دور المثقف

يعود النقاش حول دور المثقف كلما تغيرت الأوضاع ميدانياً، ويطالب البعض المثقف تارة بأن يكون حيادياً، وغير منغمس في أيديولوجيا ما، أو غير منحاز لفكرة بعينها، وتارة تتم مطالبته بالانحياز إلى تاريخية الحضارة التي ينتمي إليها، وترتفع بعض الأصوات -كما في الآونة الأخيرة- تطالب بعودة المثقف العضوي المرتبط بشكل جوهري بقضايا مجتمعه، وكل تلك المطالب التي ترتفع في وجه المثقف تنبع من متغيرات الواقع، ومن توقعات متخيلة لدى البعض حول ما يجب أن يكون عليه المثقف، وإن لم ينصع المثقف إلى تلك المطالب أصبح بين قوسي الخيانة، وليس قاب قوسيها فقط .

 

من حق الناس أن ترى في المثقف شخصاً متميزاً يعوّل عليه في التغيير، ومن حقها أن ترى في صوته منبعاً للتأثير، ومن حق من يشاء أن يطالب من يشاء بدور ما، لكن ليس من حقه أن يفرض رأياً أو تصوراً ما على الآخرين، خاصة بما يخص مسألة كبرى مثل الثقافة، وكلنا يعرف الحال الذي آلت إليه الثقافة في ظل تبعية المثقف في العقود الأخيرة، وخروجه عن الشروط الموضوعية للثقافة نفسها، والانغماس في تبعية شروط من خارج الإطار الثقافي، أو الفضاء الذي يمكن أن تتطور من خلاله الثقافة نفسها .

 

من المفيد أن نرى اهتماماً بدور المثقف اليوم، لكن على ألا يكون هذا الاهتمام طارئاً، وعابراً كما تعودنا، وألا يكون نابعاً من تنافس المثقفين أنفسهم على أدوار متخيلة في رؤوسهم، وإنما يجب أن يكون تصحيحاً للمسارات الخاطئة التي اتخذتها الثقافة العربية، وجعلتها لا تقدّم ما هو مرجو منها، أو ما كان عليها أن تسهم به، خاصة في ترسيخ الحس والوعي النقديين في التعاطي مع مختلف المسائل المتداولة في الفكر أو الواقع على حد سواء .

 

في هذا السياق، على العرب أن يقتنعوا بأنهم لو أرادوا للثقافة أن تلعب دوراً في التقدم، فيجب أن يؤمنوا بأن الثقافة الحقة ليست ثقافة مديح أو هجاء، وإنما هي ثقافة غير مهادنة، ومتجاوزة لشرطها وواقعها بشكل دائم، ويلزمها قبل كل ذلك مناخ عام مؤمن بحرية المثقف في الذهاب عميقاً نحو الأماكن المعتمة في الواقع العربي .

 

لقد أكد الربيع العربي سقوط العديد من المثقفين بشكل مدوٍ، وبدا واضحاً أن هناك خيبة أمل في المثقف العربي الذي رسخته المؤسسات على مختلف مشاربها، وتوجهاتها، وظهرت الحاجة إلى نقد حقيقي للثقافة في مختلف مفاصلها، وفرز ما أنتجته، ومعرفة أسباب إخفاقها في أن تكون جزءاً من حركة الواقع .

 

هل نحن بصدد تفاؤل بشأن دور حقيقي للمثقف؟ أم أننا إزاء معركة هامشية سرعان ما ستختفي ضوضاؤها، وتتلاشى مفاعيلها؟ ولا يعود بعدها أحد يسأل عن الدور المنوط بالمثقف؟ أم أن على المثقف أن يبادر في هذه اللحظة التاريخية لتغيير النظرة إلى دور الثقافة؟ هذه الأسئلة وغيرها لن يكون بمقدور أحد الإجابة عنها سوى الواقع نفسه، وجملة الفاعلين فيه، ومن صفوفهم المثقف أعانه الله .

إضافة تعليق

13 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.