حين تُصادَر الذاكرة

كيف ننجح، نحن في العالم العربي، في مقاومة كلّ أمراض الذاكرة ونحميها من النسيان؟ كيف السبيل إلى ذلك، ولاسيّما أن ” المستقبل ينتمي إلى الشعب الذي يملك أطول ذاكرة“ بحسب نيتشة؟

في ما يلي جولة في أفق الذاكرة واجتماعيّتها.

الذّاكِرَة (La Mémoire) بحسب قاموس ” لاروس“ Larousse الفرنسي هي ”نشاط بيولوجي ونفساني يسمح بتخزين المعلومات وحفظها واستعادتها“، إنّها أيضاً ” القدرة على تذكّر أشياء معيّنة في مجال معيّن“، و” صورة ذهنيّة مخزَّنَة عن أحداثٍ ماضية“، و” مجموعة وقائع ماضية تبقى في ذكريات الناس، أو الجماعة: ذاكرة شعب“…. أمّا ” معجم المعاني الجامع“ فيعرّف الذّاكِرَةَ بأنّها ”قدرة النّفس على الاحتفاظ بالتجارب السابقة واستعادتها“.

إلى جانب هذه التعريفات، لا بدّ من الإشارة إلى أن ثمّة محفّزات وأواليات عدّة لمسألة التذكّر مرتبطة باجتماعيّة الذاكرة. ما يعني بالتالي أن التذكّر ليس مسألة ميكانيكيّة صرفة، وأن الذاكرة ليست فرديّة فقط، وأن فرديّتها محفورة في الاجتماعي، أي أنها اجتماعيّة بامتياز. وحين نجهد لإعادة بناء الماضي، يتمّ ذلك انطلاقاً من الحاضر، لأن الماضي لا يُحفظ، ولأن هذا البناء – بحسب موريس هالبواكس(Maurice Halbwachs) في كتابه ” الأطر الاجتماعية للذاكرةLes Cadres sociaux de la mémoire – يتمّ أيضاً ” بالارتكاز على ذكريات الآخرين، وعلى الأطر الكبرى لذاكرة المجتمع“؛ كما أن ” تعاقب الذكريات، حتّى الأكثر ذاتيّة منها، يُفسَّر على الدوام بالتغييرات التي تطرأ على علاقاتنا بمختلف الأوساط الجماعية، أي بتحوّلات هذه الأوساط، سواء ما يخصّ كلّ وسط منها على حدة، أم مجموعها“، علماً بأن هذه الأطر تتألّف من ” سلسلة أفكار وأحكام“ تُضاف إلى الأطر الأخرى، من زمنيّة، ومجتمعيّة، وأسريّة، ومدرسيّة وغيرها. بحيث شكّلت هذه الأطر الكبرى الأساس النظري لسوسيولوجيّة الذاكرة لدى هالبواكس، لكونها تنطلق- بحسب ما جاء في كتابه ” المورفولوجيا الاجتماعية“- من وجود ” أشكال مادية للمجتمع تضغط عليه(…) (و) تُحفَظ فيها كلّ خبرة المجتمع، واندفاعه“. وبالتالي، فإن ماضي الفرد غير معزول عن ماضي الجماعة وتاريخها، بما في ذلك المكان. إذ- وبحسب كتاب ” المورفولوجيا الاجتماعية“ أيضاً- ” ليس هناك من مجتمع لا يأخذ موقعه في حيّز مكاني، ولا يمتلك امتداداً ومرتكزاً مادياً في آن معاً. ذلك أن نشاطاً جماعياً يفترض تكيّف الجماعة مع ظروف ماديّة، تكون ملزَمة على تقبّلها على طريقتها الخاصة“. ما يعني أن الذاكرة الجمعيّة- وبحسب هالبواكس في كتابه الذاكرة الجمعيّة“ (La mémoire collective) ” تقوم في إطار مكاني“. غير أن الجدير بالبحث هو الوظيفة الاجتماعيّة للتذكّر الجماعي والجمعي، ولاسيّما أنّنا لا نستعيد الذكريات أو نحياها فقط، بل إنّنا – وهذا هو الأهمّ- نعيد بناءها. فيما عملية البناء هذه تصطدم بمعوّقات عدّة، لعلّ أبرزها النسيان. فأشكال النسيان التي تعتور عملية التذكّر، هي، وبحسب الدكتور جمال شحيّد، في كتابه ” الذاكرة في الرواية العربيّة المعاصرة“(2011)، ”في غالب الأحيان قصديّة، أتمّت بشكل مباشر أم غير مباشر. فكلّما أقصينا بعض ذكرياتنا لأنها مزعجة أو لأنّنا نروم تهميشها، فإنها تغرق في النسيان، ولكنّها لا تموت“. وحين تغدو الذكريات ضعيفة وشبه ممحوّة، لا بدّ أن نغرق في الدوران في الحاضر، وفي تكرار الماضي من دون الوعي بماضويّته، وهو حال الهيستيريّين الذين يعانون من عدم قدرتهم على إدراك الماضي كماضٍ، فيحيون في الحاضر انطلاقاً من ماضٍ مخزون في لاوعيهم، تائهين في متاهات هذا الحاضر ومرتَهنين لأثقال ذاك الماضي.

ولئن كان الماضي يلقي بأثقاله علينا، أشئنا ذلك أم أبيناه، فإن عدم القدرة على تذكّر الماضي تجعلنا أسرى الحاضر، عاجزين عن تعيين أسباب ارتهاننا له أو عن تعقّل أو فهم مَن نحن، أي هويّتنا، ولماذا نحن سائرون في هذا الاتّجاه المحدَّد وليس في ذاك؟

في المقابل، وفي اتّجاه معاكس، يشكّل الحاضر بدوره عائقاً أمام قدرتنا على بناء الماضي، فما يمنعنا من إعادة اكتشاف انطباعاتنا أو مشاعرنا التي حَفَرت فينا بالأمس هو مجموعة أفكارنا الراهنة، ولاسيّما تلك الخاصة بالمجتمع والطبيعة، تماماً كما ذكر أناتول فرانس في مقدّمة كتابه ” حياة جاندارك“: ”لكي نشعر بروح الزمن الذي ولّى أو نلتقطه، لكي نكون معاصرين لرجال الأمس، فإن الصعوبة لا تكمن في ما ينبغي علينا معرفته بل بما ينبغي علينا عدم معرفته“( نقلاً عن كتاب ” الأطر الاجتماعية للذاكرة“ السابق ذكره).

وفي هذا السياق أيضاً، تتناظر عمليّتا التذكّر الذاتيّة والجمعيّة، من حيث احتكامهما لقوى أو مؤثِّرات ذاتية أو اجتماعية ما. ففي حين يشحذ الفرد مثلاً كلّ قواه لاستعادة الماضي ومقاومة خطرٍ حاضرٍ(المرض مثلاً)، تشحذ جماعةٌ ما، أو مجتمعٌ ما كلّ قواه لمقاومة خطر حاضر يتهدّده ( الاحتلال، الإبادة…إلخ). في سيرته الذاتية ” خارج المكان“ يورد إدوار سعيد الآتي: ” لعبت ذاكرتي دوراً حاسماً في تمكيني من المقاومة خلال فترات المرض والعلاج والقلق الموهِنة. ففي كلّ يوم تقريباً، وأيضاً فيما أنا أؤلّف نصوصاً أخرى، كانت مواعيدي مع هذه المخطوطة تمدّني بتماسكٍ وانضباط ممتعَيْن ومتطلّبين معاً“. الأمر نفسه، يتكرّر جماعياً، حيث تتداعى النداءات، وبخاصّة بعد كلّ تهديد تاريخي، للعودة إلى الذاكرة والتشبّث بها، ولاسيّما أنّها مستودع التاريخ وحافظة الهويّة الجمعيّة، وأنّها أيضاً مكوّن محوري من مكوّنات الثقافة. إن قصف الطائرات لبغداد هو الذي فتح لرضوى عاشور مثلاً باباً للذاكرة. ” فالتقت“- كما ورد في في كتابها ” في النقد التطبيقي صيادو الذاكرة“(2001)، ” بالمشهد مشاهد مثيلة“: ”قصف الطائرات الإسرائيلية لسيناء عام 1956 و1967 ، قصف لبنان عام 1978 و1982، والقصف المتّصل للمخيمات الفلسطينية ومدن وقرى الجنوب اللبناني“، فولّدت هذه المشاهد ثلاثيّة ” غرناطة“ الروائيّة. إذ كانت الثلاثية برأيها ”ضرباً من ضروب الدفاع عن النفس الذي تلجأ إليه المخلوقات بشكل غريزي حين يداهمها الخطر“.

فالثقافة إذاً، فضلاً عن كونها نمط تفكير وعيش، هي – وكما عرّفها ميلان كونديرا- ” ذاكرة شعب“، ” وعي جمعي بالاستمراريّة التاريخيّة“. وبالتالي، فإن الذات، سواء أكانت فرديّة أم جماعية أم جمعية، هي مجموع ما نتذكّر؛ وأيّ محاولة لمحوها تغدو محاولةً لضرب الذاكرة في الصميم. لذا تحتلّ حروب الذاكرة حيّزاً كبيراً في الصراع الهويّاتي والإيديولوجي وحتّى الديني، بقدر ما تحتلّ حيّزاً واسعاً في صراع القوى. ولعلّ التاريخ هو أكثر تعبيراً عن ذلك. فلقد أطلعنا كيف أن سقوط غرناطة (1492)، آخر معقلٍ للعرب والمسلمين في الأندلس، سرعان ما تبعه محوٌ ممنهج للذاكرة. إذ لم يكد العام 1500 ينتهي حتّى كانت كلّ مكوّنات الذاكرة الإسلامية قد أُزيلت في جميع أنحاء مملكة غرناطة القديمة، من رندة إلى المرية مروراً بوادي آش وبسطة والبشرات. فتمّ تحويل المساجد إلى كنائس، وصدرت المراسيم تلو الأخرى، منها ما يأمر بحرق الكتب الإسلامية والعربية، والتي بلغ عدد ما حُرق منها حوالى مليون كتاب، ومنها ما يمنع استعمال اللغة العربيّة. أما التاريخ الراهن فيطلعنا يوميّاً على محاولات الكيان الصهيوني تغييب معالم الشخصية العربية وتشويهها وإنكار حقّها في الوجود على أرض فلسطين.

المهمّ هو أن أشكال الذاكرة والتذكّر والنسيان، تبقى مُصادَرة من قبل القوى المتنفِّذة، سواء على المستوى العالمي، أم على المستوى المحلّي (أي داخل البلد الواحد). فثمّة بحسب بول ريكور(في كتابه الذاكرة، التاريخ، النسيان“ La mémoire, l'histoire, l'oubli) اعتداءات على الذاكرة تُفضي إلى ثلاثة أشكال من الذاكرة: ذاكرة معوّقة (Mémoire empêchée) أو جريحة أو مريضة، نتيجة إصابتها بصدمة أو بأذىً ما(Traumatisme)، وغالباً ما تكون ” مُرغَمة على مواجهة أنواع الفقدان“ و” نسّائيّة“(Mémoire oublieuse)، الأمر الذي يُعيق أداءها؛ ذاكرة مسيَّرة(manipulée Mémoire)، غالباً ما ترتبط بهويّة هشّة، تعود أسباب هشاشتها إما إلى علاقتها الصعبة بالزمن، وإما إلى مواجهتها الآخر الذي يشكّل تهديداً لها، وإما إلى العنف المؤسِّس الذي نشأت عليه وتوارثته. بحيث تتمّ ”أدلجة الذاكرة“ ويتمّ تسخيرها والتلاعب بها من قبل السلطة (أيّ سلطة) لخدمة التاريخ الرسمي، فيغدو ” تسييج الحكاية الرسمية في خدمة التسييج الهويّاتي للجماعة“، أي خاضعاً للتلاعب الإيديولوجي؛ ذاكرة إلزامية أو إجبارية (obligée Mémoire)، وهي ذاكرة مفروضة بحجّة العدالة أو إحقاق الحقّ. بحيث تفترض سياسات المصالحة والوفاق الوطني في مجتمعات ديمقراطية، قائمة على العدل والإنصاف، الاعتراف بالآخر وبذاكرته، والإيفاء بالدَّين للّذين سبقونا وجعلونا على ما نحن عليه، ومن بينهم ضحايا الحروب والنزاعات الذين يشكّل استذكارهم أولويّة وطنيّة وأخلاقية يُعبَّر عنها بإقامة الاحتفالات التي تخلّد ذكراهم. إلّا أن تحوّل هذا الاستذكار إلى واجب وإلزام، يحوّل الذاكرة إلى أداة، نتيجة انتقائيّة التذكّر. ومن هنا، بحسب ريكور، نشْأة تلك القرابة الدلالية بين العفو أو العفو العام(Amnistie générale) الهادف إلى تحقيق السلم الأهلي من جهة، وبين النسيان من جهة ثانية، مُمثَّلاً بفقدان الذاكرة (Amnésie). يغدو العفو العام شكلاً مؤسَّساتيّاً معبِّراً عن النسيان التعسّفي، وكأن بين الحالتين(أي العفو وفقدان الذاكرة) ميثاقاً سرّياً، غايته المنفعة، يُسهم في مأسَسَة النسيان، وذلك على حساب الحقيقة والعدالة.
ولعلّ مصادرة الذاكرة هذه غالباً ما تكون، في جزء كبير منها، مقرونةً بالـ” غيظ“ من الماضي على حدّ تعبير ميلان كونديرا ( في كتابه ” كتاب الضحك والنسيان“، 1990): ” لئن نحن رغبنا في أن نكون أسياد المستقبل، فلأن ذلك يجعلنا قادرين على تغيير الماضي. ولا نزال نتقاتل حتى نبلغ المختبرات حيث يسعنا أن نرمِّم الصور، ونعيد كتابة السيّر والتاريخ“.
ومع الثورة الرقمية التي نشهدها اليوم، باتت الذاكرة مُصادَرة بفعل ” قانون العرض والطلب“ بحيث ” دخلت الذاكرة في عصر السوق“ ، على حدّ تعبير إيمانويل هوغ Hoog الرئيس التنفيذي للمعهد القومي للوسائط السمعية – البصرية في فرنسا (INA)، وذلك في حوار أجراه معه ” موقع الحقول“ في 25 / 9/ 2009. فتولّد عن ” فقّاعة الذاكرة الرقمية“، بحسب هوغ أيضاً، نوعان من النتائج: ” الأول، هو نشوب حروب الذاكرة، حيث بإمكان كلّ أقلّية أن تسرف في ادّعائها بوجود تاريخ وهويّة، والثاني، يتجلّى في فقدان الذاكرة وانعدام التثاقف الجماعي. فلماذا نتعلّم، وندوّن الذاكرة، ما دام الحاسوب هو الذي يتذكّر لأجلنا؟“

http://ofoq.arabthought.org/?p=2029

إضافة تعليق

4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.