حواس حروف: الكتابة خارج الأبجدية 1/2

ليتنا نعي تأثر الهواء بما نقول. (لاتح ص. 118)..هل أن عبد الحميد الطائي وهو يواصل رحلته مع مخلوقاته الحروفية صوفي يرتدي خرقته ويولل في الطرقات يقدم لنا نصوصا صوفية تمتاز كما يقول الناقد ناظم عودة بجملة من المحددات النوعية لأنها نصوص مكاشفات تؤمن بقدسية الحرف الى الحد الذي يجعله متحدا بالذات الالهية، على نهج الحلاج وابن عربي؟ أم تراه فيلسوفا؟ أم مجرد حروفي يتلاعب بمعجمه الحروفي؟ طلسمي أو مُطلسم؟ أتراه شاعرا أوهم الكثيرين بأنه درويش أو ساحر؟ لكنه بالتأكيد من أشد الناس تعلقا بالحياة الحقة وبالمحسوس الموهوب ومن أكثرهم شبقا بالحرية المُلزَمة. وهل سنظلم حواس حروف، ان أطرناه بإطار الحروف وحواسها، وهي الثيمة الاساسية في الاجزاء الاربعة التي صدرت عن دار الفكر في دمشق حتى الان، على الأقل هذا ما يصرح به المؤلف، وما يدور حولها (أي الحروف) من جماليات خاصة على المستوى الرمزي. ان بعض نصوص حواس حروف في واقعها اساطير يكتبها عبد الحميد الطائي مستفيدا من خبراته الحياتية من قراءات وتجارب، وحتى نفهم هذه النصوص لابد لنا من تعريف الاسطورة اولا... حين تذكر الاسطورة، تتبادر الى الاذهان، مفاهيم الخرافة، والاباطيل، والسحر، واللامعقول والاهم من كل ذلك، الماضي, "هذا الماضي يفهم في حاضرنا على أنه لا شيء لنا مما كان لنا" كما يقول المؤلف في مقدمة لاتح.
وصار الحديث عن الاسطورة اليوم مع التقدم العلمي الواسع الذي حققه الإنسان من المفارقات المدهشة (موسوعة اساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها، د. محمد عجينة) ـ أو أنها جليسة المرضى العصابيين وحدهم، كما يرى فرويد ـ فاليوم لا توجد اسطورة حقيقية فاعلة على نطاق واسع في الحياة الفكرية والروحية والادبية للثقافات الحديثة، ولم يبق من الاساطير الا تأثيرها المتجسد بالنزوع الاسطوري المتجذر في السيكلولوجية الفردية والجمعية. (الاسطورة والمعنى، فراس السواح). إن هذه الآراء تلخص موقفين من الأسطورة، أولهما: المفهوم التقليدي المحدود للأسطورة المتجسدة في النصوص الملحمية، وثانيهما: الانبهار لحد الدهشة بالتقدم العلمي والتكنولوجي، الكفيل بتحقيق التقدم اللامتناهي، وإن أدى الى سحق الانسان، وإخراجه من دائرة اتخاذ القرار، وجعله مفعولا، لا فاعلا في التاريخ. يقول آرنست كاسيرر إننا في هذا العصر، وليس في هذا القرن ـ ومن حيث ندري ولا ندري ـ ترتدينا الاسطورة أونرتديها. فلقد كتب على عصرنا التقني النهوض بفن أسطوري جديد، بل أصبح من الميسور صنع الاساطير على نفس الوجه الذي يتبع صنع أي سلاح. (الدولة والاسطورة، ارنست كاسيرر). الأسطورة نسق لا زماني كما يقول توماس مان وهي لا زمانية في كونها أبدا حاضرة, كتذكير دائم بالعود الأبدي للشيء نفسه.
وأدونيس يراها دفئا للعقل والروح. وقال الشاعر الفرنسي، باتريس دولاتور دوبان: (الشعب الذي لا أساطير له يموت من البرد) وأضاف ادونيس موضحا: خصوصا برد التقنية الآخذة في تدمير طفولة العالم. واللجوء الى الأسطورة يعني العودة في البحث عن الينابيع الأولى في التجربة البشرية, لكن هذه العودة, كما يقول أحد الباحثين (د. محسن أطيمش في كتابه دير الملاك) ليس حلية جمالية تضاف الى العمل الشعري بقدر ما هي عامل أساسي يساعد الأنسان المعاصر على اكتشاف ذاته وتعميق تجربته ومنحها بعدا شموليا وضرورة موضوعية تستطيع النهوض بما تمتلك من طاقات متجددة بعبء الهواجس والرؤى والأفكار المعاصرة, وهي أي الأسطورة واقع غير ملحوظ بلغة الظاهرة الملحوظة, كما يقول شتراوس لأنها فضاء طاف مجرد وغير ثابت, فضلا على أنها متحررة من الضوابط والقوانين الأمر الذي يجعل منها منطقة جذب تعفي الشاعر من التقييد والالتزام لأن للأسطورة من الخصائص حسب رأي شتراوس ما يجعلها قريبة من الأحلام والحكايات الخرافية.
لكننا ولغايات ترتبط بأهداف المقالة سنحصر حديثنا عن الأسطورة بالمنهج اللغوي البنيوي. يقول رولان بارت في تعريف بنيوي للأسطورة استقاه على ما يبدو من ثنائية لغة /كلام التي جاء بها فيرديناند دي سوسير (مؤسس علم اللغة الحديث) ان الاسطورة نوع من الكلام يرتبط بالدال والمدلول والعلامة، ينتقل من الواقع الى المعنى الكامن في الحلم، وهي نظام مزدوج يحدث فيه نوع من كلية الوجود الذي تجتمع فيه الفكرة ومعناها وصورتها. يفهم من هذا التعريف ان الكلام دال لمدلول ثان يأتي بعده محال عليه، اضافة الى كونه (اي الكلام) مدلولا لدال سابق أو يحيل عليه. قد تبدو الاسطورة ـ استنادا الى بارت ـ مرائية في طبيعتها فهي تكشف شيئا (او اشياء) وتظهر نقيضه وعناصر الاسطورة قد تكون واقعية وربما حقيقية إلا ان هذه العناصر تستخدم لتحريف الحقيقة ومسخها او حتى قلبها. على سبيل المثال يعمد بعض الشعراء الى صياغة عناصر الحدث الحقيقي لكتابة اسطورة تحتوي على عناصر الحقيقة مبعثرة وكأنها ليست هي وتقوم بوظائف غريبة عما كانت تؤديه وهي خارج محيطها الاسطوري. حيث يحلو لبعض النظم الحاكمة شراء الأساطير وتوظيفها لمصلحتها. يكتب الشاعر أساطير لمصلحة هذا النظام السياسي أو ذاك، وطبعا لمصلحته الخاصة أيضا، لذلك تتحول الهزائم والنكبات الى امجاد وانتصارات لا تنتهي. إن حواس حروف ينتمي الى شكل مختلف من الاسطورة، تلك التي تقول ما لا نريد سماعه:

لمن تكلم امام
من لا يريد أن يسمع أو يرى. (حموه يرابي .ص68)
وهذه الصورة تمنح القصائد القوة والشرعية, ويجب أن نذكر ان بارت يعتقد أن الاسطورة ليس من واجبها قول الحقيقة.
ان بعض القصائد في حواس حروف تعتمد الارخنة (توظيف الاحداث التاريخية) بشكل سيميائي يزاوج بين زمنين متباعدين, حيث يستدعي الشاعر, أو حروفه, حادثة (او حوادث) معروفة للجميع ويحاول ان يترك الزمام للقارئ لاستنتاج المدلولات المعاصرة من الدال القديم, على سبيل المثال قصيدة (جب) التي تستدعي الى البال مباشرة قصة نبي الله يوسف عليه السلام (نحن نعرف ان كلمة جب تعني البئر او الحفرة، لكننا لا نستخدم الكلمة اليوم للإشارة الى الحفرة أو البئر, وكأنها بقيت مقصورة على ما حدث ليوسف من اخوته من ظلم وحيف, والظلم وغياب العدل هما ديدن ديوان حموه يرابي). يقول عبد الحميد الطائي في ديباجة حموه يرابي "الحديث عن العدل محصلة واقع نعيشه, وللأخذ بالتعريف الحرفي للكلمة نعلم عدم تطابقها مع ميزان الحاضر، نفورنا من الظلم, وشخوصه, فطرة العدل فينا". في هذا الاستدعاء ثلاثة عناصر (سوسير يحصر الأمر بعنصرين هما الدال والمدلول، والدال بالنسبة له هو الصوت في حين ان المدلول يشير الى الفكرة او البعد النفسي وهو يعتقد ان الدال والمدلول هما مثل وجهي الورقة لا يمكن الفصل بينهما، وهما بذلك ملتصقان بعقل القارئ بحيث ان أحدهما يستدعي الاخر. الا ان الفيلسوف الاميركي بيرس تحدث عن ثلاثة عناصر هما الدال والمدلول، كما عند سوسير, والعلامة). ان كلمة "جب" تستعدي الجب في قصة يوسف والجب يستحضر معه الظلم الذي تعرض له يوسف على يد اخوته. في هذه التقنية يقف الشاعر وحرفه وهما ينظران الى الماضي (قصة نبي الله يوسف وهي واقع تاريخي قبل أن تكون واقعا قرآنيا ذكرتها التوراة، وهي دراما إنسانية شديدة الواقعية وشديدة الجاذبية، نزلت في وقت حرج عاشه صحابة الرسول الأكرم محمد صلى الله وعليه وسلم، فقد نزلت في العهد المكي، والمسلمون في وقت شدة، لا تزال تكتنفهم أجواء عام الحزن، مع ترقبهم لبيعة العقبة الأولى وما ستسفر عنه. نزلت السورة في تلك الأجواء، شاحذة للهمم، مسلية عما مضى، مبينة السبيل التي سلكها من سبقهم للخروج من أزماتهم. ففي قصة يوسف عظة وعبرة لهم، إذ مر ,عليه السلام, بأصناف من المحن والابتلاءات، ثم خرج منها جميعاً بتوفيق الله عز وجل. وفي الوقت نفسه تعيش أمتنا اليوم وقتاً حرجاً من تاريخها، خاصة بعد عودة عصر الاستعمار، الذي ولى، كنا نعتقد، بلا رجعى) والحاضر بعيون مليئة بالحيرة لمن اكتفى بدور المتفرج .... "لمن أغمض عينيه وأصم اذنيه وشلت يداه عن الايفاء بالكيل ونطق متثاقلا" (حموه يرابي. المقدمة).. لم ير القراء يوسف الا انهم شعروا به خلال حروف الشاعر (هل هي آنانه؟) الذي يتقلب على جمر التوقعات المحبطة... "الظلم ان ساد بدار، فلأن مترفيها تجاهلوا الامر بالعدل بينهم وفسقوا في شأنهم." (المصدر أعلاه). لقد اراد الشاعر ان يقول ان محنته مع حرفه اليوم قد تكون أكبر من محنة يوسف مع اخوته. ان العودة الي قصيدة نطق صامت (حموه يرابي ص 68-71) (وهي الوحيدة التي انفلتت من عقال الديوان ووضعت نفسها في مكان ليس مكانها ، حسب الترتيب الابجدي للقصائد فجاءت وكأنها كتابة خارج الابجدية اي ابجدية الديوان) , تعطينا صورة واضحة لمعاناة الشاعر مما آل اليه حالنا هذه الأيام, فنحن حرمنا سماعه (أي العدل) في أروقتنا وبرضانا و :
العدل: لسان
فاق وصفه جورا
يفسر كما يشتهي
غرورا .
وضاع العدل لأننا فقدنا الصبر حيث ضاقت صدورنا ضرعا به وجفت الدموع في المآقي , وعمتنا كبرياؤنا ورياؤنا عن رؤيته , وهو في النهاية :
العدل: مساواة
حق صامت نطقه..
أعينه أحق بذكره؟
لم يضطر الشاعر الى اعادة سرد التاريخ او توظيفه او تضمينه كما يفعل الشعراء عادة، انما استخدم العلامة او الاشارة التي استحضرت الحدث الاسطوري بجميع جوانبه امام القارئ الذي تمر في مخيلته وهو يقرأ القصيدة . لقد عاد به الشاعر آلاف السنوات الى الوراء وحملا معا القصة ليعودا بها الى الحاضر. ان هذا الاسلوب يخلق صورتين أو قصتين متشابهتين (يقول جيرار جينيت إن الحكاية مقطوعة زمنية مرتين... فهنالك من جهة زمن الحكي "الدال"، ومن جهة أخرى زمن الشيء المحكي "المدلول" وهذه الثنائية تدعونا الى ملاحظة أن إحدى وظائف الحكاية هي أدغام زمن في زمن اخر. أن جينيت يتحدث في كتابه خطاب الحكاية عن موضوع هام يرتبط بالعلاقة بين زمن الخطاب وزمن الحكاية، وهو مفهوم قريب من ثنائية المبنى الحكائي/ المتن الحكائي الذي جاء به الشكلانيون الروس وطوره تزفيتان تودوروف في كتابه الشعرية) في الاولى يوسف عليه السلام ضحية الاخوة وتقابلها صورة الشاعر وحروفه وقلقهما الذي لا ينقطع من اخوة لهم. "صدوا بالهوى عن الهدى" ان هذا الاسلوب مكن الشاعر من دفع قارئه الى التعرف الى الاسطورة التي احتضنت النص والبحث في تفاصيلها الدقيقة، لأنه (أي الشاعر) لم يكن مضطرا الى سرد التاريخ خاصة وان القصة مستقرة هناك في ذاكرة الجميع لانها موجودة في القرآن الكريم. إن استلهام الشاعر لروح الأسطورة لا يعبر عن مقاصده الذاتية لتأكيد هويته الشخصية فحسب, بل إن هوية الشاعر تذوب هنا ليأتي التعبير وكأنه انعكاس لوعي جمعي يجد امتداده في تلك الجذور البعيدة لأن البحث عن الجذور الأسطورية كما يقول هانز ميرهوف في كتابه الزمن في الأدب , قد لا يكون بحثا عن الهوية الشخصية بل عن توحد مع الجنس البشري عموما , وقد تنقل الأساطير حسا بالاستمرار الزمني والوحدة التركيبية الى ذات الأنسان , كذلك فإننا , والكلام لميرهوف , حين نتعرف أنفسنا في الصور الأسطورية قد يتاح لنا أيضا أن نوفق بين أنفسنا وتلك الحدود التي لا مفر منها والمفروضة من الطبيعة والمجتمع على الوضع الأنساني الأن وفي كل زمان .
لا تخرج قصيدة (حموه يرابي) عن سياق شقيقتها (جب) الا في اختلاف بسيط في تقنية المخاطبة , الا أن التشويه المتعمد في كتابة اسم الملك حمورابي (حكم بابل بين عامي 1795 - 1750 ق. م , . ومسلته الشهيرة المنحوتة من حجر الديوريت الأسود والمحفوظة الآن في متحف اللوفر بباريس ، تعتبر من أقدم وأشمل القوانين في وادي الرافدين بل والعالم. وتحتوي مسلة حمورابي على 282 مادة تعالج مختلف شؤون الحياة. فيها تنظيم لكل مجالات الحياة وعلى جانب كبير من الدقة لواجبات الافراد وحقوقهم في المجتمع، كل حسب وظيفته ومسؤوليته) الذي كان أول من سن قانون وضعي في تاريخ البشرية استهدف منها الشاعر الاشارة الى حالة التفرج التي انكفأنا اليها اليوم ونحن نرى العدل وقد تحول الى مجرد نطق صامت . لقد سافر الشاعر من جديد الى الماضي ليستدعي لنا حمورابي الذي استقر في ذاكرة العالم انها محاولة من الشاعر للتمرد على محليته التي اخذت عنوان القصيدة (حموه يرابي) للوصول الى الانسانية ولفت انتباها الى العدل الذي ضاع . ثمة شخص واقف ينظر (هل هو الشاعر أم حرفه أم حمورابي؟), ولكن لماذا؟ هل هو العجز أم القلق اللذان يعتصران الشاعر وصديقه الحرف, أم هو دهشة واستغراب حمورابي لتفشي الظلم بين أحفاده بعدما سطر لهم تفاصيل العدل والظلم منذ حوالي خمسة الاّف سنة ؟ تساءل الشاعر في عنوانه الثانوي للقصيدة :
هل يعرف المستبد ..
شيئا عن الميزان؟ (حموه يرابي ص313)
مشاعر من المؤججة؟ ومن يراقب البث الحي لانتحار كلماته؟ أنه الشاعر بالتأكيد لكنه فضل الاختباء وراء مرآة , لكنه في النهاية لن يرى الا نفسه , بالرغم من محاولته الايحاء للقراء انه يتحدث عن شخص اخر:
ساقته أقداره نحو مدرج ...
تساقطت على أطرافه , أجنحة
تجارب الانعتاق...
من رهبة التحليق , فسما .
الا ان اجواء الانتحار ما زالت هي المسيطرة, الانتحار من أجل السمو, فتراه يرنو الى صخب يومه "منذ بزوغ شمسه حتى زوالها" وهو يحاول تحاشي المفاجآت التي يخبئها الزمن بحلوها ومرها. ويبقى البطل مع ذلك يحمل الأماني التي تصبح وجعا تضغط بعنف على قلبه و"تستبيح الأمل" الذي يستدعيه البطل من أجل تفسير يريد سماعه للأحلام (أو الكوابيس) التي تراوده، انها صورة أخرى "للمتواكل الذي لن يتابع بقية مشهده فقد ارتضى العمى وتغاضى عن أحشائه" والذي التقينا به في مقدمة الديوان , والذي ينتظر الإحسان "من جيوب التخمة.." أنه كنخلة عاشت بسماد ما هو بسمادها فلن يتذوق رطبها أحد. وهو ليس من الخاصة أو العامة انما " تفنى في زمان / ليس ملكا لك .. " ولن يحس بالأمان أبدا.
تتحول الاسطورة عند الشاعر الى متاع لرحلة زمنية عبر التاريخ وهي رحلة انطولوجية تتشظى فيها الاسطورة الى صورة ومرآة (كما قال سوسير الى ورقة بوجهين) يصعب التفريق بينهما والشطران متساويان في القيمة الرمزية حيث لا سيادة للواحد على الاخر (ان حكاية المرآة وهي شكل من أشكال السرد الذاتي كما يقول د. حاتم الصكر في كتابه مرايا نرسيس , تمنح الشاعر فرصة الهروب من استخدام ضمير المتكلم وبها يروي الشاعر عن شخصية "المثل " التي تتبدى على سطح المرآة كما لو أنه يروي عن نفسه وهو يسعى الى خلق مثل هذه الشخصية عندما يشعر بحاجته الى استعادة حالة نفسية مفقودة .و بما أن الشاعر يمثل ذاتا مستقلة غير قادر على أن يتجاوزها فأنه يسبغ على الاخر (المثل) خصائص أخرى يراها مكملة لذاته و بأنشطار الأصل الى نصفين.... يواجه الأول الثاني. بتعبير أخر ينسلخ شخص عن ذاته، كما يقول أبتر في كتابه أدب الفنتازيا، و ينسب الى شخص أخر تلك الخصائص التي ينكر أنها موجودة عنده لكن بما أنه لا يزال يعترف لا شعوريا بالخصائص المسقطة على أنها خصائصه فأنه بذلك يماثل نفسه مع الاخر) . فالقصيدة تحمل حدثين أحدهما وهو الأصل مزروع التاريخ وفي الذاكرة الجمعية والاخر يرتبط بالنص الذي كتبه الشاعر وهو غير منظور ويغدو نصه مرآة محدبة تجمع كلا الحدثين والبطلين (الاسطورة والشاعر) والدليل اننا ما زلنا نعاني مثلما عاني يوسف من اخوته، من ظلم وجور حذرنا منه حمورابي في مسلته. ان ظلمة البئر التي يتحدث عنها الشاعر هي ظلمة قاسية وهي لا تختلف عن غيابة الجب التي ألقى فيها اخوة يوسف اخاهم وعادوا يبكون الى ابيهم . لكن هل من سيارة تنقذنا كما انقذت السيارة يوسف في القصة الاصلية ؟ هل اصبحنا أشباحا فلا احد يرانا ام ليس فينا مما يغري السيارة على انقاذنا فنترك في ظلمة البئر ينهشنا الخوف والانتظار ليبقى نص الشاعر واسطورته مفتوحتين على جميع الاحتمالات (القدر او الصدفة) وان خرجنا من الظلمة لكن خسائرنا ستكون فادحة .

* رئيس قسم الدراسات الانجليزية / كلية البيان / مسقط

إضافة تعليق

4 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.