حواس حروف: حزام أمان لعربيتنا

اللغة هي الإنسان، إذ تتضمّن ماضيه وحاضره فكرا ومهارة، ومن ثم فإنّ ضياع اللغة يؤدّي حتما إلى فقدان الوعي بالذّات فيختلط الحابل بالنّابل.
ولعلّ عربيّتنا في مأمن من هذا الضياع، ما دام يوجد بيننا من يتبرّع لحمل مشقّة البحث والتّنقيب لإعطائنا ما به يقوى إيماننا بأنّ لنا ماضيا يستحقّ العناية، وحاضرا يستمدّ قوّته من هذا الماضي. تقصد بذلك أولئك الذّين كرّسوا حياتهم على إحياء اللغة العربيّة بطريقة تجعلنا نحبّها ونضحّي من أجل بقائها.
هذه هي الخواطر التّي دار حولها حديث جمعني وثلّة من أصحابي همّهم سموّ لغة الضّاد. جلست معهم في ردهات منزلنا القديم الذي بدأ متهالكا بعض الشيء لكنه ترك ذكريات لها من القدر كم هائل في قلوب أفراد أسرتنا الذين أرى فيهم أسلوب والدي رحمه الله وأشم فيهم رائحته النقية وكان بمعية جلوسنا ضيف عزيز على مكتبتنا المتهالكة التي أرى أنها طريق النجاح في معترك الحياة بعد أن أسسها والدي وترك لي منها إرثا عظيما أصبحت أرى فيها العالم بعيون أخرى وبت أشعر بقلب متوجس عليل لا يرقى ولا ينقى سوى بقراءة صفحات من على أرفف تلك المكتبة العتيقة الممتلئة بغبار الزمن ولكن لا زالت تستضيف الكثير من الكتب الرائعة وقواميس اللغة العربية وغيرها من الروايات الجميلة والكتب التاريخية والدينية في آن.
وبينما نحن كذلك نتجاذب أطراف النقاش والحديث عن المؤلفات العربية فإذا بين أيدينا مؤلفات رأينا أنها تستحق النقاش والأخذ والعطاء ، أربعة مؤلفات حتى الآن تحت غطاء "حواس حروف" سلسلة متميزة من الإبداع لها مسميات تشد الناظر لأول وهلة حين يدرك أن عناوينها تأخذه إلى مكان يعيد إليه سليقته وأبجديته التي باتت رثّ الثياب تدعو الثبور تحت وطأة الزّمان وزلازل زعزعت كيانها واستقرارها.
شدّ انتباهنا طوال النقاش كتاب يحمل عنوانه الموسوم بـ "لاتح" فـ لاتح حروف عربية أصيلة امتدت جذورها من الأبجدية الدسمة الزاخرة بالعطاء قراءتها سهلة ولكن إمعان النظر في مكنوناتها شيء يحتاج إلى نقاش طويل وربما ينتهي بجدل مفاده أننا لم نعد نفقه من عربيتنا الشيء الكثير وربما لاتح هي من سيشارك في إعادة بعض من صوابنا اللغوي إلى أدراجه.
كم جميل أن نجد كاتبا يبدع في كتاباته ويغوص في بحر الكلمات ليخرج لنا بشيء غير مألوف للعيان يجمعه في حواس تدغدغ المشاعر وتقهر الصعاب وتذلل الحروف وتجعلها مرنة العطاء في معانيها بعد أن يتماهى لونها الحداثي بصبغة الأصالة والمعاصرة في آن، إنه عمل استحقّ وقفة مع زملائي الذين أيّدوا رأيي في مجموعة حواس حروف عبر مقاطعها الصوتية بارزة حركات تفاعلية واضحة لا ريب فيها حيث تفاعلت مع أمزجة الناس وعاشت في أوساطهم وقلبت أفكارهم وربما دخلت كيان قلوبهم.
حواس حروف قد أعادت إلينا دهورا قديمة نحن بأمس الحاجة إلى مثلها وذوقها الرفيع في اللفظ والقول والفعل العربي الواضح الزاخر الممتليء بقواعد العربية الصرفة وبالسليقة الصحراوية المتكلفة التي لا يتحدث بمثلها إلا مخضرم أو من لقنه مخضرم من أب أو جد أو ما تعلّمه من مكتبة تزخر بالمخطوطات النّادرة أو ما التقطه لدى شيخ جليل له من العلم ما يجعلنا نرفع القبعات ونحني الهامات احتراما له.
حينما يدرك المتأمل ويقرأ المتمعن حواس الحروف متفرّقة بين "بن" و "لاتح"، و"مزاج الطين"، و"حموه يرابي" يدرك حينها أنّه مهما أفرغ كيس الفلفل من محتواه فإنّه لا يخلو ممّا يكفي للعطس.
إنّ الكاتب قد انقض على حروف متشابكة واقتنص منها جمالياتها الساحرة وأودعها في غياهب النسيان وفجأة طار بها إلى عالم آخر استطاع أن يرسم منه لوحة حقيقيّة خاصة في لاتح التي أظهرت النواح والصمت والغضب العربي في آن حيث جسدت الكثير من المعاني المترامية الأطراف وجمعت في قالب فكريّ إبداعيّ فريد من نوعه فهيا معا نشد الأزر ونطلق الخنوع ونقطع لأنفسنا وعدا بأن لا نتجاهل هويتنا وان لا نعبث بها وأن لا نسمح لأحد أن يعبث بها لأن وراءنا مفكرين ومبدعين يقتنصون من الحجارة رسما رائعا ويعبثون بالحروف نسجا وخيالا ويتركون بصمة تشبه بصمة المعري أو قل الأخطل الصغير أو ربما أعادك إلى أعوام خالية مع عنترة أو القيس أو الملوح .
فهيا بنا لنعاهد لغة الضاد بمعية الكاتب الطائي ذا الحاسة البديعية أن نعيد أمجادا تليدة بحروف حديثة وأنامل عربية تقف صفا عارما لمن تسوّل له نفسه تدنيس حروفنا أو البغاء عليها بتفاهات الزمن الوحل فنعدك أيها الطائي بالتزام عربيتنا وثقافتنا وهويتنا وان تظل حصنا منيعا تصمد أمام عوادي الدهر. فهنيئا لنا بحواس حروفك المتأصلة من تراثنا الخالد الزاخر بأقحوان العربية الصرفة.
آخر سطر: إلى جميع الكتاب والمؤلفين والمبدعين والمتذوقين لعربيتنا أقول لكم كل عام وعربيتكم بألف خير وعافية.
الكاتب / خلفان بن محمد المبسلي
" الوطن" العمانية 18 ابريل/نيسان 2010

إضافة تعليق