د. عزيز شكري: سبقنا الغرب بالموسوعات.. لكننا للأسف آخر من يعلم...

يعتبر العمل الموسوعي في كل أمة من الأمم عملاً يلحق اتساع معارفها واكتمال لغتها، فالحضارات لا تفنى بتوقف التوالد البيولوجي لصانعيها بل تموت بموت اللغة الحاملة لها. 

سبقنا الغرب بالموسوعات.. لكننا للأسف آخر من يعلم

د. عزيز شكري: من يقول بضعف العربية.. الضعف فيه

في العلم لايوجد سياسة، وإن  دخلت  على العلم أفسدته.

حاورته:  روزالين الجندي

جريدة البعث   28/10/2010

وقد يكون تعريف الدكتور عزيز شكري من قبيل لزوم مالايلزم، فاسم الرجل يسبقه كما يقال فهو أحد المشاركين في وضع النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي ، كما يعد من أبرز الذين مثلوا سورية في الكثير من المؤتمرات الدولية ، بالإضافة لعمله سنوات طويلة كأستاذ لمادة القانون الدولي في كلية الحقوق بدمشق ،لكنه ومنذ عام 2004 استقر نشاطه في إدارة الموسوعة العربية سواء العامة أم المتخصصة خلفاً للمرحوم الدكتور محمد سعيد الحفار الذي كانت الموسوعة العربية في عهده قد وصلت للمجلد التاسع، واستكملت بقية مجلداتها ( 22) مع الفهرس في عام 2008 في عهد الدكتور شكري، والآن تستعد الهيئة العامة للموسوعة العربية لإصدار معجم المصطلحات الواردة في الموسوعة باللغة العربية والانكليزية والفرنسية ..
هم الضعفاء


 
رداً على مايقوله بعض المفكرين كمحمد أركون عن ضعف اللغة العربية في استيعاب بعض المصطلحات الأجنبية، ما هو رأي الدكتور عزيز شكري بهذه الإشكالية؟ يقول:” في الواقع لا نجد أية صعوبة على الإطلاق في إيجاد مقابل عربي لكل مصطلح إنكليزي أو فرنسي أو ألماني أو إيطالي ، وما يقوله أركون وسواه لا يعود إلى ضعف في اللغة العربية وإنما لضعفه وأمثاله في هذه اللغة !! فنحن لا نجد صعوبة ،ونعتمد على ما استقر عليه المصطلح المقابل في مجمع اللغة العربية في دمشق الذي يعد أقدم مجمع عربي.


يعتبر العمل الموسوعي في كل أمة من الأمم عملاً يلحق اتساع معارفها واكتمال لغتها، فالحضارات لا تفنى بتوقف التوالد البيولوجي لصانعيها بل تموت بموت اللغة الحاملة لها. من هنا فإن ظهور موسوعة ما ،يعد عملاً يؤرخ مرحلة من مراحل نضج الأمة الثقافي واللغوي، فمن أين جاءت كلمة موسوعة؟ يقول الدكتور عزيز شكري:” كلمة موسوعة هي في الأصل مشتقة من كلمتين Enkylios Paideia وهي تعني التعليم الذي يشمل المعارف كلها ، وتعرّف الموسوعة اليوم بأنها المؤلَف الذي يعرض مختلف فروع المعرفة البشرية أو المؤلف الذي يتضمن كل مطلب من مطالب ثقافات الأمم ومقومات حضارتها ومرتباً حسب حروف الهجاء أو وفق منهج يتصل بالبحث وتسمى مثل هذه الموسوعات بالعامة لتمييزها عن الموسوعات المتخصصة
السبق لنا وهاكم التاريخ


<
بالرغم من كون الكثيرين ينسبون أول ظهور للموسوعات إلى الغرب إلاّ أن هناك من يعيد الأسبقية للعرب ما رأيك؟


<<
أنا مع الرأي الآخر فنحن العرب سبقنا الغرب في ذلك ، لكننا للأسف آخر من يعلم بخصوص هذا الأمر، فمثلاً كتاب (إحصاء العلوم) للفارابي يعد موسوعياً بالمفهوم الحالي وقد ترجم كتابه هذا إلى اللاتينية ، عدة مرات تحت أسماء مختلفة ، منها حديقة العلوم ، كما أن الخوارزمي الذي اتخذ كلمة علم لا للدلالة على العلوم الدينية ، بل للدلالة على المعارف جميعها كان موسوعياً في كتابه «مفاتيح العلوم» الذي رتبه في مقالتين ذكر في الأولى الكتابة، والنحو، والشعر، والعروض، والتاريخ، والجغرافيا، وفي الثانية الطب، وعلم العدد، والرياضيات، والهندسة، والفلك، والموسيقى، والمنطق، والكيمياء، وعلم الحيل ( الميكانيك).. ويعتبر الكثير من الباحثين في الموسوعات اليوم أن رسائل إخوان الصفا التي تبلغ /52 / رسالة إحدى الموسوعات النادرة التي ظهرت في عصرها ، إذ تناولت بحوثاً متنوعة في العلوم ،والفلسفة، والدين،حتى أن الباحث الفرنسي ريمون كينو قال: إن رسائل إخوان الصفا تجعل من مؤلفيها، أول الموسوعيين الحقيقيين، فجميعنا يتكلم عن الموسوعة البريطانية وننسى كل هذا التاريخ الذي نملكه في هذا المجال!!
 
وبخصوص الموسوعات العربية في العصر الحديث يقول شكري:” الموسوعات العربية في العصر الحديث ، بدأها بطرس البستاني عام 1876 ونشر ستة مجلدات من دائرة المعارف ، وبعده تابع ابنه سليم العمل فنشر مجلدين السابع والثامن ثم تابع بعده أبناء نجيب ونسيب مع نسيبهما سليمان المشروع ، فنشروا المجلدات التاسع والعاشر والحادي عشر وتم ذلك عام 1900 ، ثم توقفت موسوعاتهم عند كلمة عثمانيين ، الدولة العثمانية ، وقرر فؤاد أفرام البستاني ، النظر في المجلدات المنشورة من دائرة المعارف وتحديث بحوثها وإتمامها فأصدر منها/ 15/ جزءاً بين عامين 1956 و1986 لكنه توفي عام 1994 وما زال العمل متوقفاً عند كلمة أقرّ ..
 
وفي عام 1923 أصدر فريد وجدي موسوعة القرن العشرين في 10 أجزاء بعد أن بدأ بما اسماه كنز العلوم واللغة ، وأعيدت طباعتها عدة مرات دون تعديل وهي موسوعة شاملة رتبت وفق أحرف الهجاء ، وفي عام 1987 صدرت الموسوعة العربية الميسرة بجزء واحد ثم استعانت بموسوعتين هما (كولومبيا)، و(كولومبيا فايكنسغك) وأضاف محرروها ما يتصل بالمواد العربية والإسلامية ، وفي عام 1996 صدرت الموسوعة العربية ، العالمية ، في المملكة العربية السعودية ، لكن هذه الموسوعة بإقرار أصحابها مترجمة من موسوعة أجنبية هي (world book encyclopedia) بنسبة 60 % والقسم الباقي الـ 40 % متعلق بالحضارة العربية واللغة العربية والدين الإسلامي غير مترجم..
في منتصف الـ 2008 وبعد أن استكملت الموسوعة العامة مجلداتها تطلب إدارة الموسوعة ممثلة بالدكتور عزيز شكري من رئاسة الجمهورية الإذن لإصدار موسوعتين متخصصتين ، موسوعة طبية وموسوعة قانونية، صدر حتى الآن من الأولى الطبية أربعة مجلدات حتى الآن ( أمراض جهاز الهضم، أمراض جهاز المناعة، أمراض القلب، وأمراض التنفس) وفي الموسوعة القانونية التي اتبعت طريقة التصنيف ألف باء،حيث وصلت حتى نهاية حرف الجيم .
موسوعات عالمية


<
كانت لديكم مشاريع بخصوص موسوعات في الأدب العالمي، والأدب العربي،أين وصلت تلك المشاريع؟


<<
تأجل المشروع قليلاً ريثما ننتهي من الموسوعات التي بين أيدينا ، فنحن لا يمكن أن نبدأ بأكثر من موسوعتين في الوقت ذاته..


<
على أي أساس يتم اختيار الكتاب المشاركين في الموسوعة وهل المجال مفتوح لجميع الكتاب مهما اختلفت اتجاهاتهم الفكرية؟


<< 
سأقول لك شيئاً نحن بصدد إعداد موسوعات علمية ، في العلم لا توجد سياسة لأن السياسة إن دخلت في العلم أفسدته ، من هنا فإن البحث الذي يكتبه فلان من الناس ينبغي ألاّ يعبر عن رأيه، بل بإمكانه أن يقول إن الرأي الراجح هو كذا والرأي المرجح كذا ، وهكذا يضمن رأيه دون أن يفصح عنه .


<
ولكن من يقرر أن هذا الشخص ذو مكانة علمية أو فكرية تستحق أن تشارك في الموسوعة؟
<<
لدينا ثمانية أقسام وكل اختصاص له قسم ، العاملون في هذه الأقسام هم من نخبة الأساتذة في سورية في مختلف الاختصاصات ، فكل حسب اختصاصه يدلنا على الأسماء المهمة الموجودة في مجاله سواء داخل القطر أم خارجه، لكن علي الاعتراف أن الاستعانة بكتّاب عرب كانت قليلة في الماضي بسبب الأجر المنخفض ليرتين للكلمة الواحدة ، بينما الكلمة في الموسوعة العالمية ثمنها دولار أي خمسون ليرة !!


<
في ظل هذا الأجر المنخفض ألا تخشون أن يكون الجهد الذي يقدم ليس بالمستوى المطلوب؟
<<
لا ..ليس هناك خوف من هذه الناحية ، لأن البحث يأتي ويمر بمراحل قبل أن يتم اعتماده فالبحث بعد أن يقدمه الكاتب يقرأه المختص وهو عادة أعلى مرتبة علمية ، ثم يقرأه أعضاء القسم ويدخلون عليه التصحيحات فإما أن يقبل من حيث المبدأ، أو يعاد للباحث أو يحال للمراجع لإدخال التنقيحات عليه ثم يمر باللجنة العليا للقراءة ، التي تنظر للبحث من زاويتين الأولى مدى جدارة البحث ،والثانية مدى قبول القارئ العادي للمعلومات التي يقدمها البحث إذ إننا نخاطب شريحة معينة من الناس وليس العلماء ، نخاطب طلاب الثانوي والجامعات وبالتالي نحتاج للغة يفهمها هؤلاء ، من هنا أرى ضرورة أن تكون هذه الموسوعة في كل بيت لأنها تحتوي على معلومات في مختلف العلوم والتي كثيراً ما يحتاجها الطلاب في مراحلهم الدراسية .
البائع الجوال


<
طالما نحن بصدد الحديث عن أهمية هذه الموسوعة بالنسبة للطلاب لماذا لم يتم الاتفاق مع وزارة التربية لكي تضم هذه الموسوعة إلى مكتباتها المدرسية ؟


<<
وزارة التربية أبدت بعض الاهتمام مؤخراً واشترت حوالي 600 نسخة.
<
ولكن هل هذا رقم يذكر قياساً لعدد المدارس الموجودة في سورية ومكتباتها المدرسية التي هي بأمس الحاجة لإعادة النظر بما تحتويه من كتب ؟


<<
أكيد الرقم قليل جداً ولكن أنا لا أستطيع أن أقوم بمهمة ( البائع الجوال) لكي أقنع المسؤولين عن المكتبات المدرسية في وزارة التربية لكي يرفدوا مكتباتهم المدرسية بهذه الموسوعة ، نحن نقدم حسومات ونعمل إعلانات لكن على الجهات المعنية في جميع الوزارات وليس وزارة التربية فقط أن تهتم وتبدأ باقتناء الموسوعة سواء العامة أم المتخصصة ..
منذ تأسيس الموسوعة العربية طرحت شعاراً لها «الموسوعة العربية بكوادر عربية» ولكن ألا يمكن أن يحجم هذه الموسوعة ويمنعها من أن تضم بين صفحاتها بحوثاً لكتاب أجانب على غاية من الأهمية ؟يقول شكري:” جزئياً لا شك أن هذا الموضوع صحيح ، ولكن ما نفعله نحن لتعويض هذا النقص أننا نحاول الاستفادة من كتابات منشورة في موسوعات عالمية أخرى .. فأنا لا يمكنني أن أطلب من كاتب أمريكي أو فرنسي أو.. أو أن يكتب لنا لأنه سيكتب بلغته ونحن نريد الكتابة باللغة العربية الفصحى ، وثانيا نحن لانستطيع أن ندفع أكثر من ليرتين ثمن الكلمة ولا أظن أن باحثاً مشهوراً سيقبل بهذا المبلغ الزهيد .


بالأرقام
<
كم تبلغ ميزانية الموسوعة الآن؟


<<
تصل إلى 38 مليوناً أضيفي عليه دخلنا من الموسوعة يصبح المبلغ الكلي 50 مليوناً.
<
هل هذا يكفي لمشروع بضخامة الموسوعة وسط ما نشهده من تضخم وحالة غلاء متصاعدة ؟
<<
إذا أردنا إصدار عدة موسوعات في آن واحد فبالتأكيد لا يكفي ولكن إذا سرنا وفق إمكانياتنا وأصدرنا موسوعة تلو الأخرى فالمبلغ المرصود للموسوعة يكفي .
<
هل صحيح أن الوقت الممنوح للكاتب للمشاركة في الموسوعة غالباً غير كافٍ ، وهذا بالتالي يؤدي لحصولكم على بحوث غير مستوفية لقيمتها البحثية ؟


<<
قد يحدث هذا عندما نكلف أحد الكتاب ببحث معين ونعطيه مدة أربعة أشهر ولكن لسبب ما يعتذر قبل شهر من انقضاء المدة ونكون في حالة طباعة للمجلد فنضطر لتكليف كاتب آخر ،هكذا يكون الوقت المتاح له للبحث شهر واحد وهو بالتأكيد زمن قليل ولكن ليس هناك من حل آخر


<
هل تأخذون بعين الاعتبار بعض التصحيحات التي توضع من قبل المستخدمين حول بعض المعلومات المقدمة في النسخة الأكترونية ؟

<<

بالتأكيد ، ونعمل على تصحيحها وتدقيقها من جديد ،ولكن بالنسبة للنسخة الورقية فنحن لا نستطيع إعادة الطباعة ،على كل حال تبقى الأخطاء في الإطار المقبول وهي موجودة في أية موسوعة عالمية أخرى لأن بعض المعلومات تخضع للعديد من وجهات النظر المتباينة والتي يصعب اعتماد أحدها .

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.