رمضان في الشام.. ما بين الماضي والحاضر

لرمضان في سورية نكهة خاصة وتحضيرات كثيرة تختلف عن كل شهور السنة، ولا بد من ذلك فهو يأتي بعد أحد عشر شهراً قضاها المرء في جهاد العيش متوحش النفس للهوى والشهوات والملذات فيوقظ رمضان بمجيئه دوافع الخير في القلب ويرهن أحاسيس البر في الشعور ويرجع الروح إلى منبعها الأزلي الأقدس بالتأمل وتوثيق لها وهي بين القلب والدين.. إنه نفحة من نفحات السماء تنعم به دنيا المسلمين بعبير الخلد وأنفاس الملائكة!
لقد اختار الله تعالى شهر رمضان من بين سائر شهور السنة ليخصه بفضيلتين: الأولى نزول القرآن الكريم والثانية شعيرة الصوم وجاء في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" وفي رمضان ليلة القدر التي لا يستطيع أحد أن يحددها بالضبط فهي خير من ألف شهر وشهر رمضان عيد وطني شامل: تفيض بالسرور نهاراته وتغرق في النور لياليه فمجالسه كلها أنس والناس يحيون أماسيه في محافل القرآن والمساجد التي تكون مقفرة معظم أيام السنة تعج بالوعظ والصلوات ولا شك بأنه الشهر الوحيد الذي تصبح به الروابط الاجتماعية أمتن وأوثق وتتأكد أسباب المودة بين أعضاء الأسرة والأقارب بالتواصل والتعاطف بين أفراد الأسرة والأقارب بالتواصل والتعاطف بين أفراد الأمة بالتزاور والتآلف ويكثر التواصل بين الجيران ويشعر المسلمون أنهم في موكب روحاني بهيج يخلو من كيد الشيطان ووسوسته كما جاء في الحديث الشريف: فإذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين".
فالصوم لا ينحصر فقط في مجرد الإمساك عن المفطرات وإنما تتجاوز ذلك إلى ضبط النفس عن الغضب والامتناع عن إيذاء الناس إلى جانب مشاركتهم في السراء والضراء وبذل المعروف لمن يطلبه والصدقة لمن يحتاج إليها.
ومعروف لنا جميعاً بأن شهر رمضان يغمر العالم الإسلامي جميعه بفيض من نفحاته المباركة وينشر على المسلمين في جميع أصقاع العالم جواً من الصفاء والإخاء.
فما من شك بأن رمضان هو الشهر العزيز على كل مسلم لما يحمله من كريم الذكريات وجليل المواقف وعظيم الأحداث، فيا حبذا لو عاد رمضاننا الحالي إلى رمضان أيام زمان لأن رمضان هذه الأيام فقد كثيراً من أهدافه ومعانيه وعاداته وأصالته وليس رمضان كما يقال عنه بأنه إنكار اللذات بل هو إثبات لها بالقيم ولهذا كان ضرورة من الضرورات التي يلجأ إليها الإنسان بكل شكل من الأشكال حتى لو لم تفرضه العادات.. وعلى ذكر العادات هناك عادات كانت في رمضان زمان ولكنها اندثرت مع التقدمية والحضارات منها التقاليد العرفية للناس.. فما أروع السكون الذي كان قبل أذان المغرب وما أجمل الجلبة عن السحور... وآه وأسفاه على رمضاننا الأول الأصيل لقد كان يحسبون حسابه يهيئون أسبابه وعندما يأتي يحل محل النور من العين والمهجة من القلب فلا تعود تسمع لغواً في حديث ولا عنفاً في جدل ولا بغياً في خصومه فإذا حل بأحدهم الغضب ورفع صوته ندم عجلان واستغفر الله سريعاً قائلاً: اللهم إني صائم ذلك لأن رمضان يرجع الإنسان نقياً كقطرة المطر طاهراً كفطرة الوليد، فلا يقتل ولا يسرق ولا يشهد الزور ولا يأتي المنكر.
كان الناس في رمضان أيام زمان يقضون صدر النهار في تصريف أمور العيش. ثم يجلسون مع الجيران في أشعة الأصيل يستمعون إلى قراءة القرآن وإلى الأحاديث الدينية حتى إذا مالت الشمس للغروب مدوا أمام بيوتهم الموائد العامرة ودعوا إليها عابري السبيل وطالبي الصدقة. ثم لا يلبث الإخاء المحض أن يجعل الموائد المتعددة في الحارات الشعبية مائدة واحدة يصيب منها من يشاء ما يشاء.
أما ليلهم فكان استماع للقرآن واستقبال للإخوان ومسامرة مشتركة تجمع أفنان شتى من شهي الحديث.
أما رمضاننا الحديث فقد أصبح أجنبي الشمائل يبيح النظرة المريبة والكلمة العارية الجارحة والأكلة الدسمة والسيجار الغليظ وأصبحت المسجلة لشريط القرآن بدل تلاوته والإفطار في المطاعم كي لا تتعب ست البيت لقد افتقدت بيوت بعض المتجددين وطالبي الحداثة نكهة رمضان الأصلية وكأنما الحضارة أن نعيشها صعاليك على تقاليد الأمم دون أن تميزنا خُصيصة من قومية، ولا شعيرة في عقيدة! وكأنما كتب علينا أن نأخذ الحياة من جانبها الفضولي العابث فتأثر بها ولا نؤثر فيها وهمنا إن نقلد ما هو أجنبي حتى ولو كان غلط
وأسفاه لقد فسدت ما أسموها حضارة رمضاننا وأصبحنا نعيش على ذكرى رمضان أيام زمان وما يفتقده الأطفال بشكل خاص هنا في سورية مدفع رمضان زمان حيث كان يتحلقون حول المائدة بانتظار مدفع رمضان والذي لم يعودوا يسمعون صوته ويفطرون على موعد الآذان بالتلفزيون.
لقد كانت لحظة انتظار مدفع الإفطار هي لحظة كثيفة متعددة الصور وأحلى صورها لقاء أفراد الأسرة قبل المغرب بلحظات حول مائدة الإفطار العامرة بالمأكل والخشافات وقمر الدين والنقوع والشوربا.. وكان عندما يضرب المدفع وتشعل أنوار المآذن ويؤذن المغرب.
وتتعالى أصوات الأولاد بالحارات "هيه .. هيه.. هيه.." ويركضون نحو البيوت وتغلق الأبواب ويخيم على المدينة سكون كامل فلا أحد يسير في الطرقات الجميع متلفون حول موائد الإفطار.
أما المائدة السورية فهي غنية بغض النظر عن المستوى الاقتصادي للعائلة التي تحرص على أن يكون هذا الشهر الكريم مميزاً في كل شيء داهم ما يقدم فيها أنواع الحساء والمشروبات الكثيرة إضافة المقبلات والوجبات الرئيسية المعروفة والحلويات على أنواعها فشعب سوريا يعرف مذاق طعامه ويجتهد لا في تنوع الطعام فحسب وإنما في كيفية طبخه وإعداده أيضاً والحمد لله يساعد في هذا خصوبة الأرض وإمدادها لنا بأصناف الخضار والفواكه والمحاصيل ولا أُبالغ هنا لو قلت بأن المرأة السورية من أشهر النساء بانتقاء بعض أصناف الطعام لتخزينها لشهر رمضان وكذلك بعض الفواكه التي تصلح لصناعة الحلوى بشكل خاص والتي تدخل في الغذاء بشكل عام وأهمها المربيات على اختلاف أنواعها.. ولنذكر أشهر المأكولات في وجبة السحور "والتي تتكون من حواضر البيت" مثل الزيتون واللبنة والجبنة والمكدوس والمربيات إضافة إلى بعض الأكلات الخفيفة مثل المكرونه باللبن أو بالجبنه والأكلات المصنوعة من قمر الدين وغيرها..
أما وجبات الفطور طبعاً تكون عادة من الأكلات الدسمة مثل المحاشي على اختلاف أنواعها والكبب وأهم الأطباق الأساسية على الفطور هم الشوربا وطبق الفول المدمس والفتوش ولا يخلو منزل من هذه الأكلات مهما كان عدد الطبخات وكذلك البعض يعتني اعتناء خاص بصنع الفطائر والمعجنات برمضان وأهم الفطائر المعروفة في سوريا هي "الأوزي" والصفيحة وفطائر السبانخ... والأوزي عبارة عن رز وبازلاء ولحمه ولوز تطبخ بالسمن العربي الأصيل تلف برقائق العجين على شكل أقراص وتحمر بالفرن أما الصفيحة هي عبارة عن لحمه مفرومة مع بندورة ودبس الرمان توضع فوق قطعة من العجين وتوضع أيضاً بالفرن.
والمكرونة تعد من الأطعمة الخفيفة وهي ربما لا تغادر مائدة رمضان مثلها مثل الشوربا كل ذلك يعد مقبلات للفطور غير الأكلات الرئيسية كل يوم طبخة جديدة وصحن رئيس يتوسط مائدة الإفطار.
أما الشراب وهو الأساس برمضان ووجوده من الضروريات على مائدة الإفطار وأكثرها شيوعاً العرق سوس وقمر الدين والتمر هندي وبعد ذلك الليمون أو البرتقال أو شراب الخوخ المصنع طبعاً في المنزل أما الحلويات فهناك أنواع خاصة برمضان متعارف عليها وهي النهش" و"رماك الهوى يا ناعم" و"المعروك" إضافة إلى الكنافة والمدلوقة والحلويات الشعبية أكثر الشعبيات وكول واشكور والهريسة.
أما الأكثرها استهلاكاً وتصنعه ربة البيت "الرز بحليب".
وبعد الطعام لا بد من تناول الفاكهة المتوفرة بكثرة من أشهرها الحمضيات والتفاح والإجاص "الكمثرى" والتين بأنواعه والعنب والكرز والبطيخ والأناناس الخ...
ومن التقاليد التي ما تزال سارية ولكن في شكل ضئيل في رمضان هو المسحراتي الذي ينقر على طبلته صائماً موقظاً الصائمين قبل السحور كان في الماضي يرتدي زياً تقليدياً مميزاً أما في رمضاننا الحالي أصبح المسحر عبارة عن أي واحد ليس لديه عمل حتى لو كان شاباً ولكن عاطل عن العمل يأتي شهر رمضان وتكون فرصة لجمع النقود ولكن يفتقد الصوت الرخيم كما المسحر في الماضي ولذلك تجد الكثير من المعترضين عليه بأنهم لم يعودوا بحاجة إليه.. والبعض يسمح له حفاظاً على التقاليد الرمضانية.
أما عن المساجد في رمضان فهي عامرة طوال الشهر من صغير وكبير رجالاً ونساء وبعد الانتهاء من الصلاة هناك دائماً دروساً دينية الوعظ والإرشاد أحياناً تكون الدروس بعد صلاة التراويح وأحياناً بعد صلاة العصر وأحياناً بعد صلاة الصبح ويستمر الدرس إلى ما بعد طلوع الشمس حيث يصلي المسلمون بعد ذلك ركعتي الضحى ثم يتوجهون إلى أعمالهم إن كانوا موظفين أو مستخدمين وذوي أعمال رسميه أما أصحاب الأعمال الخاصة فقد يذهبوه إلى أعمالهم متأخرين عن عادتهم في غير رمضان وليست الدروس الدينية مقتصرة على ما بعد الفجر أو العشاء فحسب بل هناك بعض النسوة يفتحن بيوتهن للدروس والوعظ بعد صلاة العصر.
وفي النصف الثاني من رمضان يردد الناس في المساجد أناشيد الوداع بعد صلاة التراويح ويجتهد الكثير في تلك الأيام بالعبادة والذكر وتلاوة القرآن الكريم والتهجد وربما أحيوا الليالي العشر الأخيرة المفردة التماساً لليلة القدر وفي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان لا تجد نائماً أو عافياً وإنما تجدهم جميعاً في تهجد وصلاة وعبادة وذكر وتلاوة قرآن عسى أن تكون هذه الليلة ليلة القدر التي وردت أحاديث كثيرة بفضلها العظيم وهم يصلون صلاة التسابيح في تلك الليلة كما تكثر فيها الموائد والولائم بشكل ملفت للنظر.
ومنذ بداية النصف الثاني لشهر رمضان يؤدي الناس زكاة فطرهم وهم يؤدونها جميعاً دون استثناء وأيضاً يؤدي الكثير من زكاة أموالهم غالباً في رمضان لتكون لهم عبادة مضاعفة وثواباً جزيلاً.
وقبل العيد بأيام قليلة تغص بالأسواق أيضاً لشراء ما يحتاجونه ولكن هذه المرة من لباس وليس من طعام إلا الحلويات المخصصة للعيد وما فرحتهم بالعيد بأقل من فرحتهم برمضان ولا غرابة فالعيد عند جميع المسلمين هو جائزة الصيام..
وكذلك يزينون المسلمون هنا في سوريا المساجد والبيوت وربما أعادوا ترتيبها .. ويتم الإعلان عن العيد بواسطة الإذاعة والتلفاز والصحف هذا على الصعيد الرسمي أما على الصعيد الأهلي والشعبي فيتم الإعلان عنه بأن يحيون ليلة العيد بالذكر وعمل الكعك والسهر مع الجيران وتنظيف المنازل والرجال يحيونه بالمسجد وبعد صلاة الفجر وصلاة العيد وبعد الخطبة يتحلقون حول الشيخ ويسلمون عليه ويخرجون لزيارة المقابر وهذه من سنن الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- فأعزائنا الأموات لهم نصيب بالعيد بوضع "الآس" وهو شجر أخضر على المقابر مع توزيع الحلوى والنقود على الفقراء ولا بد من أداء الواجب تجاه من فقدناهم من الأهل .. وبعد ذلك يعودون إلى منازلهم ويتناولون طعام الإفطار في العيد مع الأهل ثم يذهب كل واحد إلى زيارة الأقرباء والأصحاب والأصدقاء وكل عام وأنتم بخير.

إضافة تعليق