زلزال الصدمة

إن استمرارية الأداء الكوني قائم على ملايين القوانين التي تستند جميعها إلى قاعدة أساسية وهي توازن الضدين السالب والموجب لأي كينونة أو منظومة أو كائن، وعندما ينهار هذا التوازن تنتهي أي بنية مما ذكر لتتحول إلى نظام آخر، منتجة توزاناً من نوع آخر، والقرآن الكريم يفاجئنا في هذا الصدد بشكل صدمة يزداد دويها مع تعاقب العصور.
منذ نعومة أظفارنا ونحن نسمع عن الغزو الفكري الأوربي، ومؤامرات تحاك ضدنا، وممارسات استفزازية، واتهامات باطلة، ونحن وإن كنا نذكر كل ذلك ونكرره فإننا لم نأت بجديد ولم نضف للتاريخ سطوراً، بل إن التاريخ يتجاوزنا لأننا أخطأنا في فهمنا لطبيعة العلاقات بين الأمم وسنن الله في الكون، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ومن الطبيعي أن تختلف الأمم، ومن الطبيعي أن يكون هناك أصدقاء وأعداء، وخونة وأوفياء، وباختصار؛ الشيء وضده، فالكون كله قائم على هذا التوازن بدءاً بالذرة وانتهاء بالمجرات العملاقة، فعلى صعيد الكائنات الحية نلاحظ أن استمرار حياتها مرهون باستمرار مقاومتها لجحافل الجراثيم والفيروسات والأجسام الغريبة، فالمعارك لا تتوقف ليل نهار حتى ساعة الموت التي هي إعلان جسم الكائن الحي عن تراجع مقدرته على المقاومة واستسلامه لتكون الغلبة للأجسام المعادية، فتكون النهاية الموت.
وهذا ينطبق على الدول والمجتمعات؛ فهي كالكائن الحي تتعرض باستمرار إلى الاعتداءات بصور مختلفة؛ ضغوط سياسية، حصار اقتصادي، تهديد لأمنها القومي، كوارث طبيعية، كوارث اقتصادية، أمراض اجتماعية... إلخ.
لذلك من السذاجة بمكان أن نتباكى بالشكوى والتذمر من أفعال أعدائنا لأن مخططاتهم ضدنا ظاهرة طبيعية، خاصة أننا نعرِّفهم بأنهم ضالون.
ترى من الذي خرج عن الطبيعة؛ نحن أم الآخر الغريب؟
إن استمرارية الأداء الكوني قائم على ملايين القوانين التي تستند جميعها إلى قاعدة أساسية وهي توازن الضدين السالب والموجب لأي كينونة أو منظومة أو كائن، وعندما ينهار هذا التوازن تنتهي أي بنية مما ذكر لتتحول إلى نظام آخر، منتجة توزاناً من نوع آخر، والقرآن الكريم يفاجئنا في هذا الصدد بشكل صدمة يزداد دويها مع تعاقب العصور.
قال تعالى:) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ( [الأعراف 7/11-18].
عندما أمر الله سبحانه وتعالى إبليس بالسجود لآدم نفاجأ بجرأته على عصيان أمر رب الأرباب، لكن ذهولنا يستمر أمام قائل هذا البيان؛ وهو الله، وهو يحدثنا عن قصة عصيان لله من قبل مخلوق، فيطرده من ذلك المكان الذي شرفه، ثم يزيد البيان الإلهي وتيرة الحدث تأججاً عندما ينقل دفته إلى إبليس الذي يطلب من الله بوقاحة صريحة منحه الخلود إلى يوم يبعثون، هذا الطلب الذي لم يمنح لنبي، وإذا بدويِّ المفاجأة يقتحم أسماعنا بتلبية الله جل وعلا هذا الطلب مطيحاً بكل توقعاتنا وتصوراتنا الأسطورية عن السلاطين والجبابرة الذين لا تأخذهم رحمة أو رأفة، بل إن سيفهم يسبق فيبتر لينعكس لهم تصفيقاً وإعجابا ًمن الجمهور لتخليصهم من رمز الشر.
لكن هذا الحدث غاية في الإثارة والإرباك فهو يحدث للعقل البشري صدمة.
تحليل الحدث:
-الإله يأمر الملائكة وإبليس بالسجود لآدم وهو يمثل الاعتراف بخلافته على الكون ومركزها في الأرض.
-كل من سمع يسجد باستثناء إبليس يرفض أمر الله.
-يفتح الله جل وعلا حواراً مع إبليس عن الذي منعه من السجود .
-يغلق إبليس الحوار، فيجيب بأن آدم لا يستحق هذا الاستخلاف والتقدير من الله، فهو مخلوق من تراب وإبليس من نار.
-يطرد الله عز وجل إبليس من المكان المشرف ليوم الدين.
-يطلب إبليس من الله الخلود ليوم الدين.
-يلبي الله عز وجل دعاء إبليس.
- يفتح إبليس حواراً استفزازياً يسأل بعزة الله مرة أخرى تمكينه من إغواء ذرية آدم وإضلالهم وتحريضهم على عصيان الله.
-يستجيب الله لإبليس بالتمكين من الفاسدين مستثنياً الصالحين.
-يكرر الله عز وجل طرده لإبليس مرة أخرى مهدداً له ولأتباعه بجهنم.
وهنا نلاحظ كأن خطاباً يزلزل أسماع البشرية إلى يوم الدين من الله عز وجل؛ أنه من يعتقد بأنه يريد اجتثاث المختلف عنه فها أنا ذا أثبت عدوي وعدو البشرية إلى يوم يبعثون.
من ناحية أخرى نجد بأن آدم خالف أمر الله بعدم التزامه تجنب الشجرة.
قال تعالى: )وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلَى حِينٍ ( [الأعراف7/21-24].
ثم يتوجه الله بالرحمة الربانية إلى البشرية لتستفيد من هذه التجربة بعدم السماح للشيطان بخداعها:
)يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْءاتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ( [الأعراف 7/27] نجد في هذه الآيات:
-بدء فعالية إبليس بمهامه السلبية موسوساً لآدم وزوجه.
-مخالفة آدم وزوجه لأمر الله.
-فتح حوار مع آدم وزوجه عن سبب مخالفتهم.
-اعتذار آدم وزوجه واستغفارهم لذنبهم.
-تقَبل الله عز وجل للتوبة وإخراجهما من الجنة.
-إعلان الأرض موطناً للإنسان، لكن هناك بطلان للقصة متعاكسان الإنسان والشيطان.
-تنبيه بني آدم للاستفادة من الدرس الذي تعرض له أبواهم، وعدم الوقوع بفخ الشياطين، علماً أن الشياطين أمر واقع لا مفر للإنسانية منه إلى يوم الدين.
في الحقيقة نستطيع استنتاج الكثير من العبر الهامة.
لقد أعطى الله إبليس أعطية لم تعط لنبي؛ وهي الخلود إلى يوم الدين، وهذا يعني بأن الله تعهد أمام الجميع بإبقاء رمز الشر مقابل الإنسان إلى يوم الدين كعلاقة الموجب بالسالب، فمن يريد اجتثاث الشر فها هو ذا جل وعلا يثبته ، وآدم ربح بالعلم وبالتقوى، و خسر إبليس بعنصريته وكبره، فالعنصرية من الشيطان، وتحولت إلى مشاريع استعمارية على الأرض فيما بعد.
نلاحظ بأن كلاً من آدم والشيطان تم إخراجهما من الجنة، فكلاهما خالفا أمر الله، لكن الشيطان تكبر واغتر بذنبه، في حين ندم آدم واستغفر، فكان ذلك تأكيداً بأن المؤهل لبناء حضارة راقية في الأرض هو الإنسان، لأن عظمته هي الاستفادة من خطئه ليكون سلماً يرتقي عليه تطوراً وتقدماً وبناءً في الأرض، وهو مصداق لقوله تعالى قبل خلق آدم: )وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ( [البقرة2/ 30].
يعلمنا الله تعالى بأن التعامل مع الآخر المخالف لنا ليس بتصفيته أو مقاطعته، بل بالحوار معه، ومن المستحيل إقامة حضارة دون توافر ثنائية متعاكسة، والغاية الإلهية الوصول إلى القيمة الوسطية بين الموجب والسالب، هنا تجدر معرفة كلا الحدين للوصول إلى الوسطية.
بعد هذا التقديم أعود إلى البداية؛ لماذا نلوم الآخر المعاكس أو المعادي بإحاكته المؤامرات ضدنا؟ إن ذلك شيء طبيعي، والسؤال الأجدى: ماذا عنا نحن وأين ممانعتنا التي يطالبنا الله بها أمام اعتداءات الشياطين؟
والاعتداء أو الظلم يحصل عندما ينظر الفاعل إلى الأمور من زاوية ضيقة جداً تحوي فقط مصلحته، مثل القوى الاستعمارية فهي تنشر الدمار والخراب والفساد في سبيل مصالحها، متجاهلة مصالح الآخرين، بل جاهلة بأن المصلحة الحقيقية هي مراعاة مصالح كل الأمم في الأرض، ليأتي دور المقاومة الثقافية والفكرية:
-المقاومة الثقافية ترفض القوة الاستعمارية ذات الرؤية الأنانية بشكل عفوي من خلال ما تربت عليه الأمة من قيم الإباء والكرامة والعدل مستنبطة من تاريخنا كل ما فيه من مآس وفخار.
-المقاومة الفكرية هي التي تفضح ضيق الرؤية الزاوية التي يتبناها المستعمر، ويبدأ المقاوم بالإفراج عن ضلعي زاوية الرؤيا بعد أن اعتقلها المستعمر، فيتضح بأن الواقع يحتوي على الكثير من العناصر الفاعلة لو استمر المستعمر بتجاهلها من جهة ولو استمرأت المقاومة بالتصدي لها لحصلت كارثة اختلال التوازن أو الوسطية ولحلت كارثة القتل والدمار للجميع بمن فيهم المستعمر بذاته.
ترى هل عرف العالم بتنوع أنظمته الديمقراطية وغيرها مثلما قدم الآخر مفهوم التعامل مع الآخر المخالف لدرجة العداء؟
وهل يدرك العالم العربي اليوم ضرورة وجود الآخر من بني قومه المتبني لأفكار مختلفة فيكون ذلك عوناً لهم لمجابهة التحديات في منطقتنا بسلاح المقاومة الثقافية والفكرية ؟ فينكشف عدونا ضعفاً وهشاشة، بل ينكشف وهمنا أمام أنفسنا خداعاً عشناه ردحاً طويلاً .... طويلاً.

إضافة تعليق