حين تغدو القراءة ترفاً

ليس خافياً على قارئنا العزيز أن ثمة كتباً محددة أحدثت ضجيجاً إعلامياً في فترات معينة وأثارت موضوعاتها الكثير من النقاشات في الأوساط الفكرية والثقافية

ومع ذلك كان بعض فرسانها يجيبون على سؤال «هل قرأتم الكتاب؟» بالنفي ، كما لم يتردد معظمنا في مرحلة ما عن ذكر القراءة كإحدى هواياته إلى جانب السباحة وركوب الخيل التي لم يمارسها قط ، بل بقيت سرجاً على ورق.

فما هي أسباب تراجع الاهتمام بالقراءة وهل لوسائل الاتصال الحديثة دور في ذلك؟!‏

 لقد تفردت القراءة بأهمية دائمة ومستمرة عبر العصور من حيث دورها في الاطلاع على نتاج الفكر البشري والتقريب بين المجتمعات وثقافاتها المختلفة دون أن تكون بحاجة إلى عناية واهتمام كما هي اليوم.

لكن الحاجة إليها تزايدت بشكل خاص في العقود الأخيرة مع ما شهده العالم من تطور وثورة في عالم الاتصالات والمعلومات والتفجر المعرفي ، حيث بدأت القراءة تشهد تراجعاً على نحو واضح وخاصة بين فئة الشباب.

وإذا كنا في الماضي نقرأ كتباً كثيرة لنستخلص سطوراً قليلة ، فاليوم تقدم لنا الانترنت ملخصاً لكتاب يجعلنا نستغني عن قراءته. ولم تعد القراءة تلك المتعة التي تبقى عندما تزول كل المتع الأخرى في وقت توافرت فيه وسائل استمتاع بديلة ، ولم يعد الكتاب خير جليس بين الأنام ، حيث احتلت الشاشات مكان الجليس الأول الذي يملأ أوقات فراغنا ويؤنس جلساتنا وأصبحت غرف “ الدردشة” وسيلة للتواصل الاجتماعي.‏

كما وفرت وسائل الاتصال الحديثة إمكانية الحصول على المعلومات وتبادلها بوقت أسرع وجهد أقل ناهيك عن استنزاف أوقات فراغنا بمختلف أساليب الترفيه والتسلية.‏‏ قد تبدأ القراءة كهواية بدافع ملء أوقات الفراغ أو الاطلاع على كل ما يقع بين أيدينا ،لكنها لا تلبث أن تتحول إلى متعة عندما تصبح وسيلة لتلبية رغباتنا في الانطلاق إلى عوالم أوسع و إشباع حاجاتنا إلى المعارف في مجالاتها المختلفة.

والقراءة ليست أمراًً سهلاً وإنما عملية معقدة تشمل مجموعة من المهارات العقلية فهماً وتحليلاً وتقييماً وصولاً إلى استنتاجات صحيحة ، وهي بحد ذاتها إحدى مهارات التعلم الذاتي الذي هو أساس التعليم المستمر.‏ إلا أننا بنظرة عامة نلاحظ أن الجيل الشاب لا يقرأ..

فتارة يتذرع بارتفاع أسعار الكتب وهو يحمل في يده جهازاً خليوياً يكفي لشراء عدة كتب ، وأخرى بالانشغال الدائم بمتطلبات الحياة المعيشية ونجده يقضي الكثير من أوقاته في أماكن اللهو والتسلية ، مرة يتساءل ما جدوى القراءة وفي مرة أخرى يقول أن الانترنت والفضائيات تُغني عنها.‏

وهناك كثيرون يرون أن وسائل الاتصال الحديثة لعبت دوراً سلبياً في هذا الخصوص ، حيث كان لها تأثير كبير في القضاء على الكثير من عاداتنا اليومية ومنها عادة القراءة ، كما أفسحت المجال واسعاً أمام العادات الاستهلاكية والكم الهائل من المسلسلات وبرامج التسلية واستبدلت عناويننا الثقافية بثقافة العناوين.‏

 صحيح أن الكلمة المكتوبة لها ميزة البقاء على الدوام ويتم التعامل معها بعيداً عن المؤثرات الحسية..

لكن القراءة كفعل قد طرأ عليها بعض التغييرات مع التحول الحاصل في وسائل الاتصال الحديثة التي أحدثت انقلاباً في المفهوم التقليدي للقراءة ، حيث تعددت وسائل القراءة وتنوعت مصادرها وتوسع مفهومها ليشمل أدوات أكثر تؤدي الغرض نفسه وهو الوصول إلى المعرفة ، وأصبحت الوسائل السمعية والبصرية كالحوارات واللقاءات والبرامج الوثائقية وغيرها مصدراً غنياً للمعلومات شرط أن نحسن الإصغاء إليها. وإذا كان البعض لا يرى فيها بدائل عن مصادر القراءة التقليدية فهي بكل تأكيد تلعب دوراً رديفاً وتشكل عاملاً محرضاً للبحث عن المصدر المناسب.‏

يسعى باحثون في مركز «بالو ألتو» بولاية كاليفورنيا إلى التوصل إلى أجوبة على تساؤلات مثل «هل يمكن أن يفقد الكتاب عرشه الذي تربع عليه منذ أن ظهر إلى الوجود كوسيلة لا غنى عنها للمعرفة؟ وهل تستطيع شبكة الإنترنت أن تشكل بديلا مقنعا عنه، بل ربما بديلا أكثر كفاءة؟‏ وتوصل أحدهم إلى أن كل المواد تقريباً التي يرغب في قراءتها، يمكن مطالعتها على شاشة الكمبيوتر بلا أدنى مشكلة، وكأنه يطالعها بالطريقة التقليدية التي ألفها الناس منذ قرون طويلة.‏ ويقول أنه من الضروري العمل على أن تكون القراءة عبر الإنترنت أفضل بكثير من القراءة التقليدية في الكتب والصحف.

وتدل هذه الرؤية على أن الكمبيوتر والإنترنت غيرا الطريقة التي بات يقرأ من خلالها البشر ، إلى جانب أن محركات البحث وحلقات الربط تمكّن القارئ من الانتقال إلى مواقع أخرى تحتوي على تفاصيل أكثر عن الموضوع الذي يطالعه.‏ لكن المدوّن الأمريكي نيكولاس كار يخالف هذا الرأي بقوله «إن الانترنت على ما يبدو يقلص قدرتي على التركيز والتفكير.. عقلي بات ينتظر المعلومات بالطريقة التي تقدمها الانترنت..

أي بجزيئيات تتهافت بسرعة بينما كنت في السابق أغوص في بحر من الكلمات». ويضيف «في السابق كان بإمكاني أن استغرق في كتاب لساعات بلا أية مشاكل.. الآن أتقهقر عند الصفحة الثانية أو الثالثة.. أفقد التركيز وأبحث عن عمل آخر».‏

ويعبّر أستاذ الأدب في جامعة ايموري الأمريكية مارك بورلين عن رؤية أخرى ، حيث يقول في كتابه «الجيل الأكثر غباءً» أن أطفال الانترنت أقل ثقافة من الجيل الذي سبقه..فهو يشتتنا بقدر ما يحفزنا.‏

لقد كانت القراءة في حقب محددة من عصور التاريخ مقصورة على قلة من الناس ومؤشراً على الفروقات الاجتماعية والطبقية ، وأصبحت لاحقاً لدى فئات محددة شكلاً من أشكال الترف الفكري والتميز الاجتماعي.

أما اليوم فقد أخذ هذا الترف شكلاً آخر وأصبحت الكتب تشكل ديكوراً في الصالونات الواسعة ، هذا علاوة على ديكور أغلفة المجموعات المتعددة الأجزاء والذي يشكل صورة فنية جذابة بحد ذاته.‏

وإذا كانت القراءة بمفهومها التقليدي ، من وجهة نظر 100 مليون أمي في الوطن العربي حسب تقرير منظمة (الالسكو) ، تعدّ نوعاً من الترف لا يقدر عليه إلا النخبة المثقفة ، فمن المؤكد أن القراءة الالكترونية ستكون فى نظرهم مجرد مصطلح مُبهم يعيدنا للمربع الأول: هل القراءة ضرورة من ضرورات الحياة أم ترف وتمايز؟‏  

وائل ديوب

جريدة الثورة

الملحق الثقافي/15/9/2009

 

إضافة تعليق

1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.