حول الوسطية.. حوار مع الدكتور وهبة الزحيلي

أكد الفقيه السوري الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي ان الوسطية هي نتاج الشريعة المتين وهي تعن بتعبير ظاهرة السماحة واليسر والسلام القائم على الحق والعدل وحفظ الوطن والامة 

واعتبر الدكتور الزحيلي في حوارنا معه ان ما يميز الوسطية هو الجمع بين الحق والقوة لان الحق أساس لا حماية له من دون قوة.. فضلا عن جمعها بين التشريع والتوجيه الأخلاقي وبين بين البساطة واليسر وبين العمق والأصول الأساسية.. ورأى ان بعض الدول تسعى لاستغلال الوسطية لتمرير مصالحها وتحطيم وجود المسلمين وطحن هويتهم ومصالحهم ..

 

·        ـ  بداية..  ما هو مفهوم ودلالة الوسطية عندكم ؟

** ـ الوسطية هي الاعتدال في مختلف تشريعات الإسلام ومبادئه وأخلاقه ومواقفه من الآخرين.. ويحدد معالمها :

ـ الجمع بين الواقعية والمثالية ومراعاة إمكانات الفطرة البشرية.

ـ الجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، لان الإسلام للحياتين الدنيوية والأخروية.

ـ الجمع بين المادية والروحية، لقوله تعالى " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنسى نصيبك من الدنيا واحسن كما احسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الارض ان الله لا يحب المفسدين " ( القصص : 77 ) .

ـ الجمع بين المصلحة الفردية والجماعية بدليل إقرار الملكية الفردية والاجتماعية، مراعاة لمصلحة الإنسان والحفاظ على مكاسبه وجهوده ، وتحقيق مصلحة الجماعة، لتمكينها من ممارسة مهامها العامة.

ـ الجمع بين التشريع والتوجيه الأخلاقي، لان نظام التشريع يحدد أنواع الحقوق والواجبات، والأخلاق او الفضائل أساس متين لحماية المصالح، وعدم الالتفاف على القوانين ، ومن غير أخلاق لا صلاح لكل إنسان أو مجتمع .

ـ الجمع بين البساطة واليسر وبين العمق والأصول الأساسية، فالعبادات ميسرة لا مشقة فيهان والمعاملات مشروعة بحسب الحاجة.

ـ الجمع بين الثبات والتطور، ففي الإسلام ثوابت وهي الأحكام القطعية والمبادئ والقيم العليا، كالمسئولية الفردية أو الشخصية، وبراءة المتهم حتى تثبت إدانته وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره ،  ودفع الضرر،  وضمان الحقوق، وفي الإسلام متغيرات بسبب تغير المصالح والأعراف والعادات والأنظمة ، فيتحقق خلود الشريعة الإسلامية وكمالها ومرونتها.

ـ الجمع بين الحق والقوة ، لان الحق أساس لا حماية له من دون قوة، وهذا ما يحد من أطماع الأعداء والتسلط على الأوطان والثروات، فتكون المقاومة مشروعة، والاعتداء ممنوعا او محظورا.

·       ـ  وكيف يمكن فهم محاولات الاختطاف والتوظيف التي تتعرض لها الوسطية ؟

 

** ـ : ان استغلال مبدأ الوسطية ومحاولة تسخيرها لتمرير أطماع الأعداء وأصحاب الأهواء، وتسويغ سلوك التبعية والرضوخ لأهل الاستكبار والنفوذ، والاستهانة بالضعفاء والمستضعفين، فواضح من هذا محاولات الاستحواذ ومخططات التآمر.  وانه أسلوب شنيع لتسلط الأقوياء واختراق أصول ديننا وأخلاقنا ومحاولة احتواء الإسلام وتحجيمه في حد ذاته كما أعلنت تقارير أمريكا وغيرها ومواقف أوربة من القرآن ونبي الإسلام وأحكام الشريعة.

والقضية اذا من استغلال الوسطية: هي تمرير مصالح الآخرين وتحطيم وجود المسلمين وطحن هويتهم ومصالحهم ، وهذا ما يعبر عنه بالإمبريالية، التي يسعى سدنتها في ظل العولمة أو الاستعمار الجديد الى إلغاء وجودنا وإهمال ثقافتنا، ونهب ثرواتنا، وحماية مصالحهم ونفوذهم وتسلطهم، تحت مظلة الاعتدال والوسطية، مما أدى الى ظهور ما يسمى بالإسلام المعتدل، والدولة المعتدلةن ومن اجل ذلك عقدت في البلاد العربية الى الآن زهاء سبعة عشر مؤتمرا حضرتها كلها، وهذا ما دعت إليه بعض التنظيمات والملتقيات الإسلامية أيضا في أيامنا الحاضرة ، وبكلمة موجزة الترويج لأمركة  الإسلام، ومفاهيم الليبرالية والعلمانية

 

·       ـ  و لماذا ينظر البعض إلى الوسطية وكأنها مصطلح سيئ السمعة تبعا لمواقفهم السياسية وربما الثقافية؟

 

** ـ  ينظر الغيورون والمتحفظون بحق وحذر شديد الى مخاطر الدعوة الى الوسطية واستغلال وتشويه معالمها، فهي ليست مصطلحا سيئا، وإنما السوء ظهر من استغلال المبدأ وتوجيه لمصلحة الطغاة والمستعمرين والمستكبرين، لتحقيق مصالحهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بالتأكيد، فالخطر عام وشامل.

 

* ـ وكيف نميز بين المفهوم في أصله والمفهوم المزيف الذي أخضع لعملية تشويه سياسي؟

** ـ : التمييز واضح بين اصل مفهوم الوسطية والاعتدال، وبين محاولة التشويه والاستغلال الغربي للوجود الإسلامي، فالوسطية نتاج الشريعة المتين وهي تعن بتعبير ظاهرة السماحة واليسر والسلام القائم على الحق والعدل وحفظ الوطن والامة، وأما التشويه السياسي من الغربيين فواضح من خلال تدخلات المستعمرين في بلادنا واحتلال بعضها كالعراق وأفغانستان وفلسطين ومحاولة تهويدها وتحقيق مصالح الصهيونية الغادرة والغاشمة ومخططاتها الوحشية والإجرامية المشهودة عيانا كل يوم حتى على المستوى الداخلي والدولي في المحافل الدولية القائمة لحماية مصالح الدول الكبرى الغربية وركائزها، وجعل الأطماع  الغربية مستمرة البقاء . وحينئذ لا تحتاج عملية التشويه السياسي دليل او برهان نظري، فان الواقع خير شاهد، والإعلام المعاصر يكشف كل يوم المخبآت، ولكن الوسط الشعبي يدرك بوضوح كل هذه المخططات المشبوهة ويرفضها.

·        ـ في الرؤية القرآنية ربط بين الوسطية والشهادة على الناس وهو ما يجعل الوسطية مسؤولية ملقاة على كاهل الأمة وليس صفة بلا استحقاقات ..فكيف ترون العلاقة بين الوسطية والشهادة على الناس؟

 

** ـ  الوسطية شيء مقرر في تعاليم الشريعة كلها، سواء في العبادات و المعاملات ونظام الأسرة والعلاقات الدولية، تحت مظلة ظاهرة اليسر والسماحة، ومن الخطأ الاستدلال على الوسطية بظاهر اللفظ القرآني في آية " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء مع الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.." (سورة البقرة:143). أي ان الربط بين الوسطية والشهادة ربط محكم لان كلمة " أمة وسطا" تعني انهم شهود عدول على الأمم الأخرى يوم القيامة بان رسلهم بلغوهم رسالات الله تعالى، بأخبار القرآن نفسه، وليس معنى " أمة وسطا" في الآية كون الأمة معتدلة، فذلك غير مراد قطعا . وهذا التلازم بين الوسطية والعدالة واضح ومحكم والتوسط في الأمة مرتبط بكون الأمة موصوفة بالعدل في الشهادة، وليس بمعنى الاعتدال أصلا، فهي صفة قائمة على موازين مبدئية في أداء الشهادة، وحينئذ ليست الوسطية في هذه الآية بمعنى الاعتدال ، وإنما بمعنى العدالة في أداء الشهادة، وذلك بتعديل الله سبحانه للامة.  وتظل مبادئ الإسلام في العزة والحرية والعدالة والمساواة والشورى، وإيثار السلم العادل والأمن المستقر هي منهاج الإسلام العام.

 

·       ـ     الوسطية في الإسلام هل  هو موقف مبدئي في الرؤية الإسلامية أم مشروع لابد أن تحققه الأمة لتطل به على ذاتها وعلى الإنسانية جمعا؟

** ـ : الوسطية مبدأ، وأساس، ولان خصائص التشريع الإسلامي هو اليسر ودفع الحرج والمشقة او بتعبير اخر " الوسطية والاعتدال" فذلك قائم في المنهج الإسلامي،  وليس مجرد مشروع يعرض في المناسبات ، لان المبدأ أقوم وارسخ من مجرد مشروع تحقيق مكاسب او منافع عرضية طارئة، للانفتاح على الإنسانية، ويظل المبدأ قائما راسخا على الدوام لا ينفض ولا يتغير.

·       ـ  هل ترون في تقاطع الوسطية مع بعض مفردات المشروعات الغربية في المنطقة وخاصة المشروع الأمريكي مدعاة للتخلي عن بعض مقولاتها ومواقفها؟

 

** ـ ان استغلال كلمة وسطية ـ كما تقدم ـ لتمرير المشروع الأمريكي خيانة وتغطية ودفاع هش، فلما لا نتخلى عن الوسطية، ونرفض جعله أداة بيد المنهزمين داخليا وخارجيا بسبب ضعهم او استضعافهم ، فان سد الذرائع المؤدية الى المفاسد والمضار اصل من أصول الشريعة، يستعمل في درء الشر والسوء عنا، لا استخدام المبدأ للإيقاع في دائرة الشر والمنكر والتخلي عن حرمات الأوطان والمقدسات لارضاء أمريكا المستكبرة وحلفائها المعادين لامتنا بنحو سافر او ماكر خبيث.

 

·       ـ  هل تتفق مع ان الوسطية اتجاه إنساني ونزوع بشري نحوا الاعتدال صاغه الإسلام في رؤيته باعتبار ان الرؤية الإسلامية في جوهرها رؤية إنسانية؟

** ـ  الوسطية اتجاه بنيوي قرآني، قامت عليه الشريعة ، وله أهداف متعددة، منها بيان امتنان الله تعالى على الأمة بجعل شريعتها منسجمة مع الفطرة الإنسانية،  فيترتب على ذلك تحقيق مصلحة الإنسان في حد ذاته وخصوصياته، وكذلك ترتيب اتجاه إنساني رفيع المستوى صاغه الإسلام لاستقطاب أنظار الآخرين، ومحبة مبادئ الإسلام والقناعة بما تضمنته العقيدة الإيمان والحرص على صلاح الإنسان والسعادة في الدنيا، ونجاته في الآخرة ، والمبادرة بعدها الى الدخول في مظلة الإسلام عن قناعة وبينة، وليس مبدأ الوسطية والاعتدال للمتاجرة السياسية وغيرها، فالإسلام وخصائصه ارفع من جميع المخططات النفعية الرخيصة ، لانه  خالد على مر الزمان ، وثابت لا يزول.

 

·       ـ الوسطية موقف ورؤية واحدة أم من الممكن أن تكون هناك وسطيات داخل الرؤية الإسلامية؟

 

 

** ـ  الوسطية في الإسلام موقف مبدئي، ومنهج تشريعي خالد، ورؤية ثاقبة لاختراق الزمان والمكان وتغطية آفاق المستقبل كلها ، وليس مجالا للتلاعب، والتجزؤ، والانتهاب، او استصحاب ظاهرة التعدد في محاور الوسطية كي تتلون بحسب المصلحة، لان الإسلام تشريع الهي محكم ودائم، وليس مجرد شعار يرفع ويستقطب ، ليحقق مصالح موقوتة ونفعيات زائلة.

 

·       ـ  سؤال أخير. هل ترى ان للوسطية ملامح وسمات ومعايير من الممكن رصدها وقياس مدى الانحراف أو الاقتراب منها ؟

 

 

** ـ : الوسطية حصن منيع له أطيافه وسماته في جميع شرائع الإسلام، وكما أوضحت سابقا، فهو يشمل منهج العبادة والمعاملة الداخلية والخارجية، وقواعد بنيان الآسرة وتحديد نظام العلاقة مع الآخرين في السلم والحرب فننحن أبناء رسالة خالدة سامية وقائمة على انها رسالة إنسانية جمعاء يعبر عنها المبدأ القرآني(( وما أرسلناك الا رحمة للعالمين)) (سورة الأنبياء:107)

وهذا المبدأ الذي هو الرحمة العامة بجميع الناس لا مجال لتزييف ولا للحيدة عنه فكل من التزامه فهو المسلم الحق وكل من ابتعد عنه فهو المقصر أو الجاهل أو القاصر أو الخائن أو لمتلاعب او الشريعة منزهة عن كل أعمال هؤلاء الانتهازيين والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 

 

 

إضافة تعليق

6 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.