رموز ودلالات الخط العربي

يتميز الخط العربي بأنه أهم الفنون الإسلامية قاطبة، وهناك أنواع كثيرة منه مثل الثلث والنسخ والتعليق والرقعة والديواني وغيرها، ولكن هذا الفن يثير تساؤلات عدة، خصوصاً أن مجالاته بل ومجالات اللغة تحتاج إلى دراسات أكثر لتستوفيه حقه . الحرف العربي وبالتوازي مع اللغة يتعدى كونه شكلاً للتعبير عن المضمون اللغوي إلى أبعاد أعمق من مجرد الشكل وأشمل من مجرد مضمون النص، فهل هذا الحرف يحمل في طياته بعداً كونياً أم أنه مجرد “لوحة متكررة” يرددها الخطاطون ويعيدونها تلقائياً وكأنهم يكررون أنفسهم؟ في الأخذ لما لهذا الفن من خصوصية هندسية صارمة لا يمكن الشذوذ عنها . كما تطرح تساؤلات أخرى لعل أهمها: هل فن الخط العربي هو حرفة أكثر من كونه فناً، وإذا كان فناً هل يستطيع الانطلاق من المحلية أو الإقليمية إلى الكونية؟

ينبغي أولاً أن نتعرف إلى مفهوم الهوية الكونية، ثم نرى موقع الخط العربي منه .

 إن مفهوم “الهوية الكونية” هو مصطلح معرفي فلسفي انتربولوجي، ولقد وجد هذا المفهوم قديماً عند الفيلسوف “إيمانويل كانط” وعند “هيغل” في كتابه “العقل في التاريخ” الذي ذكر أن صفات أو سمات الإنسان الكوني خاصة المثقف، بأنه الذي يحسن ختم أفعاله برؤية كلية متخلياً عن خصوصيته، إذ يتصرف وفق مبادئ كلية ويحد من رغباته وميوله، ومن هنا فالهوية الكونية هي انفتاح دون التخلي عن الشخصية الفردية الخصوصية .

 أما المفهوم الحديث “للغة الكونية”، فهو مصطلح طرح في مؤتمر عقد في لندن عام ،2003 وهو علم يدرس جميع اللغات في آن واحد ويقوم بمقارنة النظام النحوي والعلاقة (الجينية) بينها وبين اللغات الأخرى، ولقد كان الدافع إليه ما عرف بموت اللغات .

 ولقد وردت في هذا المؤتمر بحوث عدة لعل أكثرها إثارة للجدل أحد الأبحاث الذي ورد في طياته أنه ثبت علمياً أن الجزء الأيسر من الدماغ هو المسؤول عن استقبال اللغات وإرسالها مثل الإنجليزية والفرنسية وغيرها، وذلك عكس اللغة العربية فالقسم الأيمن هو المسؤول عن ذلك، ما يؤكد تفرد هذه اللغة عن غيرها، وقد أصبحت اللغة العربية تعرف في لندن منذ ذلك الوقت (باللغة الأم) .

 أما من ناحية الصوت فالحروف لها أصوات متعددة، ففي لفظ الجلالة (الله) إذا لفظنا (ال) فلها ثلاثة أصوات أما إن لفظ اللفظ كاملاً (الله) فالصوت واحد، وهذا يدل على أن هذا اللفظ توقيفي .

 إن ما ذكرته أعلاه يفرض علينا أن نلقي نظرة على الخطوط العربية التقليدية وطريقة تنفيذها، لنرى إن كانت ترتقي إلى مستوى العالمية بالمعنى الواسع والكونية بالمعنى الأشمل .

 لقد تمت هندسة الحروف العربية وفق معايير ونسب محددة ودقيقة، وهي تستمد جمالها من حسن الشكل ونسب مقادير الحروف (النسبة الفاضلة)، فمقاسات الحروف واتصالاتها بعضها ببعض لا يعني تحديد إمكانات الحرف الفنية .

 يتميز الخط العربي التقليدي بمميزات عدة أهمها:

 1) بأنه خط منسوب، أي مقاس بطريقة هندسية وفق قاعدة “النقط” .

 وتناولت المصادر التاريخية هذه التسمية (الخط المنسوب) وكانت قبلها تسمى (بالخطوط الأصلية الموزونة)، أي ما عرف لاحقاً (بالنسبة الفاضلة) - وهذا المبدأ نجد نظيراً له في منحوتات الإغريق وذلك وفق التشريح، وهذا مستمد من نسبة الرأس إلى الجسد - وهاتان التسميتان توضحان وتظهران أن الخطوط العربية لها مقاساتها وقواعدها، ولقد نسب هذا الأمر إلى ابن مقلة لاجتهاده في الأمر وبلوغ مرتبة عالية فيه . وهنا لا بد من القول إن إرجاع الأمر بكامله أو بأغلبه إلى ابن مقلة مبالغ فيه، فالمصادر التاريخية لم تذكر هذا الأمر على حد علمي إلا كتاب “صبح الأعشى في صناعة الإنشا” للقلقشندي الذي أتى بعده بقرون، ولقد ذكر “غروهمان” الباحث في مجال الخط العربي أن الخط المنسوب أقدم من ابن مقلة، وكان يقصد الخط الذي له قواعد معينة، واستشهد على ذلك بكتابات نقشت على النقود ظهرت فيها القواعد القريبة من الخطوط التي نسب وضع قواعدها لابن مقلة، وأهم هذه النقوش درهم أحمد بن محمد الذي يعود إلى سنة 292 هجرية .

 2) إن تنفيذ اللوحة الخطية التقليدية، يكون بواسطة القلم أو القصبة وهي على أنواع مثل قلم جاوه والقلم الهندي والقلم الخشبي وغيره، والقلم يحتاج إلى بري، والبري يمر بأربع مراحل هي الفتح والنحت والشق والقط، ويستخدم هذا القلم في الكتابة على ورق مصنوع يدوياً في الشرق وهو على أنواع مثل الورق الخشبي الدمشقي والبخاري والورق الهتائي والعادل شاهي والحريري السمرقندي والهندي والقاسمي والحريري الهندي وغيرها، كما يستعمل الحبر العربي المصنوع يدوياً ويغلب اللون الأسود في الأحبار وذلك لمضادته لون الصحيفة . وهنا لنا أيضاً تساؤل لماذا اللون الأسود في الخط الغربي غالباً؟ لماذا لم تستخدم الألوان الأخرى؟

 3) الخط العربي فن ورقي: إن الأغلبية العظمى من اللوحات الخطية هي لوحات ورقية، وهذا أدى إلى ضياع الكثير منها .

 ومع ذلك فإن لبعض اللوحات التقليدية سمات مميزة تجريدية مثل الطغراء .

 وفي هذا الصدد لا بد لي من أن أشير إلى الملاحظات التالية:

 - مفاهيم الجمال عند المسلمين مختلفة عن الغرب .

 - مفهوم البعد الواحد مسيطر على لوحة الخط العربي التقليدية .

 - اللوحات الغربية بعيدة عن الحرف .

 - اللوحات العربية مبدئياً بعيدة عن الألوان والأبعاد، مع أن العكس هو الذي يجب أن يكون .

 - أغلب الخطاطين غير مزودين بخلفية فنية غربية، بل إن خلفيتهم تقليدية .

 - ومع ذلك فإن الحرف العربي يختزن مقومات جمالية استطاع التقليديون إبرازها في الماضي والحاضر .

 - محاولات التقليديين للخروج عن القيود جاءت أسيرة الماضي، فالمحاولات ضعيفة: نفس التقنيات - الأخبار - الأقلام - الأوراق - الأفكار - النصوص .

 وهنا نأتي إلى معالجة البعد الآخر من الموضوع، هل الحرف العربي وبالتالي اللوحات الخطية ترتقي إلى الكونية؟

 إن الحرف العربي هو صورة شكلية تجانس الصورة المسموعة، وهي تحمل معاني فلسفية كثيرة، فإذا أخذنا الحرف من باب الهندسة، فقد تعرض لتعديلات وتطويرات كبرى عبر التاريخ الإسلامي قوامه النقطة، كما أن نسب الحروف ومقاساتها جاءت تعبر عن نظرة فلسفية وروحية إلى عالم الغيب وعالم الواقع، فالخطاط فنان وليس حرفياً، وهو يضع من ذاته أثناء عملية الإخراج الفني .

 السمات المميزة للحرف العربي

 أ) من الجانب اللغوي:

 قال الفرنسي أرنست رينان: “اللغة العربية بدأت فجأة في غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة” .

 وقال الألماني فريتاغ: “اللغة العربية أغنى لغات العالم” .

 ويقول وليم ورك: “إن للغربية ليناً ومرونة يمكنانها من التكيف وفقاً لمقتضيات العصر” .

 ومن أبرز خصائص اللغة العربية ما يلي:

 1- من الجانب الصوتي:

 - للغة العربية مدرج صوتي عريض: يبدأ بتوزيع الحروف من الشفتين إلى أقصى الحلق، بينما النظام أضيق بكثير في باقي اللغات ولو زاد عدد حروفها .

 - توزيع مخارج الحروف: إن مخارج الحروف موزعة توزيعاً عادلاً ما يؤدي إلى انسجام الأصوات وموسيقاها، وهذه الأصوات ثابتة في اللغة العربية لم تتبدل، حتى بالرغم من اللهجات العربية العامية فإن التغييرات محدودة وموزعة بين البلدان وهذا لا يؤثر في اللغة .

 2- اشتقاق الحروف: الحروف العربية لا تعيش فرادى بل جماعات، وهذا يتوافق مع الطبيعة الإنسانية، فلنأخذ مثلاً كلمة (كتب): كاتب - كتابة - مكتوب - كتاب - مكتبة، هذه الكلمات تشترك في عدد من الحروف وكذلك الأصوات، وكذلك في الخط ما يؤدي إلى انسجام الحروف في النصوص، أما في الفرنسية فهي: Livre - bibliotheque - librairie - ecrire - bureau، فنرى أن هذه الكلمات تتباعد صوتاً وكتابة .

 ب) من الجانب الخطي:

 إن أهم ما نلمحه في الخط العربي هو أربع خصوصيات:

 1- الارتفاع والدوران .

 2- الميلان .

 3- كراهية الفراغ .

 4- تموضع الكثير من الحروف ضمن مثلث .

 الارتفاع والدوران: الارتفاع قوامه الحروف المرتفعة، وهي في الغالب تتركب من حرف الألف، وهذه الألف فيها نزعة نحو الارتفاع، والارتفاع هو سمو الروح نحو السماء لتسجد عند العرش، وهذا ما نلاحظه في المقرنصات . هذه المقرنصات التي تشبه خلايا النحل إنما هي في أشكال كثيرة منها تشبه المحاريب، ولكننا لا نرى هذه المحاريب في أسفل المنشأة بل في أعلاها، وكأن هذا المصلي في المحراب الأساسي وخلفه المؤتمون به ارتفعوا من الأرض إلى السماء في سمو روحي، فالإنسان المؤمن في هذه الدنيا ليس بمنعزل عن الآخرة، بل هو جزء منها، يراها بحسه ويجدها أثناء صلاته، والحرف العربي بنزعته التصاعدية إنما هو تعبير كتابي عن مفهوم دنيوي - أخروي، فعبارة التوحيد: “لا إله إلا الله” نرى فيها بوضوح هذا الارتفاع والنسق العمودي .

 أما بقية الحروف العربية فهي ذات شكل دائري، وهنا نلاحظ أن مجمل حركة المخلوقات دائرية، فالمجرات تسير بشكل دائري حول نفسها وحول بعضها عكس عقارب الساعة، وكذلك البروتونات تدور حول النواة بالاتجاه المذكور نفسه، وقس على ذلك دورة الدم داخل الجسم وحركة الطواف حول الكعبة المشرفة، وكذلك الحروف العربية تتجه من اليمين إلى الشمال، وهكذا بالنسق نفسه نرى هذا الانسجام بين العربية لفظاً وكتابة وحركة وبين حركة المخلوقات المسيرة .

 الميلان: لماذا الميلان؟ هو كالفتلة الصوفية، إذا نظرنا في الشعر القديم فإننا نرى بوضوح هذا الأمر، فقد قالوا:

 “كانوا إذا ما الليل فاجأهم فهم في الليل رهبان

 يميلون كما مالت من الأرياح أغصان” .

 وقد كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يقيم الليل بكامله بركعتين الأولى تستند بها مائلاً على رجله اليمنى والثانية على رجله اليسرى .

 والحروف العربية لها ثنائيتان دلاليتان، صوت وشكل، فالصوت هو نطق الحرف ليصل إلى إحدى الحواس، أما الشكل فهو مكمل للصوت ويتماهى معه وهو الحرف المكتوب المرئي، وبداية هذا المرئي تكون بالنقطة، فكما أن قياس الحروف يكون بالنقطة كذلك الانطلاق بالحرف وخصوصاً الألف، فهذه الألف مائلة في أغلب الخطوط، وهذا الميلان ليس وليد الصدفة، فالخط العربي بكامل أنواعه إنما جاء نتيجة مخاضات زمنية طويلة رسخ فيها الأولون قواعده، والألف هي أكثر الحروف التي لقيت عناية .

 إن هذا الميلان له دلالات، فلننظر في سورة “سبأ” في القرآن الكريم ولنقرأ قوله تعالى: “يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها”، هنا نرى أن الخروج من الأرض مذكور في القرآن الكريم بصفة العروج، فما هو العروج؟

 ثبت علمياً أن الخروج من الأرض لا يمكن أن يتم بشكل عمودي وإلا احترق الجسم، بل يجب أن يكون بشكل مائل “فالعروج هو الصعود بشكل مائل”، ونحن نقول رجل أعرج أي يمشي بشكل مائل، فنلاحظ ميلان الألف وكأنها تجل لعروج الروح في السماء .

 من هنا نلمح هذا الانسجام والتماهي بين الحروف العربية ونسق الكون المحيط بنا، بينما الخطوط اللاتينية نجدها بغالبها مستقيمة ذات زوايا حادة ما يدل على الصراع والصدام، بينما الخط العربي بليونته هو متنفس لإراحة النفس لدى الخطاطين والناظرين ما يؤدي إلى خفض حدة التوترات النفسية .

 كراهية الفراغ: إن لوحات الخط العربي المتراكبة يسيطر عليها التناغم بين الكتلة والفراغ، وهذا نجده في مجمل اللوحات الخطية، حتى إن أي لوحة يعتريها بعض الفراغ تغطى بالحركات والنقط وذلك لضبط الوزن، وهذا ما نلمحه أيضاً في شتى المنشآت المعمارية التاريخية كالمساجد والقصور . وإذا أخذنا على سبيل المثال قصر الحمراء في غرناطة في الأندلس، فالحوائط والأرضيات والسقوف غطيت بكاملها بالزخارف والخطوط والمقرنصات، وحملت السقوف على أعمدة هيفاء منقوشة بالكامل، وكأن العربي حمل معه بيئته الصحراوية، فاستبدل عصي الخيم بأعمدة هيفاء رفيعة وغطى الحوائط بالزخارف النباتية تقليداً للخيم المزركشة وكسا الأرضيات بالزخارف الهندسية عوضاً عن السجاجيد الملونة .

 هذه الكراهية للفراغ ليست وليدة الصدفة، ولكننا نجد لها أساساً في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى”، كما أن العلم الحديث يخبرنا أن هذه السماء الدنيا ليست فارغة، بل إن هناك مادة سوداء (سميت كذلك لأنها لا ترى) هذه المادة هي التي تمسك الإجرام وتحدد مساراتها فهي كالصمغ يجمعها بالرغم من تمدد الكون .

 تموضع الكثير من الحروف ضمن مثلث: تتموضع الكثير من الحروف العربية ضمن مثلثات، والمثلث هو أكثر الأشكال الهندسية تجميعاً للطاقة وهو وضعية السجود، وكل هذه الحروف لها ثلاثة أضلاع كهذه الوضعية، ومن هنا فإن الحرف العربي له صفة ساجدة .

 من هذه الحروف: ج ح خ د ه ط ك م . . .

 إذا كانت اللغة العربية تتضمن نحو ثلاثة ملايين مفردة وهي أغنى اللغات، وإذا كان الحرف العربي يستخدم في خمس فئات من اللغات هي: العربية، والتركية، والفارسية، والهندية، والإفريقية، فكيف نقف عند تصاميم واحدة للوحات، أفلا ينبغي أن تكون أغناها بفنها، الجواب بلى . ومن هنا ظهر بعض الخطاطين أصحاب الرؤيا الحديثة، ويجب ألا نغفل هنا المستوى الجمالي والتجربة الفنية والموهبة عند هؤلاء التي هي أساس راسخ في أي عمل .

 إن اللوحة الخطية الفنية التشكيلية الحديثة أضحت تستلهم تجليات جديدة، إن من حيث الخامات أو الألوان أو الإخراج أو حتى الأحجام، فهذه الأمور تخرج باللوحة الخطية من التقليدية إلى التجديد، ومن عالم الفن التقليدي الأقرب إلى الحرفي إلى عالم الرؤيا الجديدة للنص وما يحمله من تأويلات، وخرجت اللوحة من الإخراج الجماعي إلى الإخراج الفردي .

 

إضافة تعليق

5 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.