رمضان مدرسة للتأهيل الأخلاقي والسياسي

الحلل جمع حُلة، وهي في اللغة تطلق على معان، منها: الإزار والرداء والبرد، مجموعها يُطلَق عليه (حُلّة)، وهو أدعى للستر، وأجمل على المنظر، وقيل: الحُلّة كل ثوب جيد جديد تلبسه غليظٍ أو رقيق .
قد أمر الله تعالى بالتجمل عند العبادة فقال: “يا أيها الذين آمنوا خذوا زينتكم عند كل مسجد” . وكذا الصوم فإنه يستر صاحبه ويجملُه، ومرجع ذلك إلى أن عبادة الصوم يدخر الله تعالى أجرها للصائم عنده يوم القيامة، ففي الحديث الصحيح: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي) الحديث
وتُطلق الحُلّة على السلاح، يقال: لبس فلان حُلّته أي سلاحه . وغاية السلاح أن يُدفع به العدو، ويُنْتَصَرَ به للحق . وكذلك الصوم فإنه ينتصر به على زعيم كل عدو ومنبع كل باطل ألا وهو الشيطان، وفي الحديث: (إذا أقبل رمضان فتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين) .
كما أن الصوم سلاح ينتصر به على مساوئ الأخلاق باكتساب محاسنها، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم) .
ثم إن اكتساب محاسن الأخلاق يقرب يوم القيامة من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وفي الحديث: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مجلساً مني يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً)، و(إن العبد المؤمن ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم) .
فأي سلاح أمضى من حسن الخلق الذي به فتحت أبواب الدنيا لدعوة الإسلام ؟ وفي الحديث: (إنكم إن لم تسعوا الناس بأموالكم فلتسعوهم بأخلاقكم) .
ورمضان مدرسة للتأهيل السياسي، وقد يستغرب القارئ الكريم، فيقول: ما علاقة الصوم بالسياسة ؟ وهو معذور في استغرابه، لأنه قد رسخ في أذهان الكثيرين أن السياسة هي: (فن الممكن) حسب التعريف الغربي للسياسة، وهذا (الممكن) بالتالي يتضمن كل أنواع المكر والخداع والمراوغة، وحتى الكذب، للوصول إلى الغاية المنشودة . غير أن هذا المفهوم للسياسة غريب كل الغرابة عن تعاليم ديننا الذي يعتبر أن السياسة هي (النظر في ما يصلح شؤون العباد في الدنيا والآخرة) . وشتان شتان بين هاتين السياستين .
فالنظر: هو الاجتهاد حقيقة، وبالتالي لا بد أن يمتلك السياسي في مفهومنا الشرعي للسياسة أهلية النظر، وهي القدرة على استنباط الوسائل الشرعية المحققة مصالح العباد المعتبرة شرعاً، وليس مطلقَ مصلحةٍ على ما فهمه البعض خطأً من قول بعض الفقهاء المشهور: (حيث وجدت المصلحة فثم شرع الله)، والذي يعنينا في هذا الموضع هو الخلق الذي يجب أن يتحلى به السياسي ليكون أهلاً، وهذا الخلق ببساطة هو (التجرد)، وأصله في العربية التعرّي، ويقصد به هنا الخروج من حظوظ النفس لمصلحة الآخرين من دون النظر إلى هوى النفس، وكأنه مرادف للعدل، وهو ما تفضل الله به على هذه الأمة فقال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)، فالوسطية هي الخيرية والعدل، وليست التوسط بين شيئين كما يظنه بعض من لا يدرك حقائق الشرع . فإذا كان الأمر كذلك فالصوم عبادة تعين على التخلق بالتجرد والعدل، ومدرسته هي شهر رمضان الكريم .
* المشرف العام على التعليم الديني
في طرابلس والشمال - لبنان

إضافة تعليق