دار الفكر ومالك بن نبي علاقة منهج ورسالة

لم تكن علاقة دار الفكر بمالك بن نبي مجرد علاقة ناشر بمؤلف. لقد اعتمدت دار الفكر منذ تأسيسها عام 1957 على منهج يتوخى العلم والإبداع والتجدد والحوار؛ يبحث عن الآخر وسيلة لتنمية الذات، وعن الشباب واسطة لبناء المستقبل، وعن الفعالية طريقاً للتغيير، ورأت في فكر بن نبي ما يثري منهجها ويحقق تطلعاتها، فتبنته رسالة ً هاديةً تحملها إلى جيل ما يزال ضائعاً في التيه؛ يتلمس سبل الخروج منه.
كان اتصالها الأول بمالك عام 1960 عن طريق أحد مؤسسيها الأستاذ محمد الزعبي الذي كان يدير مكتبها في القاهرة، وكانت دار العروبة فيها تتولى إصدار كتبه، فتولت دار الفكر توزيعها في سورية، وتوطدت علاقة دار الفكر بمالك؛ توافقاً في الأفكار، ووحدة في الرؤى، وتطابقاً في الأهداف، علاقة أخذت طابع الرسالة والهمّ المشترك، فكان طبيعياً أن تثمر العلاقة الفكرية اضطلاع دار الفكر بنشر أعماله؛ نشرت بعضها في حياته بموجب عقود مباشرة معه، ثم تابعت نشرها بموجب عقود وثقها الأستاذ المحامي عمر مسقاوي، الوصي الثقافي الذي اختاره لها.
أما علاقتي الشخصية بمالك فقد بدأت مراسلات فكرية، مطلع الستينيات، ثم توطدت لقاءات حميمة في الخرطوم وبيروت ودمشق. وكنتُ قد كتبت له، عندما كان مديراً للتعليم العالي في الجزائر، أن الأستاذ جودت سعيد يقوم بتدريس كتبه في حلقات يعقدها في الجامع الأموي وجامع المرابط في دمشق، فلم أرَه مستبشراً كما رأيته في إجابته التي أشعرني من خلالها بغبطته في أن فكره قد أخذ طريقه إلى الشباب المسلم، الذي إنما كتب ما كتب من أجله، وكان وصول صوته إليه أغلى أمنياته..
وفي رسالة بخط يده مؤرخة في 3/5/1970- أحتفظ بها- ما يؤكد عمق الوشائج بين المفكرين – على تباعد أقطارهم- إذ يقول فيها: أرجو إبلاغ سلامي إلى الأستاذ جودت سعيد (ولا أعرفه إلا ذِكْراً)، لكنهما تعارفا بعد ذلك، إبان زيارات مالك لدمشق، وحفاوة دمشق به، وما عقدته له فيها من محاضرات في الجامعة ونادي الحقوقيين ومسجد المرابط، وفي بيوتاتها الشامية مع نخب العلماء والمفكرين ومع شباب دمشق وشاباتها الذين سعدوا به وسعد بأسئلتهم ومناقشاتهم، كما لو أنه وجد نفسه في دمشق ومجالسها.. وفي هذه الرسالة ذاتها، توثيق للقائنا الذي سبقها في بيروت، وكان لقاءً حميماً في بيتي، قدمتُ له فيه بناتي الثلاث ، وكانت أكبرهن في الثامنة من عمرها، فأطلق على كل منهن اسم بنت من بناته: نعمة وإيمان ورحمة ، وصار يناديهن بأسمائهن الجديدة؛حنيناً إلى بناته اللاتي تركهن بعيداً في الجزائر. وعلى الرغم من كياسة مالك ولباقته ورقة أحاسيسه وحلاوة حديثه، لم يكن أحد في مجلسه يستطيع أن يسرّي عنه همَّ النهضة، أو يخفف من إلحاحها وسيطرتها عليه..
كانت كل كلمة، أو خبر، أو حادثة، أو حتى نكتة، كافية لتكون منطلقاً لربطها بقانون من قوانين التاريخ لنشوء الحضارات وأفولها، ثم توظيفها في سُنَّة من سنن التغيير الاجتماعي، وبناء شبكة علاقات مجتمع التحضر.
كنتُ بين جمهوره الذي تحدث إليه في جامعة الخرطوم عام 1968- بُعَيْد ما دعي بالنكسة – عن عجز تكديس منتجات الحضارة عن بناء الحضارة، ولم أملك نفسي- وأنا الذي لم أعتد التصفيق في المناسبات- أن أجدني مندمجاً مع الآلاف الذين التهبت أكفهم بالتصفيق، إثر خاتمته التي قال فيها " لذلك فإن الأسلحة التي تكدست في أيدينا عام 1967، أبت أن تطيع غير صانعيها".
كان مالك يومها من بين من دعتهم جامعة أم درمان الإسلامية إلى مؤتمر أقامته بمناسبة انقضاء أربعة عشر قرناً على تنـزل القرآن، تقديراً منها لإسهامه الكبير في بحوث القرآن الكريم من خلال كتابه النفيس ( الظاهرة القرآنية)، وكنت مع ثلة من الأصدقاء من أساتذة الجامعة، نعد لاستقباله، ونحن نعرف طبائعه ورغباته التي لا تستريح إلى فنادق خمس النجوم، فأعدّت له الجامعة يومها- بسعي من الأستاذ محمد المبارك، رحمه الله تعالى – سكناً مستقلاً مجهزاً بكل الخدمات.. فإذا به في اليوم التالي يهمس في أذن صديقه المبارك: ألا يوجد في الخرطوم زاوية لشيخ منقطع للعبادة، يقبلني بين مريديه، فآوي إليها؟ فذكر الأستاذ المبارك اسم الشيخ الفاتح قريب الله، وكان عالماً متعبداً مشهوداً له بالصلاح، ورتب الأستاذ المبارك الأمر، وقضى مالك أياماً مع الشيخ ذكر أنها كانت أسعد أيامه.
بذلت دار الفكر قصارى جهدها في خدمة أعمال مالك، نشرتها في سلسلة تحت عنوان مشكلات الحضارة، وصنعت لها فهارس للآيات والأحاديث والأعلام، وللمذاهب والجماعات والشعوب، وللمعاهدات والمؤتمرات والمنظمات، وللكتب والمراجع والمصادر؛ وأخرجتها الإخسراج اللائق، وطورتها في طبعة تلو الطبعة، واتخذت للإعلان عنها وترويجها كل السبل المتاحة.
تشعر دار الفكر الآن بمسؤولية كبرى إزاء هذه اللحظة التاريخية السانحة، و بالحاجة إلى الخروج بفكر مالك بن نبي من أيدي النخب الثقافية التي تدندن به في أبراجها العاجية، إلى أيدي الناس العاديين في المجتمع، فلا قوة لكلمة تعيش معزولة في الأبراج، لا تمشي بين الناس في الأسواق، ولن تتحول من إطار النظر إلى نطاق الفعل، إلا إذا ولجت قيمها في ضمائرهم، واستقرت في وجدانهم، لتتجسد في سلوكهم وعملهم ، وما لم تفعل ذلك ظلت ظاهرة صوتية تؤوب بمقت الله ?كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ? [ الصف 61/3].
ومن أجل ذلك تتأهب دار الفكر لاستخدام كل الوسائل لإيصال هذا الفكر إلى أعمق الشرائح الاجتماعية؛ تعقد له الندوات والمؤتمرات والمسابقات، تبسطه لتقريبه إلى كل الأفهام، تنظم له دورات تدريبية تعيد صياغة حياة الإنسان المسلم وفق قواعده الكبرى، مستخدمة لذلك الوسائط المتعددة، وكل تقنيات الاتصال ووسائل الإعلام.
والجدير بالذكر أن دار الفكر في الآونة الأخيرة، ومنذ سنوات وهي تضع في خططها إضافة إلى ما ذكر تبسيط فكر مالك بن نبي للأطفال، بأن تأخذ منه فكرة وتنسج حولها لهم قصصاً، ثم تضيف إليها الوسائط المتعددة التي تساعد على ترسيخ الفكرة في أذهانهم؛ كدفاتر الرسم وأشكال الفك والتركيب، وأفلام الكرتون التي كلفها الكثير من الجهد والمال.
من ذلك أنها أخرجت فيلماً كرتونياً للأطفال بعنوان " أرض وسماء" مدته 12 دقيقة، بنت فكرته على مقولة مالك بن نبي: أن أزمة الحضارة الغربية أشد من أزمة الإنسان المسلم لأن منطلقاتها المادية وصلت بها إلى طريق مسدود، وهي بحاجة إلى قيم هذا الإنسان المسلم؛ الذي بدوره لن يستطيع في وضعه الراهن مساعدتها، لأن الماء لا يستطيع إرواء الأرض العطش ما لم يرتفع فوق مستواها.
ثم أصدرت الدار مؤخراً عشر حكايات للأطفال تحت عنوان حكايات العم عزوز تحمل كل منها فكرة دعا إليها مالك بن نبي وهي:
1-زقزوق عصفور شجاع ? " لا ينجو شعب من الاستعمار إلا إذا نجت نفسه من القبول بذل مستعمر" (شروط النهضة)
2-العسل لنا ? " المداولة بين الناس هبة الله لمن منحهم تأييداً أو نصراً على الأعداء من خلال غلبتهم على أنفسهم" (مجالس دمشق).
3-قندوسة الأنانية ? " يجب أن نهتم بشؤون المجتمع، فمهما حكّمنا أنانيتنا في القضايا يجب أن نعرف أن مصير الفرد ليس بيده إنه مقيد بأوضاع المجتمع الذي يعيش فيه" (مجالس دمشق).
4- احذر العدو ? " من واجب المسلمين أن ينتبهوا إلى أن الاستعمار بذرة صغيرة؛ ما كان لها أن تؤتي أكلها لو لم تهيأ لها التربة الخصبة في عقولنا ونفوسنا" (مجالس دمشق).
5- خلداوي مهندس محبوب ? "يجب أن نهتم بشؤون المجتمع بقدر ما نهتم بأنفسنا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم". (مجالس دمشق) .
6-مواجهة الثعلب ? "عندما تكون سفيتنا مهدد بالغرق علينا أن نعلن حالة الطوارئ لننقذ السفينة وأهلها من الورطة التي تورطت فيها" (مجالس دمشق)
7-الدودة المثابرة ? "نبدأ في كل القضايا كما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم، بدأ بفكرة صحيحة عاشها وتحمل من أجلها العذاب" (مجالس دمشق).
8-الخروف الصغير المتكبر ? " الأخلاق تضمن وحدة المجتمع، وتوفر لأفراده كل الضمانات التي لا يمكن للعلم وحده أن يوفرها مهما حقق من نجاحات تثير الإعجاب " (مجالس دمشق).
9-ندم الأرانب ? " كل المصائب التي حلّت بنا هي من صنع أيدينا، إنها حصاد ما إحترمناه، وليست نقمة من الله". ( مجالس دمشق)
10-رحلة على السفينة ? "المجتمع يمر الآن بحالة إنقاذ كالتي وردت في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن السفينة التي أراد الذين في أسلفها أن يخرقوها.. فإن تركوهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً".
قدمت دار الفكر حكايات العم عزوز العشر هذه في حقيبة ضمنتها قرصاً تفاعلياً يستمتع الطفل بتشغيله، وكل الوسائط التي تعينه على وعي الأفكار التي نسجت القصص حولها. وهذه خطوات تخطوها الدار في نشر فكر مالك بن نبي وهي بصدد متابعتها لتقدمه إلى الشباب أيضاً، وستعمل على تبسيطه كذلك لعامة المثقفين العاديين ممن يشكون صعوبة أسلوب مالك وقراءته.
وتقوم الدار الآن أيضاً على إصدار الأعمال الكاملة لمالك، بما فيها بعض كتب لم تطبع، منها روايته لبيك.. وهو عمل يهمها.
محمد عدنان سالم 14/07/2008

إضافة تعليق