رعاة الفكر ورعاة السياسة.. النادي الثقافي العربي وجنود المعرض

هو المعرض الأول للكتاب العربي الذي شهده العالم العربي، وكان ذلك في العام 1956.
ولم يولد معرض القاهرة إلا بعد 13 عاماً على تأسيس معرض بيروت، وقد استعانت آنذاك وزارة الثقافة في عهد جمال عبد الناصر، بمدير المعرض البيروتي، سميح البابا، للمساعدة في تنظيم المعرض القاهري، فكان الرجل القوميّ العربيّ جاهزاً لتقديمها، لسنتين متتاليتين: «عبد الناصر مطرحه كبير عنا».
لكن معرض بيروت لم يولد كبيراً في العام 1956، وإنما ولد متواضعاً بجهد الشباب الذين كانوا قد أعادوا للتوّ تأسيس «النادي الثقافي العربي»، في العام ذاته، فباشروا نشاطه بـ«محاولة رفع مستوى الكتاب، وكان مستواه بائساً آنذاك، طباعةً وورقاً وأغلفةً وتوزيعاً»، يشرح البابا.
وكانت البداية في قاعة «وست هول» في «الجامعة الأميركية في بيروت».
أجواء الولادة
ولد «النادي الثقافي العربي» مرتين، في زمنين بطابعين متشابهين. في المرة الأولى، كانت التاريخ يشير إلى 11 آب 1944، «فقد كان طبيعياً أن تشهد الثلاثينيات والأربعينيات حالات الولادة الطبيعية بتصفية كل ذيول الحيرة في الإنتماء والهوية بين العثمانية والعروبة»، حسبما يشرح كتاب «مسيرة الخمسين عاماً – النادي الثقافي العربي». فـ«ولد النادي الثقافي العربي في حضن التيار القومي العربي» الذي بلورته آنذاك كتابات ساطع الحصري وقسطنطين زريق، «وتشكّلت هيئته الإدارية الأولى من ثلاثة أعضاء ناشطين ومؤثرين في التيار المذكور، هم: نديم بدر دمشقية، وفؤاد سليم سعد، ورامز شحادة شحادة». تجدر الإشارة هنا إلى أنهم، قبل أن يتقدموا بطلب الترخيص للنادي، كانوا أعضاء في حزب سرّي عربي مثّل عصب التيار القومي في تلك المرحلة»، وقد بقي حزباً بلا اسم للحفاظ على سرّيته.
أما الولادة الثانية فقد شهدت بذورها «الجامعة الأميركية في بيروت»، وصنعت إيقاعها صدمة أحداث فلسطين. إذ انتقلت أعداد كبيرة من طلاب فلسطين للدراسة في «الأميركية»، وتأسست مع السنوات «حركة القوميين العرب» على أيدي شباب مثل الدكتور جورج حبش، وجدوا في «جمعية العروة الوثقى» في الجامعة «الموقع الأول والأبرز الذي يمارس هذا التيار نشاطه فيه». لكن النشاط، مع الوقت، عاد على الجمعية بقرار حلّها من قبل إدارة الجامعة، «فاتجه الشباب إلى تنشيط علاقتهم بالنادي الثقافي العربي وتطويرها.. ومثلما كانت ولادة النادي الأولى ثمرة لانخراط ناشطي التيار القومي العربي لأداء دورهم في معركة استقلال لبنان، فقد كانت الولادة الثانية ثمرة لانخراط نشيطي التيار القومي في الخمسينيات في معركة المدّ القومي العربي والتي فجرتها أحداث تأميم قناة السويس».
من هؤلاء الطلاب الشباب المؤسسين، كان الرجل المستمر في إدارة المعرض منذ ذلك الحين، سميح البابا. يتذكر أجواء إعادة اتأسيس، وقد لفت نظره حينها أن «الكتاب كان في أدنى مستوياته، بينما كل ما نسمعه في لبنان حينها كان عيد الكرز وعيد العنب وعيد التفاح... طب الكتاب اللبناني البائس، ما إلو حق بشوية تكريم ورفع مستواه؟ من هنا، أتيت بكام كتاب، والتقيت بمجموعة أصدقاء في النادي، وجلسنا نتحدث. كنت كأني أمازحهم، إذ طلبت منهم أن يفتحوا الكتب. سألوني: ماذا تريد؟ أعدت السؤال إليهم: نحنُ ماذا؟ نادي شمّ هوا؟ إذا ما اعتنينا بالثقافة، لشو إلنا طعمة نحن وهالنادي؟». هكذا ولدت الفكرة الأولى. فكّروا بإمكانيات تحسين وضع الكتاب اللبناني، «فطلعت معنا فكرة إنو أحسن وسيلة لرفع مستواه هي عرضه للعالم. ننظم معرضاً، يقصده الناس، يجدون أمامهم كمية من الكتب ظاهرة لهم وليست متكدسة في المخازن، بحيث هم يميّزون ويختارون.. وهكذا، كان معرضنا الأول وقد كان بدائياً، في قاعة الوست هول».
طاولات جامعية، خلفها تقف ألواح الـ«مازونيت». غطّوا الألواح بالأوراق الملوّنة الكبيرة، لتزيينه. دقوا المسامير بالألواح، ومرّروا داخل كل كتاب شريطاً متيناً، وربطوه، بحيث يُعلّق بالمسمار، ويصبح «معروضاً» للعيان.
«هيك بلشنا، وهيك ضلينا سنين».
كانت مساحة القاعة مئة متر مربعاً.
التنقّلات
في 23 نيسان 1956، افتتح المعرض الأول واستمر لثلاثة أيام، منطلقاً من فرضية إن «تعميم الثقافة وسط الجماهير، يؤدي بالضرورة إلى تحريرها من الجهل والخرافات والأساطير والاتجاهات الانتهازية والانتقائية».
بعد عقده سنة تلو الأخرى، فاز المعرض بثقة دور النشر والجمهور، قصدوه، ضاقت مساحة قاعة «الأميركية» به، فكانت النقلة الأولى باتجاه قصر الأونيسكو. في العامين 1966 و1967، شغر المعرض القاعتين الجانبيتين في الأونيسكو، وانتقل منها إلى «جامعة بيروت العربية» نتيجة أشغال الصيانة التي خضع لها الأونيسكو آنذاك. في «العربية»، استمر المعرض من العام 1968 إلى العام 1970، ليعود بعدها إلى الاونيسكو. فيه، لن يعقد لأكثر من دورتين، قبل أن يحمل متاعه من الكتب مجدداً، وينتقل به إلى القاعة الزجاجية في وزارة الثقافة في الحمراء، حيث استقر. إذ أمضى المعرض فيها أطول مراحله الممتدة من العام 1974 إلى العام 1995. وعلى الرغم من اشتداد الحرب حينها، يذكر أهالي بيروت بشكل خاص، ولبنان بشكل عام، تلك القاعة التي تصبح فجأةً محط أنظار الناس، سنة تلو الأخرى، في موعد انعقاد المعرض. كأنه موعدٌ حافظ على إيقاعٍ لمرور الزمن آنذاك، فيه رائحة الحياة «العادية»، يوم كانت الأيام تُعجن بأفكار السلامة والموت.
لكنها قاعةٌ ضيقة. فتمدّد المعرض باتجاه مرآب السيارات في الوزارة، بحيث اجتاحته الكتب بدلاً من السيارات، في ذلك الوقت من السنة فقط.
في العام 1996، «أتى شقيقان من عائلة عون إلى بيروت، وهما يعملان في بناء المعارض في السعودية، ونصبوا هنغاراً في ساحة الشهداء. نقلنا المعرض إليه، وكانت النقلة الكبيرة الأولى إلى مساحة واسعة.. لكنهم عادوا وفككوا بناءهم قبل موعد انعقاد المعرض في العام التالي، فمشينا!»، يتذكر البابا.
ومع أن «النقلة الكبيرة الأولى» لم تستمر لأكثر من سنة، إلا انها بشّرت بمرحلة طويلة نسبياً من الاستقرار في المساحات الواسعة. إذ انتقل المعرض من ساحة الشهداء إلى «إكسبو بيروت»، حيث عقد منذ العام 1997 إلى العام 2003. ومنذ العام 2004 حتى يومنا هذا، يعقد «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في قاعة «بيال»، بعدد زوار بات يناهز الأربعمئة ألف سنوياً.
الكتاب والحرب
استمر معرض الكتاب، خلال الحرب الأهلية. وقد بدا للناس حينها أشبه بعمل نضالي أولاً، ما لبث أن بات تقليداً سنوياً مشتهى، تفوح منه أحياناً روائح الإحساس بالذنب بالنسبة إلى آخرين، يشتهون الكتاب لهم ولعائلاتهم، إلا أن ضيق الحرب جعله ربما من كماليات العائلة. لكنه بقي هنا، يذكر بالكتاب، فلربما تكون السنة المقبلة أقل صعوبة على هذه العائلة..
ويذكر الكتاب الخاص بتاريخ المعرض، والصادر في يوبيله الذهبي («خمسون عاماً: تاريخ من ذهب»)، أن هناك سنوات استحال فيها تنظيم المعرض، فارتأى القيمون عليه عقده مرتين في العام التالي، وفي ذلك رمزيةٌ لا تخفى على ناظر. أما السنوات التي شهدت تلك «الاستحالة» فهي واضحة من عنوانها: 1975 و1976، أي بداية الحرب الأهلية، التي ظن معظم الشعب اللبناني إنها «أحداث» وستنتهي اليوم، أو غداً. في العام 1983، كان الإسرائيليون في بيروت. في العامين 1989 و1990، كانت بيروت تتلقى وابل قنابل «حرب التحرير»، في حرب يعتبرها أهالي بيروت من أقسى الظروف التي مرّت بهم. بالتالي، فإن حياة المعرض الحربية تخبر قصتين: قصة الصعب الذي تمكنت المدينة من العيش رغماً عنه، وقصة الأصعب الذي قيّد المدينة، وحارب التقاطها الرمق.
المعرض الأسماء
«أنا جبته لميخائيل نعيمة من ضيعته اسمها الشخروب، بكعب بسكنتا، ورجعت طلّعته بالليل»، يتذكر سميح البابا. فنعيمة كان حينها الراعي الثالث لمعرض الكتاب العربي، في العام 1958. أما الراعي الأول فكان المفكر والمؤرخ قسطنطين زريق، بينما رعى افتتاح المعرض الثاني الرئيس رشيد كرامي. وبعد نعيمة، رعى المعرض الرابع وزير التربية آنذاك فؤاد بطرس، وفي خامسة الدورات رعاه رئيس الجمهورية آنذاك ممثلاً بوزير التربية غالب شاهين.
بعد الرعاية الخامسة، قررت الهيئة الإدارية في النادي تفادي الإشكاليات التي يمكن لاختيار اسم من دون سواه أن يتسبّب بها، واستقرت على فكرة أن يكون الراعي الدائم للمعرض «رئيس الحكومة كائناً من كان»، يشرح البابا.
فتتوالى على صفحات الكتاب اليوبيليّ صورٌ ترسم ملامح وجهٍ من وجوه لبنان، رؤساء وزراء يقصون الشريط، واحداً تلو الآخر، كما درس التاريخ، كتّابٌ كثر يصوغون قصة مستمرة: صائب سلام وقرنفلته البيضاء، تقي الدين الصلح وطربوشه المائل إلى الأمام، شفيق الوزان مبتسماً، رشيد كرامي وبقربه الشاب (الوزير والنائب لاحقاً) محمد قباني الذي ترأس النادي الثقافي العربي ردحاً من زمنه، سليم الحص ورفيق الحريري، ثم ممثلاهما في دورة أخرى الوزيران علي الخليل وميشال إده، ثم عمر كرامي وفؤاد السنيورة، فنجيب الميقاتي.. كأن افتتاح المعرض بقصّ شريطه الرمزي، قد رسا محطةً تقليدية في مسيرة أي رئيسٍ ثالث، تماماً كالصورة التذكارية لحكومته.
أما حكومة الظل في إدارة المعرض فتتشكّل من ناشطي «النادي الثقافي العربي»، الذين تتوالى السنوات وتبقى أسماؤهم حاضرة في سجل النادي، وفي حاضر البلد وذاكرته، وقد بات معظمهم سبعينياً، وثمانينياً.
تراهم يبدّلون المراكز، يستقرون في هيئته الإدارية، يتنوعون جندرياً وإن بقت الغلبة الكاسحة فيهم للرجال، يواكبون السياسة ويختلفون حولها، يحكون عن خطط جديدة لمكافحة سرقة الكتب، لا يتلقون الدعم المالي الرسمي ويدفعون حتى ثمن استئجار «بيال» من النادي وتمويله، يتلقون النقد على كهولة النادي حيناً وعلى فقر المعرض بالضيوف والندوات أحياناً، ويبتسمون.. إذ أسسوا للبنان معرضه الأول للكتاب العربي منذ حوالي 56 عاماً، فليؤسس من يشتهي ما يشتهيه، اليوم.

إضافة تعليق