رحيـل أنيــس منصــور: الفلسـفة للجمهـور والمتـعــة أولاً

ثارت حول منصور، المولود 1924 في مدينة المنصورة بدلتا مصر، علامات الاستفهام أينما حلّ وكلما كتب، وأحياناً علامات التعجب، وربما لو كانت هناك علامات استنكار لألحقها به البعض؛ في الستينيات كانت آراؤه صادمة للكثيرين،
وربما كان أقوى هذه الصدمات هو مطالبته بإعادة التصريح لدور البغاء بالعمل، كان رأيه أن الانحراف واقع لا محالة، وبالتالي فإن تنظيمه هو نوع من الصيانة للمجتمع، غير أن هذا لم يكن مقبولاً في مجتمع خطا خطوات في اتجاه التأطير «الأخلاقي» الدائم لثقافته.
ويدور الجدل حول «منصور» بشكل رئيس حول دوره في تشكيل ثقافة ووجدان جيل، فالرجل واحد من الذين أعطوا شكلاً للكتابة العربية، الصحافية على الأدق، وهو صاحب أشهر الكليشيهات التي استخدمها الجميع تقريباً من بعده، ويمكنك في هذا الصدد العودة فقط إلى عناوين كتبه، التي لا تصدق أنها جميعاً عبارات كان هو صاحب براءة ابتكارها، من فرط تحولها إلى عبارات «شعبية». هذه النقطة بالذات كانت محور حديث محبي أنيس وجمهوره في اللحظات التي تلت وفاته.
غير أن هذا الرأي يقابله رأي حول دور آخر للرجل، سلبي هذه المرة، فأنيس منصور كان من أوائل الذين جاهروا بصداقتهم مع رجال تل أبيب، وباعترافه بدولة «إسرائيل» وتفوقها ومنطقها.
إضافة إلى ذلك تميز أنيس بصداقة مميزة مع الرئيس الراحل أنور السادات، وهو كاتب خطبه، ومحدد ملامح أفكاره، ومن المعلوم أن الرئيس الراحل السادات لا يحظى بشعبية بين النخبة المصرية، على الأقل في السبعينيات والثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات قبل أن يظهر من بين المثقفين من يدافع عنه ويترحّم على أيامه ويخرج عنه فيلماً.
تبقى كذلك المجالات التي كتب فيها منصور، والموضوعات التي استغرق فيها عدداً لا بأس به من كتبه ومقالاته، فقد سوّد كاتبنا عشرات الصفحات حول الأشباح والعفاريت والجن والذين صعدوا إلى السماء والذين هبطوا منها والوفيات الغامضة ولعنة الفراعنة، إضافة إلى أدب الرحلات، مما جعل البعض يصنفه أحياناً كـ«كاتب رصيف»، وذهب البعض الآخر إلى أن هذه الكتابات كانت هروباً من قول ما يجب قوله، فقد بدأت هذه الكتب عند أنيس عقب هزيمة يونيه/حزيران 1967 مباشرة. غير أن هذا القول يقابله الحديث عن ثراء وتنوع مكتبة منصور ومصادر معرفته عبر 87 عاماً عاشها، فالرجل كتب في التاريخ والفلسفة، وعمل مدرساً للفلسفة في جامعة عين شمس، وكان أول صفه الدراسي دائماً، كما أنه أجاد اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية وغيرها، وإليه ينسب فضل «تبسيط» المعرفة والفلسفة والثقافة الغربية وتقديمها إلى «الجمهور العريض» من مختلف المستويات الثقافية والمعرفية.
وفي أخريات عمره (نتحدث عن عقدين من الزمان) ثار جدل حول كتاباته في عموده الشهير «مواقف» الذي تنشره جريدة «الأهرام» يومياً، حيث خصص منصور عموده يوم الجمعة لكتابة نقاط سريعة تلخص «آراءه» حول المرأة والحب والزواج. لعب أنيس في هذه الأعمدة دور «عدو المرأة» والزواج بامتياز، وأعاد إنتاج ما سجله الكتاب «أنتي فيمينيست» عبر عقود، ولكن عبر أسلوب ساحر وقلم ساخر لا مثيل له، وفيما اتهمه البعض بسرقة هذه الجملة، أو على الأقل ترجمتها من دون نسبتها إلى مصدر، فإن الجدل الأكبر بقي حول مضمون هذه النقاط. وهل تلعب دوراً ضد التقدم ومحاولات تمكين المرأة في المجتمع. غير أن نظرة سريعة على حياة أنيس منصور نفسه، والاستماع إليه شخصياً، كفيلة بالتحقق من أن هذه النوعية من الكتابة لم تكن أكثر من محاولات لخلق حالة من الجدل حول كاتب أخذ نجمه في الأفول، وقد كانت محاولة ذكية للغاية، فقد انتشرت «المقولات» على نطاق واسع، حتى بين من يرفضونها، وتأتي هذه الازدواجية امتداداً لظاهرة تميز بها أنيس منصور، وهو وجود قراء كثيرون له يهتمون بمتابعته، ويحرصون على قراءة عموده دونما أدنى درجة من المصداقية، وقد حاول بعض الكتاب المصريين محاكاة أسلوبه في الكتابة، على سبيل السخرية، وكان المشترك بينهم هو بدء المقال بحادثة جرت له مع صديقه ألبرتو مورافيا أو صديقته مارلين مونرو! وهكذا يمكن أن نجمل الحديث عن أنيس منصور بأنه كاتب انتصر لفكرة «الجمهور»، وهو المؤسس لفكرة الكاتب الشعبي البيست سيلر، ونظرية شباك التذاكر المستعارة من السينما، فكان له ما أراد، واكتسب «شعبية» طاغية كان له أن يدفع ثمنها بخسارة النخبة المثقفة وقبول وضع اسمه في عداد «أعداء الثقافة والمثقفين».
رحل أمس عن عالمنا الكاتب أنيس منصور، لكن لم ترحل كتاباته ولا الجدل حوله، ورحم الله الجميع.

إضافة تعليق