رؤيتان حول المسالة الثقافية في العالم العربي والاسلامي (الجزء الثاني)

(7)أما الدكتور أحمد برقاوي فقد بدا ـ كما جاء في مقدمة بحثه ـ أنه يعتقد بأن أسهل الحلول التي تريح العرب اليوم لمناقشة المسألة الثقافية، هي تلك الحلول التي تجمع النقائض للخروج من النقائض، بحيث لايغضب أحد الطرفين.. وهو يرى أنَّ ظهور نزعة كهذه سببها غياب القوى الإجتماعية ذات الفاعلية التغييرية للمجتمع والتي يتيح غيابها ظهور مختلف الطوباويات.

إنه يحاول الدخول إلى صميم الموضوع «ميتودولوجياً» واختار صيغة (التصالح) المحببة إلى الكثيرين، عبر دراسته ومناقشته لمجمل الأفكار الواردة في كتابين صدرا في عامٍ واحد يرى أنهما أنموذجين مناسبين لتناول مشكلة واحدة (المسألة الثقافية) حيث قدّما حلولاً متقاربة من دون أن يطّلع أحدهما على كتاب الآخر.
لقد أبرز (البرقاوي) أهم الأفكار الواردة في الكتابين على طريقته المعهودة في عرض السياقات العامة التي تقرب الإشكالية المطروحة إلى الأفهام أولاً، ومن ثم الشروع في نقد المتهافت منها منطقياً، أو على أقل تقدير نبش المتناقضات فيها وطرحه من البحث.
يرى الكاتب الأول الدكتور الخطيب في كتابه (الثقافة والتربية في خط المواجهة) ـ والكلام للبرقاوي ـ إنّ‏المجتمع العربي يسير في تطوره باتجاه التقدم العلمي والتنظيم الإجتماعي على اساس القيم التي فرضت نفسها على المجتمعات المعاصرة، سواءً أكانت شرقية أم غربية، وهذه القيم هي الإتقان التقني، الإستهلاك والرخاء، وما أشبه ذلك من القيم..‏والمشكلة بالنسبة إلى العربي المعاصر?أنه كلّما اقترب من الموروث الثقافي شعر بالإطمئنان إلى هويته أو إلى المفهوم السائد عن هويته، ولكنه في الوقت نفسه، شعر بالإبتعاد عن روح العصر ومشكلاته ومتطلباته.. وعلى هذا الأساس يقرر الخطيب: أنّ الميل الشديد باتجاه الهوية أو الأصالة التاريخية يحمل في ذاته خطر الإنقطاع عن العالم المعاصر، وبالتالي عن إمكان تحقيق الأصالة ذاتها.. وفي الوقت نفسه فإن الجنوح الشديد باتجاه المعاصرة والزي الشائع. يحمل في ذاته خطر انقطاع الإنسان أو المجتمع عن تاريخه وهويته وبالتالي يجعله معرضاً للغزو ويضعف حاسته التمييزية.
ومن هنا يرى الخطيب: أن أنصار الأصالة، يتهمون كل جديد بأنه دسيسة أجنبية وأفكار مستوردة.. بل ويشيعون أن كل جديد في طراز الثقافة، إنما يستهدف شيئاً‏واحداً‏هو القضاء على ثقافتنا وأصالتنا..‏وبالمقابل فإن أنصار المعاصرة يدمغون التقليديين ـ أي أنصار الأصالة‏ـ بالتحجر الفكري، والإنقطاع عن روح العصر، وعبادة الماضي، ويربطون بين النفوذ الإستعماري وبين التمسك المتحجر بالقديم.
ولابد للخروج من هذا المأزق من حل يكفل الراحة لكلا الطرفين، من خلال صيغة فعّالة لإقامة توازن خلاّق بين الأصالة والمعاصرة.. كيف يتم ذلك بمعادلة منشودة بين ثلاثة محاور، تفعل فعلها اليوم في تكوين ثقافتنا المعاصرة.
1ـ الثقافة العربية الموروثة
2ـ المتطلبات الثقافية لمجتمع عربي متطور باستمرار
3ـ المناخ الثقافي المعاصر في العالم.
هنا، ينتهي الدكتور (البرقاوي) من عرضه للفكرة الرئيسية التي عالجها الدكتور الخطيب في كتابه المذكور، وينتقل بعد ذلك إلى كتاب الدكتور عبد الله عبد الدايم‏(في سبيل ثقافة عربية ذاتية‏ـ الثقافة العربية والتراث) حيث يتساءل (عبد الدايم): مالمسألة الثقافية في عصرنا، وما موقع الثقافة العربية فيها؟
ويتساءل ايضاً: هل هناك ثقافة عليا ترنو إليها الأنظار، ونحوها يجب أن تشرئب إلى جانب ثقافات تعدو وراءها لاهثة، وتشعر تجاهها بالنقص والتخلف؟ وبعد أن يستعرض المواقف التي وقفها المثقفون إزاء الثقافة الغربية لاتروق له هذه المواقف، فيستبدلها بصيغة جديدة للثقافة المطلوبة، أو للثقافة العربية كما يجب أن تكون، كمعالم على الطريق دون أن يزعم أبداً أنه يقدم تصوراً كاملاً للصيغة الثقافية المطلوبة.
إنه يرفض التلفيق من جانب ويؤمن بالتفاعل الثقافي بين الثقافتين من خلال ربط عضوي، لن يتم إلا إذا غدت قيمة التراث واتجاهاته قيماً‏متحركة محركة حيّة; إلا إذا لبست اللبوس الذي يستلزمه التقدم العلمي التكنولوجي، والثورة الثقافية الحقة لاتعني هدم الماضي وتقويضه، وإنما تعني أن نجعل هذا الماضي حياً جديداً‏عن طريق دمجه بالممارسة الإجتماعية والحضارية الفعلية.

(8)

يتجه (البرقاوي) بعد ذلك نحو تحديد نظري لمفهوم الثقافة، فيرى مبدئياً: أنّ الثقافة هي طريقة الوجود الإنساني بعامة، التي لامعنى لها خارج ما يبدعه البشر وخارجه العلاقات التي يقيمونها فيما بينهم، وتحدد بالتالي سلوكهم وردود أفعالهم ونشاطاتهم وأهدافهم.
إنّ البرقاوي يحاول أن يذكر دائماً بأن الثقافة هي مجمل العلاقات الإجتماعية وقد انصبت في قالب مادي علمي يحقق غرض الوجود الإنساني وتفاعله مع الطبيعة فهي إذن تعبير عن مجمل السيرورة التاريخية ـ الإجتماعية، وما السيرورة التاريخية ـ الإجتماعية إلا تطور الحياة ذاتها الذي ينطوي على جميع القوى الإنتاجية بدءاً من الإنسان مروراً بوسائل العمل وانتهاءاً بكل أشكال الإنتاج المادية والروحية.الثقافة هي التعبير عن كلية حركة المجتمع البشري ماضياً وحاضراً وفي المستقبل.
وعلى هذا الأساس، فإن الحديث عن ثقافة عالمية لايلغي إمكانية الإحتفاظ بالثقافة القومية. ففي الوقت الذي نتحدث فيه عن تطور ثقافة قومية، نتحدث عن جملة من الشروط الموضوعية، أحد هذه الشروط هو ذلك الذي يدرس العلاقة بين الثقافة القومية والثقافة العالمية ذات التأثير المباشر وغير المباشر عليها.
ويربط (البرقاوي) عالمية الثقافة بالعامل الإقتصادي، التقني، السياسي، العلمي، الديني، الأيديولوجي. إذ بدون تفوق ظاهر في كل هذه المجالات لايمكن أن تسود ثقافة معينة وتصل إلى العالمية واستشهد على ذلك بحضارة الشرق القديم التي كانت تتفوق منذ الألف الثالث قبل الميلاد وحتى النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد. ولم ينس (البرقاوي) أن يعطي أهمية بالغة لنمط الحياة والصراعات الطبقية والحرية السياسية في إحداث عملية التغيير الثقافي، فقد فصّل الكلام فيها، وساق أمثلة كثيرة لتأثير هذه العوامل في عملية التغيير الثقافي، وهو بذلك ـ كما أراه‏ـ ينقل صورة مشابهة لأفكار (غرامشي)، أو منهجية مشابهة لمنهجية ذاك، فالثقافة ترتكز على الإستقلال أولاً ومساحة واسعة من الحرية لاتضاهى.
على الجانب الآخر يربط (البرقاوي) بين التناقضات الموجودة بين الدول العربية الفقيرة والدول العربية الغنية. هذا التناقض الذي يؤثر بشكل أو بآخر على الشعور والإحساس المتنامي بالقضية القومية ومصلحة مواطني كل دولة، وهنا تختلف التصورات عند الناس حول مفاهيم مثل (الدولة، المواطن).

(9)

في المبحث الثاني الذي قدّمه (البرقاوي) في ورقته، تناول الشروط الراهنة لتكوّن الثقافة العربية، فنقول (إنّ أول ما يواجه الباحث العربي سؤال قد لايطرحه الفرنسي أو الإنكليزي، وهو يجعل من ثقافته موضوع بحث، ألا وهو، فالمقصود بالثقافة العربية؟ وهل هناك ثقافة عربية بالمعنى الذي أشرنا إليه، أي بعضها كلية؟ أم نحن أمام ثقافات؟
فنحن انطلقنا بالأساس ـ والكلام للبرقاوي ـ من أن الثقافة في نهاية الأمر ثقافة مجتمع محدد تاريخياً، غير أننا في حالة العرب اليوم أمام مجتمعات ودول عربية متعددة جرى ويجري تطور كل منها بمعزل عن الاخر من جهة وفي ترابط من جهة أخرى، غير أن عوامل التجزئة هو الآن أكثر حضوراً من عوامل الوحدة (ص80).
وهنا يستعرض (البرقاوي) عوامل التجزئة وحالة التبعثر العربي واختلاف الثقافات في الخصائص من بلد لآخر، دون أن ينفي وجود خصائص ثقافية عامة مشتركة بين البلدان العربية وشعوبها. على الرغم من أنه يقسم الثقافات العربية إلى الدوائر التقليدية المعروفة (بلدان الجزيرة والخليج، بلاد الشام والعراق، بلدان المغرب العربي، دائرة مصر والسودان) حيث نجد في كل دائرة من الدوائر سمات ثقافية مشتركة إلى?ابعد الحدود هي أكثر بكثير من السمات المشتركة بين الدوائر‏(ص83)
وفي خضمّ التأثير القوي للكثير من العوامل المشتركة بين هذه الدوائر يكتشف البرقاوي أن التبدلات والتحولات الجذرية في الجانب الإقتصادي والتاريخي يؤسس لعملية الصراع بين القديم والجديد في كل بلدٍ من بلدان هذه الدوائر، ويستعين بذلك بالإستشهاد ببعض السياقات الفكرية العامة لبعض المثقفين العرب أمثال (هشام شرابي ومنير شفيق) في تحليل البنية الأساسية لعملية الصراع هذه من خلال بعض كتاباتهم في هذه الإشكالية ولهذه السياقات الفكرية طبعاً تدخل في تحليل حالة الصراع القائمة بين الإسلام السياسي الجديد والإسلام التقليدي، حيث تعطى المسألة بعداً شمولياً يتناول كل مفاصل الحياة المجتمعية الراهنة.
لم ينج تعقيب الباحث (رضوان السيد) على كلام (البرقاوي) من العودة إلى?أساسيات الإختلاف التي تحدث عنها في ورقته هو في النصف الأول من الكتاب، غير أنه اتجه إلى التركيز على تفصيل (الإنهماك في عملية لتشريح الذات) همّها الظاهر الغرق في الماضي والتاريخ، إعادة للكتابة والتـأمل والتصوير في محاولاتٍ للسستمة، أو النقض، أو التقديس، أو التأويل.. فاستعرض من جديد محاولات الإسلاميين من جهة ومثقفي اليسار في الستينات الذين كانوا يمارسون القراءة التراثية من مواقع السلطة والسلطان. وهم أو أعقابهم يقومون بذلك اليوم بحثاً عن دور أو رؤية أو سلطةٍ ضاعت من أيديهم، ويأملون بوعي أو بدون وعي أن يتمكنوا من التقاطها من جديد بعد أن ضاعت مصداقيتهم سلطة كانوا أم معارضة.
همّ المثقف العربي الفعلي ـ كما يرى السيد ـ هو هامشيته وضآلة تأثيره، وعلى الرغم من ذلك فالتشخيص الذاهب إلى أن الثقافة العربية اليوم متخلفة من مواكبة العصر بحجة عدم دخولها في (العولمة) أو انهماكها في بحوث وتأملات الهوية.. هذا التشخيص يتجاوز عدة أمور أنجزتها الثقافة العربية في العقود الخمسة الأخيرة، تدخل ضمن (مهماتها التاريخية) هي: تحقيقها ما يمكن اعتباره ثقافة واحدة (تفصيل) والطابع التنويري العام الذي اتجهت إليه كتاباتهم (تفصيل) وتمكنهم من إقامة علائق متشعبة وقوية وعميقة مع ثقافات العالم المتقدم (تفصيل).
غير?أن الثقافة العربية اليوم تعاني من مشكلتين إحداهما بنيوية والأخرى ايبستمولوجية من جهة، واجتماعية/ سياسية من جهة أخرى.
المشكلة البنيوية تتعلق بالعودة لمناقشة أساسيات مثل قضية الهوية وقضية الأصالة، والإمتداد بذلك بالعودة لتدارس الوجود السياسي وفكرة الدولة.
والمشكلة الإيبستمولوجية فتتمثل في ضآلة المعلومات التي تستبطنها الكتابات العربية الجديدة حتى ما كان منها مدرسياً أو ميدانياً.. أما الجانب الإجتماعي ـ السياسي للمشكلة فيتمثل بالتهميش الذي يعاني منه المثقفون العرب بشتى فئاتهم.
من جهة أخرى أخذ (السيد) على بحث (البرقاوي) السكونية النسبية في طرائقياته واختلف معه ومع سمير?أمين وهشام شرابي في الرؤية إلى الحداثة والتحديث، وحينما يصل (البرقاوي) بعد رحلته الطويلة هذه إلى نهاية بحثه في المسألة الثقافية يتناول العلاقة بين (الثقافة والتحولات الطبقية).. يحاول الباحث هنا أن يجيب على سؤال أساسي هو: هل تنتج هذه التحولات المجتمعية ـ الطبقية العميقة معادلها الثقافي في الوطن العربي أم لا؟
يستعرض (البرقاوي) أولاً طبيعة هذه التحولات الطبقية، والتي أرجعها إلى رأسملة المجتمع ابتداءً من مجتمع الفلاحين في القرية وحتى تجار المدينة والدولة، وهم يقفزون بمستواهم الإقتصادي عالياً نتيجة توفر الوسائل الحديثة للعمل والتطور السريع، مما أدى إلى تحول ملحوظ في البنية الاساسية لكل حقل من هذه الحقول الإجتماعية، فحدثت الهجرة المتزايدة من الريف إلى المدينة.
لقد شهدت الفترة منذ السبعينات حتى الآن توسعاً هائلاً في المدينة العربية حيث أكثر من نصف السكان يعيشون في المدن، وخاصة في العواصم، وهذا لايعود إلى الزيادة السكانية الطبيعية للمدنيين بل إلى هجرة الريف إلى المدينة.
ويقصد (البرقاوي) من استعراضه المفصل هذا إلى دراسة الأسباب التي قد تشكل عوامل مهمة في التغير الثقافي في القيم والأعراف والعادات والتقاليد التي تبرز كملامح خاصة ومميزة بين كلا البيئتين (الريفية والمدينية). ها هنا يوجد صراع بين هذه القيم، يحاول القديم التمسك بقديمه من جانب غير أنه ينزع إلى تقليد (الحديث) والجديد من أسلوب الحياة تبعاً لتقدم وسائل الإنتاج السلعي والتعامل مع المنظومة الإنتاجية المادية، وما تتركه من أثر كبير في تأسيس المشروع الثقافي الذي يستوعب هذه التغيرات والتحولات الطبقية. لأن التعامل مع هذه التحولات يحتاج إلى مستوىً علمي يتعاطاها وفق ضوابطها العامة على أقل تقدير.
أخيراً يخلص الباحث إلى نتيجة هي (أن الثقافة العربية الراهنة، تعيش حالة تكوّن مرتبطة بسيطرة العلاقات الرأسمالية العالمية، فالمجتمعات العربية التي تدخل الآن حقل العلاقات الرأسمالية، تدخلها بعوامل كبح ثقافة سائدة موضوعياً، وبعوامل اختراق شديد للثقافة العالمية بالمعنى الذي أشرنا إليه في تعريفنا للثقافة العالمية) ص110
وفي التحليل الطبقي، وفي الأحكام البنيوية على مجتمعاتنا وأنماطنا الثقافية، وإذا كانت (تبعية) سمير أمين ـ والكلام للسيد ـ فرضية تتطلب نقاشاً، فإن (بطركية) شرابي رؤية رجعية لاتصمد أمام المحاكمة العقلية فضلاً عن إمكان إثباتها ميدانياً. لكنه ـ أي السيد ـ في تعقيبه هذا لم يعدم وجود اتفاق مبدئي مع بعض الآراء التي أرودها (البرقاوي) كالعلائق الإجتماعية للثقافة ومسألة الهوية الثقافية للأمة العربية ككل فضلاً عن الثقافة الوطنية التي تتجاوز المعنى الجغرافي.
عالج الكتاب المفاصل الرئيسية في المسألة الثقافية عبر منهجين مختلفين بعض الشيء، هذا الإختلاف الذي رسم صورة جديدة في الحوار، أستطيع أن أطلق عليها صورة الحوار (المتمم والمتناقض) في الوقت نفسه، لأنّ «البرقاوي» أعاد ما كتبه زميله «السيد» بشكلٍ مقلوب من جهة، ومعاكس من جهةٍ ثانية.
هذا لايعني طبعاً، أن ليس ثمة جديد في ما يطرحه (البرقاوي) من تحليل ووجهات نظر، إلاّ أن الأول ـ أي رضوان السيد ـ استخدم منهج «العرض التاريخي» وحاول أن يتوقف قليلاً عند محطاتٍ اعتقدها مهمة وجديرة بالبحث والتحليل، لكنه مع كل ذلك لم يقدم جديداً، ويعود السبب باعتقادي إلى الإستهلاك الكبير الذي أصاب هذه الأساليب المنهجية في الطرح، إذ لم يعد جيلنا الجديد يقتنع بهذا العرض الظاهري لعملية الصراع الثقافي مع الغرب، ولم تعد هذه الأجوبة الجاهزة تروي عطش هذا الجيل الذي يُعبر عنه كمٌّ هائل من التساؤلات حول طبيعة الصراع ومسألة الهوية الثقافية، وموقفنا كعرب وكمسلمين من التسارع الثقافي والحضاري للأمم الغربية، صحيح إنّ الدكتور رضوان السيد استطاع أن يعرض لتاريخ هذا الصراع بعقلية غير تقليدية في كتابة التاريخ، إلا إنه ـ كما أرى ـ لم يلامس جذور المشكلة الثقافية كما ينبغي له كمؤرخٍ واعٍ يكتب لنهاية قرنٍ ماضٍ كالقرن العشرين الذي عجَّ بتيارات وعيٍ جديدة ومتلاحقة تنهض على أساس (البنيوية والتفكيكية، وما إلى ذلك) من المذاهب، فكان على الباحث أن يلتفت إلى أن موضوعاً كهذا لايمكن أن يكتمل معرفياً دون أن يتناول بنيوياً وتفكيكياً، على الأقل في مجال النصوص التي تركها الإسلاميون أو التنويريون العرب في حدود هذه المسألة، لأن هذه المناهج أثبتت في الواقع?أنها قادرة على كشف الكثير من القضايا التي تغفلها المناهج الأخرى وخصوصاً التقليدية.. أو على أقل تقدير، لو كان الباحث قد تناول المسألة الثقافية عبر ما يسمى بـ «ايبستمولوجيا التاريخ» فإنه سوف يصل حتماً إلى نتائج جديدة تكسب الموضوع أبعاداً إضافية تساهم كثيراً في توضيح ما التبس منه على الباحثين، هذا من جانب، ومن جانب آخر لم يكن التحليل الذي ساقه السيد بخصوص معرفيات ومنهجيات الصحويين الإسلاميين المعاصرين في مواجهة التغرب موفقاً في الطرح، وهذا الشيء نفسه وقع فيه زميله الدكتور (البرقاوي) إذ قاما بجمع الصحويين الإسلاميين كلهم تحت لافتة واحدة واستشهدوا ببعض سقطاتها الفكرية والسلوكية كاعتناق الإرهاب ديناً والسعي لتطبيقه تحت عنوان الخروج عن الدين مما يؤدي إلى التكفير، بالإضافة?إلى نقطة مهمة أخرى، وهي إغفال الباحثين الدور المهم للصحوة الإسلامية في إيران في التعاطي مع الغرب ثقافياً وحضارياً، خصوصاً بعد التغيرات الأخيرة التي حصلت في إيران مع بداية عهد الرئيس الجديد الدكتور محمد خاتمي.

إنّ الباحثين نفيا وجود حالة من الصحوة الإسلامية تتعاطى مع الغرب دون أن تلغيه وهذا الرأي أثبتت التجربة خطأه بشكل واضح مع ما تقدم من القول إنّ ثمة تغيب لايفسر لطائفة كبيرة من الصحويين الإسلاميين المعاصرين تتمثل بالحركات الفكرية والسياسية والشيعية في العالم الإسلامي، لايعدّها الباحثون والمثقفون والمعنيون بهذا الشأن ذات وجود مؤثر، ولم يكلفوا أنفسهم عناء بحث ودراسة أفكار هذه الحركات وبرامجها الفكرية والسياسية في قيادة المجتمع والدولة، ولذلك وقع الباحثان في نفس هذا الإتجاه التغييبي، فلم يُلفتا النظر إلى وجود صحوة إسلامية معاصرة متفهمة كالتي تمثلها هذه الحركات، وعلى هذا الأساس ننفي أن يكون خطاب الصحوة الإسلامية المعاصرة كله نكوصياً كما يزعم الدكتور أحمد برقاوي.
من جانب آخر، فإن الدكتور البرقاوي نفسه ـ وكما قدمنا القول في ذلك‏ـ حاول أن يستخدم منهجاً بنيوياً في تحليل المسألة الثقافية، فكان أكثر تركيزاً من زميله (السيد) حيث أجاد عرض المشاكل الرئيسية التي تقف حائلاً وحاجزاً في طريق التغير الثقافي نحو الأحسن، كما قام بتحليله الماركسي للصراع الطبقي والتناقض الطبقي الذي أنتج جملة من العوامل التي اشتركت في تأخير عالمنا العربي والإسلامي مما أثر باسقاطاته الكثيرة على الفهم الواعي لعملية التخلف نفسها إزاء الغرب، ولعل البرقاوي في طرحه لهذهِ العوامل كان أكثر جرأة من زميله (السيد) لأنه طرح المسألة السياسية بكل تفاصيلها ودرس آثارها السلبية على حرية الفكر ومن ثم آثارها على المسألة الثقافية بشكل عام.
غير أن البرقاوي في طرحه الأخير الذي يتمثل بتأثير الرأسمالية العالمية على حالة التكوّن في الثقافة العربية الراهنة، لم يكن موفقاً تمام التوفيق، بل بدا متراجعاً في تفاؤله بتطور الثقافة العربية الراهنة عبر تحررها من عوامل الضغط الخارجية والداخلية على عكس زميله (السيد) الذي عبّر عن اطمئنانه المشروط الواعد في تطور الثقافة العربية إذا حدث أمران هما: عودة مسائل النظر والتفكير والنقاش إلى الواجهة، وقناعة عميقة لدى الإسلاميين بضرورات التغير والتجدد والتواصل مع العالم من أجل الإستمرار، ومن أجل المستقبل.

إضافة تعليق

10 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.