حواس حروف: الكتابة خارج الأبجدية 2/2

وللطين الذي يشكل الرمز المركزي في مزاج الطين معاني عديدة تقف شاخصة أمام القارئ قبل أن يعبر البوابة الأولى للكتاب , فهو مرتبط بالخليقة الأولى ، قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ). ويستدعي الطين أيضا صور الحضارات الأولى , حيث عمد الإنسان في القديم إلى استخدام الطين لتخليد نفسه وأعماله, قال تعالى (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) لماذا ؟ فقد كان الرومان الذين يمثِّلون ذروة القدرة البشرية في تلك الحقبة الزمنية متفوقين في فنون النحت والرسم والتصوير، فكان تصوير الطين كهيئة الطير ثم نفخ الروح فيه ـ إعجازٌ يحقق هدف المعجزة، في تحدي القدرة البشرية، وإثبات النبوة. والطين يستدعي أيضا الطفولة حيث إن الطين سبب للبهجة والسعادة قبل أن يكون رمزا للحضارة، فأي من أعمار سني اللعب لم تكن تسعى نحو الطين لكي تختمر بسحر خيالات النفس العائمة في رغبات الطفولة؟ ومن منا لم ينتش فرحا وهو يتسلم دمى لعب صنعتها له من الطين يد حنون؟ أي أن الطين, المادة الأزلية, تلتقي عند ضفافها طفولتنا الشخصية مع الطفولة الإنسانية, ويبدو ذلك واضحا عند النحاتين. أنه , أي الطين ، المنبع والمنتهى . إن الطين خالد والزمن خالد أيضا وكذلك الحق والعدل, إلا أن الإنسان متحول المزاج " طين عقله عاند صلاحه فاستوحى قوانينه من عصارة وقته" فضاع القلب وتجوف الرشد وأصبح الإنسان أسيرا لزمن "لا تتغير سننه أبدا. لقد حجرت المادة (الطفرة) قلب الإنسان وعقله لأنها دخلت وبقوة معادلة البناء الفكري للإنسان, فتحول ذلك الإنسان إلى الحلقة الأضعف في تلك المعادلة بالرغم من أنه هو من ابتدعها, والسبب هو نسيان الإنسان لأصله و هذه الفكرة تجدها في "لاتح " ثم تعود من جديد في "بن" . انها الجذور (الحروف) التي تشد الطائي بقوة الى الأرض / الهوية /الفطرة وجميع الصور التي تنبع وتلتقي هناك . يقول عبد الحميد الطائي في إهدائه: من سلم تأصيل طينه....عرف الفطرة. وفي قصيدة مزاج الطين خاتمة الكتاب والتي حمل الكتاب عنوانها: من نقى طينه محمود الطباع. جاءت التشريعات (أو هكذا نفترض) لتضمن للإنسان الحق والعدل وبالتالي فهي تسمو به. إلا أن تلك التشريعات (ونحن نتحدث عن الوضعية منها) وضعت لمعالجة زلات الإنسان، أي مجرد ردود أفعال لخلل، وبما أن الخلل هو جزء من ذلك الإنسان، ستبقى التشريعات تعاقبه إلى الأبد " محن نستبلى بها /حطبها و نارها بشر ". كيف الخلاص من هذه العقوبة الأزلية؟ يطالب الطائي بالعدل والعودة إلى يقين الطين الطاهر. " وكيف تطهر الارض، ان خلت من العدل؟". فالطين يعني الطهارة وما دمنا نفتقر الى هذه الطهارة فلن نعرف العدل وتظل اللعنات و"اللنات" تلاحقنا.
وتتواصل رحلات الشاعر (المكوكية) بين الماضي والحاضر وهو يحمل في كل مرة حدثا اسطوريا يلقي به على الواقع ليزيده تعرية وانفضاحا ,على سبيل المثال في لاتح يمزج الشاعر بين حدثين الاول قد يبدو سرياليا وهو ينظر الى الحاضر العربي المبهم باللعنات واللنات " الوصايا التي ../ لن تحبذ أن تحكى في سيرة أمة ,/ تأريخها مبهم باللعنات " , وبين اساطير حفظها لنا الماضي (الانتداب الاجنبي والثورات العربية وواقعة الجمل واحتلال بغداد (الجديد والقديم) وشهرزاد وشهريار) ان الماضي اصبح دينا يحمله الحاضر فوق كتفيه . " العقل تمت استباحته بقناعة أن أمسنا سبب أوجاعنا، ان يومنا لا ثمار له " هذا ما يعلنه الطائي في مقدمته للاتح . ان كتاب لاتح كتاب سياسي بامتياز وهو يتحدث عن الأسطورة السياسية التي تحدث عنها أرنست كاسيرر : كيف استطاعت السياسة في العصر الحديث إستثمار الاساطير القديمة , مثلا ما أشار اليه إفلاطون , ولم يستبعده أرسطو , من أن الاساطير كانت ترمز الى اخضاع الفرد لمشيئة الدولة ، وصناعة أساطير زائفة لتخدم ايديولوجيتها ومصالحها ، مستغلة المشاعر الانفعالية والنزعة اللاعقلانية المتجذرة في سيكولوجية الفرد والجماعة ، وبخاصة في الظروف الحرجة ، حين يواجه الانسان مواقف خطيرة . لقد غدت الاسطورة السياسية أخطر شأناً ، وأعظم أثراً وتأثيراً ، حيث أصبح وقودها ملايين البشر ، وثمارها الدمار الشامل . عاد الينا المستعمر من جديد "طيور مزكومة " و " نفسا أمارة بالسوء / وعينها غادرة / تذبح قطيع أغنامك " والصمت العربي يطبق الأرجاء:
لن تحتاج مزامير اليأس،
لرضاب الود..
ساعة الوجع لليباس. (لاتح ص.11)
أية صورة سريالية أو خرافية يرسمها لاتح لحال العرب اليوم , فبغداد (شهرزاد) ضاقت بها الحيل أمام شهريار الجديد (بريمر)، فبغداد حبيبة الرافدين المدللة التي عاشت وهي تغسل ضفائرها بمياه دجلة والفرات منذ أن رأت النور ، اليوم بغداد
التي يحرقها جريان
دجلة, وانسياب الفرات كعرق على جبين
مستغل لزيف الطائفية لا العرقيات .( لاتح ص.37)
والعرب الذين أضاعوا الهوية أو باعوها طمعا "بوصفة طبيب زائر/ لمحميات سرطان" انتاجهم الدائم, صمتوا إلا من "عواء فكري" في دواخلهم, مثلما فعل أدبهم:
اعتلاء عرش كتابة الحدث الاني, تمتزج
فيه روائح جنة موعودة , بإنبعاث عوادم
مصانع الوهم , فيستحيل تمييز مدخل
حرفها , ومخرج جملتها , فتكون حال
القارئ كحال كاتبها وهو حاف ..(لاتح ص.39)
وانشغل الجميع " بالأهازيج المخملية " واستيقظت الدندنة المدفونة غدرا في/ وحل الرقص الأعوج " الذي أطلق العنان لذاكرة الخصر وهز الرأس , وضاع التاريخ الذي يبكيه لاتح (ص 26 ) قائلا " لا أملك من رحيق المساء/ سوى/ رشفة لشفاه جافة كلما دنا كأسي منها " , وأصبحت " الأيام تمر/ لا ذاكرة لها " واصبح تأريخنا المليء بالعبر بلا عبر لأننا ما عدنا نعتبر.
في القرن العشرين ـ وفجأة ـ اتخذت الصدارة مشكلات لم تكن معروفة لدى المفكرين السياسيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . ولعل أهم مظاهر هذا التغيير الذي حدث في الفكر السياسي الحديث، وأكثرها إثارة للفزع هو ظهور قوة جديدة، هي قوة الفكر الاسطوري . ولقد أصبحت غلبة الفكر الاسطوري على الفكر العقلاني واضحة في بعض المذاهب السياسية. بل من الناحية العملية، صار الفكر العقلاني، يستحث على الرجوع الى المراحل الاولية للحضارة الانسانية ، الى الدم والقتل والذبح على الهوية. (مذابح التاريخ / عار قديم)... الا أنها عادت من جديد:
تغرق في تفاصيل
تجهل مفرداتها ..
بمناوشاتك لكتيبة،
تحرس أسدا في قفص..
دون دراية . ( لاتح ًص.69)
هنا اعترف الفكر العقلاني والعلمي بصراحة بهزيمته ، واستسلامه لأخطر عدو له . وقد حدث ذلك على أيدي صناع مهرة " قاموا بحل مشكلة تتشابه في جملة نواحي مع مشكلة إثبات أن المربع دائرة ." إن هذا الربط الغريب بين المعقول واللامعقول ، من أهم الملامح المثيرة للدهشة في أساطيرنا السياسية الحديثة .(أرنست كاسيرر في كتابه الدولة والاسطورة). لقد شاعت في زمننا أفكار ميكافيلي وأقواله المشهورة ، ومنها إن الناس يصنعون التاريخ بصنعهم الاساطير أولاً . وكذلك دعوته الى الاعتماد على التنجيم وقراءة الطالع فهو يقول : إننا ندرك عدة أمثلة في التاريخ القديم والحديث أن المنجمين وقراء الطالع ، قد استطاعوا التنبؤ بأية كارثة كبيرة تعرضت لها أية دولة قبل حدوثها . وربما استطاعوا معرفة ذلك من بعض علامات تظهر في السماء . واعترف ميكافيلي بعدم قدرته على تفسير هذه الحقيقة ولكنه لم ينكر الحقيقة ذاتها . (كتاب الاسطورة ك.ك.راثفين ، ترجمة صادق الخليلي) إنه بهذه الطريقة ترك بصمات واضحة على نفوس وعقول الكثير :
بتأريخنا دم ..
قتلاه أحياء.
وانتشرت بين السياسين أفكار كارلايل ، التي سطرها في محاضراته التي ألقاها في 22 مايو 1840 عن الابطال والبطولة في التاريخ . والذي ساوى فيها بين التاريخ في جملته وبين سيرة الرجل العظيم ، فبغير العظماء لن يوجد التاريخ ـ وراجت أفكار جوبينو الذي تحدث عن تفاوت أجناس البشر ، وشاعت كذلك أفكار ليفي برول المؤمن من موقع المستعمر بتفوق أوروبا ـ وريثة العقل اليوناني ـ والمهيمنة على العالم آنذاك ، المعتدة بقوتها ، والمؤمن بوجود قطيعة فكرية ذهنية بين الاوروبيين ، وبين ما يسميهم الهمج . وأن من العبث البحث عن مقياس مشترك بين العقلية البدائية وعقلية الاوروبي ، لأن المجتمعات البدائية عنده تتميز بنظام ذهني ذي طبيعة أسطورية وبفكر غبي أو سابق للمنطق . كل هذا طبعاً انطلاقاً من القول بمعقولية واحدة ، هي المعقولية الاوروبية . وبالاضافة الى أفكار هؤلاء، ظهرت ـ وهذا أمر حتمي ـ شخصيات في هذا المناخ تشد الآخرين من عيونهم، وتثير دهشتهم ـ في البداية ـ كالبرق يستفز العيون ، ويوخز غرائز التوجس ، لقد كانت لتلك الشخصيات تأثيراتها الاسطورية في حياة الجماهير ، لانها كانت تتكلم إليهم بلغة الشعور والانفعال وتدفعهم الى العيش لحظات من المطلق الصوفي ، وتدغدغ النزعة اللاعقلانية المتجذرة في سيكولوجيتها حتى ترى الجماهير في إحدى تلك الشخصيات ، صفة الزعامة وقوتها ، ترى فيه أنه يمثل رغبتها الجماعية ويجسدها ، وتصبح الروابط الاجتماعية كالقانون والعدالة والدساتير بلا قيمة.
إنما الذي يستحق البقاء فقط هو التأثير الاسطوري للزعيم . وتصبح إرادة الزعيم هي القانون الاسمى , فلذا تظهر صفة القديس ، بل إن الزعيم نفسه يبدأ بالاعتقاد بأنه مقدس ، وأنه لا يخطئ في أحكامه أبداً (خوارق اللاشعور لعلي الوردي) , وهذا ما حدث لهتلر . وقد حدث قبله لنابليون وآخرين كثيرين قبلهما وبعدهما :
سور عال ..
تتناوب في حراسته ..
أعين تمتلكها
أشاعات غزو مباغت ،
لأقزام الوغى ..
عند التبادل ... دون دليل .( لاتح ص.67)
لذلك تقتضي مصالح الفئات الحاكمة ـ بالضرورة ـ إيجاد صيغة متقدمة دائماً للاستفادة من هذا الفكر الاسطوري للاضطهاد وتبرير الحالات الاجتماعية العديدة ، والتي تخص الفرد . إن أساس الفكر الاسطوري وتبلوره وانتشاره مع محاولة الاجهاز على أية محاولة يقوم بها المفكرون للرد عليه. والتشبث بالأسطورة لدى الفئات الحاكمة ، كان متنفساً كبيراً للبقاء على وجودها ، ودعمه وزيادة الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بواسطة خلق ووضع الحلول الاسطورية اللازمة التي تؤكد وتدعم ما وجد وما يوجد . وبين هذا وذاك ضاع العرب عندما أضاعوا هويتهم أو باعوها أو تجاهلوها وهم لا يدركون ان "محور الهوية/ وطن" . يقول جورج قرم (مجلة العربي الكويتية ـ أول يوليو 2008) وإلى اليوم لم يحسم العرب قضية هويتهم الممزّقة بين العقيدة الدينية كإطار جامع ونظام قيم أي ما يمكن أن يُسمّى القومية الإسلامية، وبين مفهوم قومية عروبية متمحورة حول اللغة والثقافة ووحدة التاريخ والمصير، وأخيرًا بين عصبيات قطرية يلتف حولها المواطنون لدرء مخاطر الصراع بين النوعين من القومية، الذي يمزّق الأمة ويفقدها المناعة الداخلية والخارجية. وفي اعتقادنا أن نتيجة هذا الصراع الذي أخذ طابعًا سياسيًا حادًا، قد حال دون الوصول إلى أي نوع من التراكم المعرفي حول تاريخنا وأوضاعنا ونفسيتنا الجماعية بتلاوينها المختلفة والطبيعية وإلى المنظومة الفكرية والثقافية والسياسية العربية المتماسكة، يرتاح إليها العرب إلى أي قطر انتموا، وتسمح لهم بالتعبير عن التعددية سياسية الطابع من دون تعرُّض المجتمعات إلى الهزات والعنف بين أبناء القطر الواحد.أي اننا وكما يختصرها لنا لاتح:
شاطئ وهمه
يحوي الآن
اسماك نتنة
كان قد لفظها
قاع بحره
بموجة حيض شفيف .( ص.29)
ويضيف جورج قرم "ولذلك، لقد آن الأوان لنترك جانبًا نشر عقائد هوية جامدة وحادة ومبسّطة التي تولّد حالات الضيق النفسي والتوتر والفتن، أكانت مبنية على قومية وعصبية دينية أو مذهبية الطابع، أو ثقافية الطابع، أو نتيجة تطور عصبية قطرية حادة لكي نقوم بمراجعة ضمير نقدية تتناول كل هذه السلبيات الموصوفة هنا، وذلك لاستبيان طريق تفكير جديدة تفتح الآفاق بدلاً من أن تقفلها كما هو الحال الآن. وفي ماضينا، البعيد كما القريب ـ كعرب من أقطار مختلفة، أصبح كل واحدة منها واقعًا لا يمكن التغاضي عنه ـ مخزون ثمين من التفكير النيّر، دينيًا كان مصدره أم مدنيًا وفلسفيًا، والتجارب، ومنها المرّة ومنها البرّاقة، لكيْ نعيد إنتاج فكر إبداعي جديد ومتكيّف مع الزمن الحديث الذي نعيش فيه، والتحديات العملاقة التي علينا أن نواجهها بكل جرأة. لكن، لكيْ نواجه بفعالية التحديات لابدّ من أن يكون في أيدينا سلاح فكري فعّال يمكن أن يولّد واقعًا فكريًا مجتمعيًا جديدًا في كل قطر عربي، وتضامنًا بين الأقطار العربية في معمعة النظام الدولي الحالي." واختصرها صاحب لاتح بقوله في المقدمة " كنا أقوياء وبتنا ضعفاء ، و(لا) مستقبل لنا حتى نعود لمعنى كان ، كي نكون ".
لن تحرف قولا التقطته أذنك،
بانشطار كلمة سمعتها مصادفة
وإن كانت بهتانا عظيما.(لاتح ص.21)
ويبكي عبد الحميد الطائي على حال العرب والمسلمين كما بكى الخليفة الثاني الفاروق عندما تسلم مفاتيح القدس وقال مذكرا بحديث رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم (فوالله ما الفقر اخشى عليكم ، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها ، وتلهيكم كما ألهتهم) وفي رواية أخرى (وتهلكم كما أهلكتكم). فأمة السلام بأكملها تعاقب على غفلتها لأن أبناءها أترفوا في بناء مخازن النمل وتناسوا بناء الإنسان) مقدمة بن الجزء الرابع من حواس حروف، وهي بالمناسبة الغفلة ذاتها التي حجرت القلوب و العقول التي سماها الطائي الطفرة في مزاج الطين ):
اشتغل المورثون بمال دنياهم
غفلوا عن تقاهم، خرب كوكب آواهم (ص.167)
وفي تلك الغفلة "يتصيد المفترس "ضحاياه .... و" ليعلن/ من اليابسة، تخضب موج البحر ."لقد صاغ الكارهون التهم و" نحن منها براء ، نسبت خصال الدم لإنسان هذه الأمة المسالم" مثلما فعل أخوة يوسف عندما لطخوا ثياب أخيهم بدم كذب وراحوا يهرلون الى أبيهم . ولم يكتف الكارهون بذلك ، بل سولت لهم أنفسهم أن يرموا ذلك المسالم بتهمة الأرهاب ، ثم تباكوا عليه وعرضوا عليه حمايته فضاع كل شيء:
شمسنا تتصب عرقا باردا
لأفواه النقمة
وعبدة القمر الحالم
بوراثة الشروق
قبل غروب آخر غسق
وإقامة الصلاة على روح
"فقيدة النور"
في ساحات الظلام الدامس
ظهرا . ( لاتح ص.28 )
وعرضوا عليه سلاما من هنا "بقع الأسمنت على التراب ../ تسللت للبحار ، بفساد الطين " وسلام من هناك :
سلة مهملات كبيرة تسمى الأرض ..
مدمر ظهرها ، يأكله دود بطنها . ( بن ص.167)
وهذا السلام هو سلام ساسة ماكرين يستثمر الحصى لأن فيه "... جحور زواحف / للانتفاع المادي "، إنه سلام إرهاب معه " يحترق غصن الزيتون "
يستدعي عنوان الجزء الرابع " بن " صورة القهوة العربية ليمتزج هيلها الجميل مع المرارة (هذه المرة ليست مرارة القهوة) انما المرارة التي يحسها بطل الكتاب وهو يسافر مع حروفه في دهاليز الغفلة التي أدمن عليها صاحبهما العربي وهو يتابع الجلسات الصوفية لمجلس الأمن ومارثون السلام في الشرق الاوسط وندوات لقاء الحضارات .أنه " تشوق ناثر الرمل ...لاهتزاز/الجبل ، وسد أودية العطشى ." والقهوة عند العرب عنوان للأصالة والكرم .. وهو تراث عميق ارتبط بالإنسان العربي في حله وترحاله .. غناه وفقره .. أفراحه وأتراحه .. وهي بطقوسها عادة لها احترامها الذي يصل إلى حد القداسة . يحرص العربي على أن تكون القهوة في بيته قبل حرصه على الطعام والقهوة العربية يرتبط اسمها دائما بالبن ويقال أن كلمة البن تعني الريح الطيبة . والتراث العربي مليء بالقصص عن البن والقهوة. فالعرب قدموا الكريم الجواد في تقديم القهوة على غيره وجاء بعده الفارس الشجاع ، وشبهوا في شعرهم قوام الدلة بقوام المرأة ووازن المجتمع القبلي ما بين قيمة القهوة العربية المعنوية، وقيمة الرجال المشاهير، فإذا ما توفي شيخ قبيلة ما، أو أحد وجهائها، أو أحد أعيان المجتمع قلبوا دلال القهوة على وجهها، وحرموا شربها فترة من الزمن، كتعبير عن تقديرهم للراحل المتوفى، وإخلاصهم له، وعدم استغنائهم عن رأيه ومشورته، فمكانته بينهم لا تقل عن مكانة القهوة التي لا يستغنون عنها.وللمنزلة الكـبيرة التي تحظى بها القهوة فـي أوسـاط المجتمع الـبدوي قديماً، فإنهـم كانـوا يحافـظون علـى بـقاياها (الحثل) من أن تدوسه الأقدام، فيحفرون حفرة بعيدة عن مرور الناس، ويدفنون الحثل فيها، ولعل ذلك راجع إلى خوفهم من أن تزول هذه النعمة التي تمثل الجاه والنفوذ، نتيجة رميها عن الأرض وسير الناس عليها مما يدلل على مكانة القهوة وكرامتها وعظيم شأنها عند العرب . ويقال إن شيخا من شيوخ العرب كانت عنده دراهم قليلة فذهب الى السوق واشترى بها بنا فلما سأله الناس قال القهوة أبقى من الدراهم . (الحياة الاجتماعية عند البدو، الدكتور محمد زهير مشارقة). لقد لعبت القهوة دورا محوريا في ترسيخ الحياة الاجتماعية العربية ونبذ الفردانية، والبراجماتية، والنفعية، فضلا عن حالة ترسيخ الوعي الاجتماعي باعتبار المجالس مدارس ـ كما يقال ـ كما أسهمت القهوة في بلورة مكونات المنظومة السلوكية العربية، باعتبارها رمزا لهذه المنظومة، ففنجان القهوة قد يكون سببا في صفح، أو صلح، وبه يمكن تجاوز الخصومات وفض المنازعات، ومن أجله قد تنشب حروب أو تنتهي، وهكذا خطبة النساء، والتجاوز عن الثأر، والتنازل عن الحقوق (القهوة في الموروث الشعبي نادر سراج ـ جريدة المستقبل ـ 2005 ).ماذا عن اليوم ؟ نحن نعيش عصرا لا يحمل أية بوادر يمكن أن تؤسس لحالة الاجتماع الثقافي والوحدة الاجتماعية في ظل غزو ثقافي يستهدف منظومتنا الاجتماعية بالدرجة الأولى، ويهدف إلى اختراق خصوصيتنا والتدخل السافر في نمط حياتنا الجمعية، وفرض البدائل الغريبة عن تاريخنا وتراثنا ومعارفنا ،بل واستهجان أنماطنا السلوكية والتشكيك بجدواها باعتبارها لم تستطع تحقيق تقدمنا العلمي وكأنها هي سبب تخلفنا وتقديم منظومة القيم الغربية على أنها الأصلح ،باعتبارها ثقافة الأقوى فهل كانت عادات وتقاليد الشعوب الغربية في الأكل، والشرب ،والملبس ،هي سبب تقدمه ؟ أم هي حملة منظمة لمحاولة محو ذاكرة الشعوب المغلوبة والضعيفة ؟ وإبعادها عن هويتها الحضارية ،وترك فجوة بين أجيالها لقطع الاتصال بين الأجيال عبر قطع علاقتها بتراثها ،فلا تستفيد من دروسه وتجاربه بنجاحاته وإخفاقاته، ومن ثم ترك هذه الأجيال لقمة سائغة وعجينة يمكن أمركتها بسهولة. لقد غدت قهوتنا، كما يقول الطائي، يصعب طحنها لأنها تقلى "بنار حطب مبلل" أو ربما تقلى في "ناصية مظلمة" على نار "أوراق أفكاره" التي تحرق يوميا "بنواد يمارس فيها/ فعل الكلام "حتى تراخى الجسد الى أن فسد. وما زال صاحبنا العربي مصر ولأنه طيب النية وخيّرها "يطحن قهوته المرة/ لشفاه تقطر عسلا". هل هي الطيبة ذاتها التي تحدث عنها لاتح عندما قال :
لن تحلك دوافع المدى
في سلب مقلتيه ، ومده أخاذ
ينير على سطحه وجها مبتسما .( ص.10)
وما أن أصيب صاحبنا " بنوبة قلبية / فتفرقوا من حوله ليرثوا فنجانه حيا " ثُم:
بنياشين الفراق ابنوه
ودفنوها معه... وفي
عزائه ذاقوا بنه
المطحون." (بن ص.323)
ويلقي بنا " بن " بعد وفاة بطله في أحضان لاتح من جديد لنبحث في لناته ولعناته عن ذلك البلاء الذي حل علينا ضيفا ثقيلا يتمشى معنا وينتقل ، علّنا نجد هناك الخلاص. لكن انْا لنا هذا ونحن نريد عندما نغضب "طرق، أبواب القيود/ بطرف أصبع نحيف " أو نحيا وحولنا تنمو "ثمار فاسدة الطعم/ تسقى بذورها برضاك". انها الهوية التي ضاعت أو التي لم نعرف انها بسمة والتزام ودفاع وكرم وسلام ووفاء. كيف يرجو السمك خلاصا من المحيط. وبانتظار القلم والنور في الجزء الخامس من حواس حروف لا نملك إلا القول:
سحقا لزمان أدمن الناطقون بأحداثه،
وشؤونه شم الجمرة الخبيثة. (لاتح ص. 32)
* رئيس قسم الدراسات الانجليزية / كلية البيان / مسقط

إضافة تعليق