريجيه إيجاد فرص الشغل (منطق الربح والمردودية والإقبال)، وستترك المجالات الأخرى للقطاع العمومي، بمعنى آخر إن الدولة ستتكلف بالتعليم (غير النافع)، وأن القطاع الخاص سيأخذ المجالات الربحية، سيقول قائل إن جزءا من المواطنين يبعث بأبنائه إلى إتمام دراستهم في الخارج وبمبالغ عالية. والإجابة عن هذا الإشكال  أعتقد أننا  نملك فيه أكثر من حل وليس فقط هذا الخيار كما لا أتصور غدا أنه سيكون هناك تعليم خصوصي في مجال الفلسفة والتاريخ والجغرافية والأدب والشريعة. بمعنى آخر أننا لحد الآن نخلط بين الجامعة الخصوصية بالمعنى الأمريكي الذي تتميز فيه بتدريس العلوم السياسية والعلوم الإنسانية والإعلام لصناعة النخب، وبين الجامعات الخصوصية التي تمكن من خبرة لكسب العيش، ومزاولة مهنة يحتاج المجتمع إلى خدماتها.
ما أريد قوله، أن الوعي بالمهمة والدور الاستراتيجي الذي يمكن أن  تقوم به الجامعة الخصوصية لازال لم يكتمل لدى كثير من المسؤولين في وطننا العربي، وبالتالي فغياب رؤية واستراتيجية وعقد اجتماعي  وميثاق وطني حول هذه الجامعات،  قد يعجل بإخراجها إلى الوجود بشكل مشوه، ودون إضافة نوعية وبسرعة سيترتب عنها من المشاكل ما لا حصر له، بل ستهدد الجامعات الوطنية في وجودها تحت عدة مبررات، أقلها الجودة والمردودية، فنحن في المغرب لازلنا لم نستنفذ كل الخيارات والحلول في إعادة دور الجامعة العمومية وتمكينها من القيام بواجبها، ومسؤوليتها كما أنني أخشى أن تقوم الجامعات الخصوصية باستنزاف الموارد البشرية للجامعة العمومية، وما تجربة التعليم الابتدائي والثانوي منا ببعيدة.
ثالثا: كيف وبأي معيار سيتم إعطاء رخص للجامعات الخصوصية في مجالات جد حيوية واستراتيجية، متعلقة على سبيل المثال بحياة المواطنين ككلية الطب أو الصيدلة أو الهندسة المدنية؟، إن مثل هذه المجالات وغيرها نظرا لحساسيتها وخطورتها، سيكون من العبث وضعها في مجال القطاع الخاص دون تحديد رؤية وطنية واستراتيجية مندمجة لمشروع التعليم الجامعي الخصوصي، تضعنا أمام صورة واضحة وأهداف عملية وتجنبنا مشاكل مستقبلية لا حصر لتعقيداتها وآثارها، أقلها شراء الشواهد وانتشار نوع من الفساد العلمي والمهني.
رابعا: قبل انطلاق التفكير في مشروع الجامعات الخصوصية هناك جملة من القضايا الأساسية والتقنية متعلقة بهذا الموضوع، أذكر منها شروط الولوج وطبيعة الاختبارات للاجتياز الامتحانات، والجهة المشرفة عليها، وكم نسبة الطبقة الفقيرة المتفوقة دراسيا التي سيتم احتضانها في هذه الجامعات؟ إن هذه الأسئلة وغيرها لا نعتبرها أسئلة نظام وتقنية فقط، بل تدخل في صميم الموضوع، فلو سلمنا أن الدولة ستحدد الجهة والأطراف الوصية أو المرتبطة بهذه الجامعات وقواعد العمل والإطار القانوني والتنظيمي فسيكون آنذاك قد وضع الأمر على الطريق الصحيح.

تختلف رؤى واستراتيجيات الدول لقضية البحث العلمي، فبينما تتخصص بعض الدول في قضايا بعينها، تحرص دول أخرى على جعل البحث العلمي خادما للقطاعات الاقتصادية التي تبرز في هذا البلد، فيما تتجه غالبية الدول العربية إلى جعل البحث العلمي  يتناول كل شيء ولا يفضي إلى أي شيء، في نظركم أين الخلل في هذه الرؤية؟ وما الاستراتيجية التي ينبغي للبحث العلمي في العالم العربي أن ينتهجها؟ وما أفق التكامل بين الدول العربية في هذا السياق؟
 من المهم جدا الوعي بأن البحث العلمي فعل تراكمي، وأن توطين البحث العلمي يعبر عن حالة متقدمة للدول والشعوب وبالتالي ليست عملية محدودة في الزمن. ولا نمتلك قرارا إداريا لإنجازها،  من هنا يمكن أن نقول أن الدولة جزء أساسي من تحديد استراتيجية البحث العلمي ومجالاته، لكن للحقيقة والإنصاف، فإن البحث العلمي في الغرب وفي كثير من الدول المتقدمة محتضن من طرف القطاع الخاص ورجال الأعمال وكبرى الشركات الوطنية والدولية (ينفق عليه بالملايير جامعة هارفرد نموذجا)، بمعنى آخر أنه خيار مجتمعي وقضية تحظى بالثقة من مختلف الفاعلين والمؤسسات،  كما أن البحث العلمي رسخ قواعده وثقافته ومبادئه في هذه البلدان، بمعنى أننا أصبحنا أمام مجتمع البحث العلمي الذي يتمتع بأعراف وتقاليد خاصة به، لقد أصبح لديهم ما يشبه الوقف عندنا فيما يتعلق بالبحث العلمي، بينما يعاني البحث العلمي عندنا  هذا المجال من عدة عوائق واختلالات يمكن أن نذكر منها اعتماده كليا على إمكانات الدولة، وهي إمكانات مهمة إلا أنها غير كافية، مع غياب منطق الاستثمار في هذا المجال وضعف الثقافة الدينية في دعم البحث العلمي، إذ لا يشعر المواطن أن بناء جامعة أو مختبر لا يقل أهمية عن بناء المسجد، يضاف إلى ذلك تشتت الأطراف و الجهات وتعدد المتدخلين في عملية البحث العلمي، وفي نظرنا فإن القيام بمناظرة وطنية تجيب على ثلاث أسئلة جوهرية يمكن أن تكون مدخلا مهما و أساسيا وهي:
أ‌- ما هي المجالات ذات الأولوية الوطنية في موضوع البحث العلمي؟
ب‌- ما هي السبل الكفيلة لخلق الجامعة كمؤسسة موحدة؟
ت‌- كيف يمكن أن نبني شبكة متكاملة في قضايا البحث العلمي؟
متحررين نسبيا من إكراهات  التخصص بحيث نستطيع أن نؤسس فرقا علمية متكاملة ومنسجمة ومتعاونة، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي العربي أو في اتجاه دول الشمال والاستفادة منهم قدر الإمكان والمستطاع، ضمن استراتيجية وطنية.
 من بين الإشكالات التي تواجه إصلاح منظومة التعليم الجامعي، الإشكال اللغوي، وبخاصة لغة البحث العلمي،  كيف تقيمون الخيارات المطروحة في هذا السياق؟ وما هي الرؤية التي يمكن  اعتمادها لجعل اللغة رافعة أساسية للبحث العلمي؟
 في اعتقادي أن ما يرهق كثيرا من البلدان العربية مثل المغرب ليس تعدد الخيارات، ولكن عدم الحسم فيها، مما يجعل معظم قضايانا مفتوحة إلى اللانهاية، إن سؤال اللغة لن يحظى بإجماع وطني، لأن كل فريق يملك حججا ومبررات موضوعية، ولذلك، في نظري أنه آن الأوان لفتح الفرص والخيارات وجعل الجامعة تملك استقلالا في المواد ولغة التدريس وفتح الآفاق أمام الطلبة المغاربة للاختيار اللغة التي  يريدون إتمام الدراسة بها، ويمكن أن نبدأ ببعض التجارب الفضلى والناجحة في هذا المجال، طبعا لا يشك أحد في موقع اللغة الانجليزية وهيمنتها على البحث العلمي، إذ لا ينشر الباحث الفرنسي إلا بهذه اللغة إذا أراد أن يقرأ بحثه ويطلع عليه، لكن القفز بسرعة وحرق المراحل في فرض لغة مهيمنة  لا يخلو من مخاطر ومنزلقات، خاصة إذا دخل البعد السياسي والثقافي على الخط، وبالتالي فنحن نحتاج إلى مرحلة وسيطة تبنى على إرادة الاختيار والتنوع وإتاحة فرصة الاختيار مستقبلا.
 إذا شئنا أن نتحدث في نقاط عن مقومات الإصلاح الجامعي في الوطن العربي، ما هي العناوين الكبرى التي تقترحونها في هذا السياق؟
 تزخر رفوف الوزارات بعدة مشاريع للإصلاح الجامعي في العالم العربي، وهي ظاهرة تكاد تكون عالمية، بيد أن كل إصلاح يقتضي ثلاث محطات:
أ‌- قراءة علمية متأنية للرصيد والتجربة الجامعية والاستفادة من مكتسباتها، لأنه وكما سبقت الإشارة إليه  فإن الجامعة فعل تراكمي إذ لابد من استثمار هذه التجربة والرصيد العلمي والمعرفي.
ب‌- صياغة أسئلة أساسية ومؤسسة لدور الجامعة مستقبلا، بمعنى أن تكون الجامعة مركزا لصناعة القرارات كما هو معمول به في الدول المتقدمة، فالجامعات في هذه الدول تحال عليها كل القضايا الاستراتيجية ومنها الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بل والتوقعات المستقبلية باعتبارها شريكا يشتغل بوسائل وأدوات وإمكانات هائلة ثم إن طبيعة موارده البشرية غالبا ما تتمتع بقدرات، وتخصص يمكن من أفضل الحلول ويمد بأحسن الخيارات.
ت‌- قيام كل الأطراف المعنية بالإصلاح الجامعي وبشكل تكاملي تشاركي حسب الموقع والمسؤولية  بالمهام المنوطة بها، مع الوعي بأن الجامعة ثروة وطنية يعتبر الاستثمار فيها استثمارا في المعرفة وخلق شروط الاقتصاد المعرفي الذكائي.
 لنرجع إلى مشكلة التمويل، والتي تعتبر قضية مفصلية في رسم توجهات الإصلاح الجامعي في الوطن العربي، كيف تنظرون إلى التمويل الأجنبي، وهل يمكن  للدول العربية أن تنجح في مسار إصلاح منظومة التعليم الجامعي بالتمويل الأجنبي؟
 لا يمكن أن نتصور بحوثا علمية جادة دون تعاون علمي وشراكة وتمويل، فالدول الكبرى أصبحت لديها طرق  وسائل وخبراء في البحث عن تمويل مشاريعها العلمية، وهنا تتجلى إحدى الأوجه المشرقة في العلاقات الدولية، فنحن لا نتصور بحثا علميا حول داء السيدا أو قضايا البيئة أو حماية الأطفال من كل أنواع الاستغلال إلا في إطار شراكة دولية تمويلا وتخطيطا وتفكيرا، إن المشكلة لا تكمن في التمويل، بقدر ما تكمن في إقناع الآخرين بتمويل مشاريع تدخل ضمن اختياراتنا واستراتيجيتنا، فالباحث العربي الذي سيقنع اليابانيين بالتعاون في دراسة  التصحر وطرق حماية شجرة النخيل أو أرغان، على سبيل المثال، سيكون دبلوماسيا ناجحا قبل أن يكون باحثا بيولوجيا، ومن سيقنع مراكز البحث والعلوم السياسية والثقافية في أوروبا أن الدراسات الفقهية والاجتهاد في الفقه المالكي في إطار الإجابة على قضايا  الناس الروحية والدينية بالغرب، هو الأنسب لحياة المسلمين بأوروبا كامتداد لتجربة الأندلس الحضارية التي تعايشت فيها ديانات التوحيد، وأنتجت حضارة وثقافة وعمران، سيكون باحثا موفقا وعالميا في تفكيره وتصوره و قيمه.
إن منزلق التمويل يكمن في أمرين:
المنزلق الأول: هو أن مجموعة من البحوث هي أقرب إلى التجسس على الدول والشعوب ومقدراتها وإمكاناتها أو هي مقدمات الاجتياح الاقتصادي والثقافي والفكري أو أحيانا الروحي، والفصل بينهما يغيب عن كثير من المتعاملين في هذا المجال، خاصة ما يتعلق بالدراسات الاقتصادية والاجتماعية.
المنزلق الثاني: أننا قد نخرج من عملية البحث العلمي بالفتات، بحيث يتم استغلال الموارد الجامعية البشرية والمادية العربية، وأن المنتج يستفيد منه الآخر كليا ولا يبقى لنا أي شيء في الجامعة المغربية، اللهم إذا كان القصد هو التدريب على إنجاز البحوث، من هنا فإن لا خوف على التمويل الأجنبي أو المشترك ما دام هناك وعي واستراتيجية تحكم هذا المجال، وهو ما سبق أن أشرت إليه من قبل.
 يلاحظ في مسار منظومة التعليم أن  هناك تمايزا ملحوظا بين درجات الاستقطاب والأهمية للشعب المدرسة في الجامعات المغربية، إذ تحظى التخصصات الطبية والهندسية والمعاهد العليا بأعلى الاستقطابات، تتلوها التخصصات الاقتصادية والتقنية، وتأتي في آخر اللائحة التخصصات الأدبية والاجتماعية، فهل اختلاف وتيرة الاستقطاب في منظومة التعليم الجامعي يرجع إلى طبيعة هذه الشعب أم إلى السياسة التعليمية؟ وما الآثار التي يمكن أن تجنيها منظومة التربية والتكوين من جراء تهميش العلوم الاجتماعية والدراسات الإسلامية؟
 هناك عدة أسباب تراكمت وتفسر ذلك، أولها أن نظام الحماية الفرنسي وضع ذلك التقسيم النكد حين أعتبر العلوم التقنية هي الأهم ثم  تليها العلوم الإنسانية وأخيرا كل ما يتعلق بالتراث والعلوم الشرعية، وكان من مصائب ذلك أننا همشنا مجالا لا يمكن تطور المجتمعات بدونه، وهو مجال العلوم الإنسانية وخاصة الفلسفة، كما أن الأمر زاد إرهاقا حين اعتبر التعليم الأصيل، كفضاء لاستقبال التلاميذ الذين لا يصنفون كعلميين أو أدبيين بمعنى الذين هم على حافة الفشل الدراسي، مع العلم واليقين أن العلوم الإنسانية  الشرعية تؤثر في السياسات العمومية، والأدهى من ذلك أنه تم تهميش تدريس قواعد الفنون وعلومها، مما شوه كثيرا من الذوق وعطل الإبداع في ميادين فنية كثيرة، كالمسرح والسينما والأدب والقصة والشعر والرسم.. ومما ساهم في تعميق الفجوة هو إصرار الطبقة المتوسطة والمتعلمة على توجيه أبنائها الى العلوم التقنية باعتبارها صمام أمان لمستقبلهم، كل هذه العوامل ساهمت في التأثير والاستقطاب لمؤسسات دون أخرى يضاف إلى ذلك أنه لا يزال هناك خصاص في المجالات التي أشرتم إليها سابقا، وأعتقد أنه آن الأوان إلى رد الاعتبار إلى هذه المجالات، أي العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم الإسلامية، وإن كان المغرب قد سبق كثيرا من الدول العربية في دعم المعارف الإسلامية وتنظيم حقلها المعرفي من خلال مجموعة من مؤسسات علمية كدار الحديث الحسنية وجامعة القرويين وأعاد الدور للعلوم الإنسانية وخاصة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، غير أن الطريق لازال شاقا و طويلا في هذا الموضوع.
ويمكن أن نقول أننا ورثنا وضعا خاصا في السياسة التعليمية وكرسناه للأسباب السابقة، يضاف إلى ذلك، أن سنوات السبعينات وحتى حدود الثمانينات كانت الدولة تنظر إلى مجال العلوم الإنسانية والاقتصادية بعين الحذر والريبة وتعتبرها مواد التغذية الفكرية للمعارضة السياسية، الأمر الذي تغير الآن بشكل جدري، وأصبح غير ذي معنى في عصرنا الحالي، على اعتبار أن هذه الجامعات تشكل الوعي العام للمواطنين، وتساهم في بناء الطبقة المثقفة والفكرية، بل فضاء للنقاش والاهتمام بالشأن العام، ولم يعد هناك من يتصور وجود للتنمية الشاملة دون هذه المؤسسات، مما يشترط مستقبلا الاهتمام بها ودعمها نظرا لدورها الرائد في تطوير وتحديث البنية الفكرية والعلمية والثقافية للطالب المغربي.
 يلاحظ في الآونة الأخيرة اهتمام كبير في الجامعات الغربية بالعلوم الاجتماعية، بل بعض الدول العربية مثل قطر  والإمارات صارت تركز على الرفع من منسوب هذه العلوم، ما هو تفسيرك لهذا التوجه، وهل تتوقع أن تسير الدول العربية في هذا التوجه؟
 يعيش الإنسان المعاصر نوعا من الإرهاق والإجهاد، وصعوبة التقاط أنفاسه، وذلك لثلاث خصائص مميزة لهذا العصر، وهي التسارع واختصار المسافة وكمية المعلومات التي يمكن أن يطلع علها يوميا، بحيث يستطيع الإنسان أن يتناول فطوره في إحدى دول أوروبا ووجبة الغذاء بأفريقيا، ويمكن له أن يتعشى ليلا بآسيا، هذه الرحلة الدالة على ما أشرت إليه، حولت البنية النفسية والاجتماعية للإنسان بشكل عنيف، وأحيانا مرهق وقاس جعلت العودة إلى هذه العلوم والمعارف أمر ضروري يضاف إلى ذلك تدخل التكنولوجيا الرقمية ووسائل الاتصال والتواصل بشكل مكثف في الحياة اليومية للمجتمعات، مما ترتب عنه أوضاع ثقافية وفكرية جديرة بالدراسة والبحث. بل أكثر من ذلك، أصبحت الحياة الافتراضية والذكاء الآلي وعوالم السيبرنتيك مؤثرة جدا، وتشكل واقعا أقوى أحيانا من الواقع المادي الفيزيائي،   كل ما سبق جعل الاهتمام بالعلوم الإنسانية آفاقا مستقبلية للإجابة على قضايا ومشاكل غاية في التعقيد، لم يسبق للبشرية أن عرفتها، والاهتمام المبكر من طرف الجامعات العربية سيساهم ولا شك في المد بصورة علمية وواقعية على الشخصية العربية ككائن اجتماعي ثقافي وسيساعد على إدراك طبيعته وحاجياته ومساعدته على تحقيق حيات تليق بكرامته وتاريخه.

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.