سجال تسفيهي وجدل عقيم تذكيه أزمة المثقف العربي

 

من المؤسف حقا أن يقبل المثقفون العرب بتوزع ولاءاتهم لتغذي خلافات الأنظمة والحكام في وطنهم ، وهم كتلة الوعي الفاعل في الأمة ، وأحد أهم مصادر قوتها وتأثيرها وتدبيرها إذا ما جمعوا على وحدة الموقف ووحدة الهدف والرؤية ، إلا أنهم ابتعدوا عن هذا وانبهروا بالعقل الغربي ومنجزاته ، محتقرين العقل العربي ومنجزاته ، فزادوا من اتساع الشرخ الثقافي الذي يعيشه الإنسان العربي بدرجات لا تتفاوت كثيرا من جماعة عربية إلى جماعة عربية أخرى ، وبدلا من منطقة وسط يأخذ فيها المثقف العربي ما يتناسب مع ثقافته العربية ، وتراثه المجيد ، نجد الغالبية تعيش الثنائية بكل تناقضاتها وفصامها . ما أدى إلى أزمة يعيشها المثقف العربي العلماني ، والنهضوي ، والسلفي والإسلامي على حد سواء .

 

ومع أن بعض المثقفين والمفكرين العرب حاولوا التغلب على هذا الواقع المأساوي بمشاريع إصلاحية هدفت للخروج من هذه الأزمة إلا أن مشاريعهم كانت دون الطموح ، ولم يكتب لها النجاح ، الأمر الذي أدى إلى تخلف حضاري لم تعرفه الأمة العربية على مر العصور . ولكن الأسئلة التي تطرح نفسها هي : هل التخلف العلمي والثقافي هو السبب في التخلف الحضاري؟ وهل يشترط للنهوض الحضاري وجود ثقافة عالمية إنسانية ذات خصائص محددة؟ أم هل الثقافة العالمية تنجم عن إصلاح ثقافي واع وأصيل؟ كيف يمكن للثقافة العربية أن تخرج من عنق ثنائيات الأصالة والمعاصرة والتراث والتجديد والدين والعلمانية إلى رحاب منهج أصيل يبلور رؤية مستقبلية . في الحوارية الأخيرة الصادرة عن دار الفكر يحاول الدكتور أحمد الموصللي والدكتور لؤي صافي البحث في جذور أزمة المثقف في الوطن العربي بغية وضع حد للتخلف الثقافي والعلمي الذي أدى إلى تخلف الحضارة الإسلامية ، كما أدى لفقدان الدافع الذاتي للتطور ، والركون إلى ما توصلت إليه الدوائر العلمية والدينية في العصور الإسلامية الوسيطة أو النقل المشوه عن الغرب . ويرى الدكتور الموصللي أن الاستبداد السياسي ، والذي تمظهر أحيانا في استبداد فكري وتقليد أعمى ، منع التطور العلمي الحقيقي وممارسة الاجتهاد بمعنى عام واجتماعي إيجابي ، وبالتالي طمس قدرات المجتهدين والعلماء على تطوير الفكر الإنساني . كل هذا أدى إلى فشل المسلمين في تطوير نظام علمي ومعرفي متقدم ، يعمل على تراكم التطورات الجديدة في العلوم الأساسية والعلمية والتطبيقية ، فتحولت المراكز الثقافية والعلمية إلى مؤسسات تقف على هامش التراث . كما أن الغزو الثقافي والسياسي الغربي شل الإمكانات الداخلية الذاتية ، فتحولت المؤسسات الثقافية والعلمية التي تعنى بالدراسات الإسلامية ، على سبيل المثال لا الحصر ، إلى مراكز تحاول إرجاع المسلمين إلى ثقافتهم الأصلية - ولاحقا التأصيلية - والمدافعة عن الحضارة الإسلامية في مواجهة الغزوة الثقافية الغربية التي أنتجت إما انفلاتا من الإسلام والهروب إلى الثقافة الغربية ، أو تقوقعا في الفكر الإسلامي التقليدي ، والهروب إلى ثقافة التراث . هذا الهروب إلى الغرب وإلى تراث المسلمين حال دون العمل على إيجاد صيغة واقعية ، علمية وسياسية وثقافية ، تعمل على الارتقاء بوعي المجتمع إلى استقلال حقيقي ، علمي وتكنولوجي وسياسي وأوجه الحياة الأخرى . بل على العكس من ذلك ، أفضت كل هذه الأمور إلى إلحاق المجتمع بالدولة ، وإلحاق الدولة بالمراكز العالمية المتقدمة تكنولوجيا وصناعيا وعسكريا .

 

كما أن العالم العربي اليوم ، ومعه المثقف ، يعاني من فقدان تلك الفكرة النهضوية الواعدة بمستقبل خال من الاستعمار والتجزئة والتبعية . فهو يقف اليوم حائرا أمام انشطار الدولة إلى تركيباتها البدائية ، من عشائرية وطائفية ومذهبية وقطرية ، وكذلك فاقد الأمل من فقر المجتمع ، إلى دعاة القومية والليبرالية والاشتراكية والإصلاحية ومشاريعها وإفلاس مشاريعها الاقتصادية .

 

ويرى الدكتور أحمد الموصللي أن عدم قدرة التيار النهضوي الإسلامي على التحول إلى تيار شعبي سياسي واجتماعي ، هو الذي حال دون قدرة الإسلام على النهضة وقدرة العروبة على التصدي للتحدي الغربي ، وإذا كانت قراءة عصر النهضة للتراث هي دعوة إلى التكيف مع العصر الحديث ، وتوظيفه في مسيرة نهوض ، فهي أيضا اعتراف بسمو الفكر الغربي الحديث ، ومركزيته في قراءة التراث الإسلامي . ولهذا تحول الفكر النهضوي أو التنويري إلى فكر تلفيقي ، حاول دمج أفكار عدة تمثل القومية والديمقراطية والاشتراكية في فكر تراثي فضفاض وانتقائي . إذ إنه كان فكرا قائما على مجتمع يتجزأ ويتآكل بعد سقوط الدولة العثمانية ، فتحول فكر النهضة إلى فكر استقلالي كفاحي ، وتغاضى عن البعد الفكري والفلسفي .

 

ولما كان بعض المثقفين العرب يلقون أسباب أزمتهم وأزمة ثقافتهم على السياسيين واستبدادهم فإن الدكتور لؤي صافي المدير في المعهد العالمي للفكر الإسلامي بأمريكا يرد أسباب الأزمة التي يعيشها المثقف العربي إلى أنه أسير ثقافة أنتجها المثقف الغربي ، وهو لهذا يعيش خارج الزمن الثقافي العربي . فتارة تراه ينافح عن الرؤية الحداثية ، ويتبنى أطروحاتها ورؤيتها وحلولها ، وتارة أخرى يدعو إلى ثورة ماركسية تطيح بالطبقة الرأسمالية وتستبدلها بطبقة الكادحين ، وتراه ، حين تتعرض الرؤيتان لنقد حاد من المثقف بعد الحداثي الغربي ، يتبنى الطرح الجديد ، ويدعو إلى تبني نتائجه الفكرية والاجتماعية غير آبه بالتباين البيّن بين التجربتين العربية والغربية ، واختلاف الزمن الثقافي العربي والغربي . ويستشهد صافي على صحة كلامه هذا بالنقد الذي وجهه " علي حرب " إلى المثقفين العرب إذ انه لم ينطلق في نقده للمثقف العربي من الاحتكام إلى العلاقة بين المثقف والثقافة التي ينتمي إليها ، بل من أطروحات الاتجاه بعد الحداثي ، الذي يمثله مفكرون غربيون من أمثال فوكو ودريدا ، في نقده للفكر الحداثي الذي ينافح عنه في الغرب ثلة من المفكرين الحداثيين ، أو الحداثيين الجدد ، يتقدمهم هابر ماس الألماني .

 

وينطلق "حرب" في هجومه على المثقف العربي من مقولة أن المثقف يسعى من خلال عمله الفكري والتنظيري إلى توظيف سلطته العلمية والمعرفية لزيادة نفوذه الاجتماعي ، وتحقيق سلطة سياسية مدفوعا بإرادة القوة ، الغريزة الوحيدة التي يعتمدها المفكر بعد الحداثي لتفسير السلوك الاجتماعي والسياسي . ولذلك فإن "حربا" يسارع ليعيد أزمة المثقف تحديدا إلى بداية الاضطرابات الطلابية في فرنسا ، هذا الربط اللا منطقي والبعيد كل البعد عن الواقعية لأزمة المثقف العربي بالمظاهرات الطلابية الفرنسية يحمل "صافي" على التساؤل عن الأسباب التي تدفع "حرب" لهذا الربط ، فما علاقة الاضطرابات الطلابية الفرنسية بمشكلات الثقافة العربية وأزمة المثقف العربي؟ ولماذا لم يختر "حرب" هزيمة 1967 التي سبقت الاضطرابات الطلابية في فرنسا بسنة والتي هزت الوجدان العربي وزلزلت أحلام مثقفيه وتطلعاتهم؟ إن السبب في الرؤية التي يعتمدها "علي حرب" وغيره كثير من الكتاب العرب هو غياب الرؤية الأصيلة التي تدفع إلى النظر في الأشياء والأحداث من زاوية الكاتب ، وتحليل المعطيات ، كما تبدو من الموضع الذي يتمركز فيه . فكما تدعو الأصالة الوجدانية مفكرا فرنسيا إلى اعتبار الاضطرابات الطلابية في فرنسا حدثا هاما له تداعياته العميقة على وجدان المثقف الغربي ، يؤدي غياب الأصالة عند نظيره العربي إلى تجاهل حدث ملاصق قريب كهزيمة حزيران 1967 وأثرها على العقل العربي ، ويدفع به إلى تبني حدث لا يكاد يخدش وعي المفكر العربي ، بل الفرد العربي الغارق في مشكلاته وأزماته الثقافية والاقتصادية والسياسية المتلاحقة . بل إن غياب الرؤية الأصيلة تحول دون إدراك تمايز الزمن الثقافي ، حتى عندما تصرخ المعطيات التاريخية في وجه المفكر مشيرة إليه . لذلك نجد "حربا" يضع إصبعه على الفارق الجوهري الذي يفاضل بين المثقف العربي والغربي ، ويمسك طرف الخيط الذي يؤدي إلى ملاحظة الاختلاف بين الزمن الثقافي العربي والغربي ، دون طائل . من هنا يخلص الدكتور "صافي" إلى أن الأزمة التي يعانيها المثقف العربي ترتبط مباشرة بغياب الرؤية الأصيلة التي تدفع صاحبها للنظر إلى الأشياء من موقعه الزماني والمكاني . ويعزو "صافي" عجز المثقف عن التأثير في محيطه ، وتطوير ثقافة مجتمعه ، إلى طبيعة الحلول التي يقدمها والتي لا تتوافق مع طبيعة المشكلات التي تمر بها الشعوب العربية . وإذا ما أراد المثقفون العرب النهوض بأمتهم وتحقيق مشروعهم الحضاري فإن عليهم أولا وقبل كل شيء أن يكونوا أصلاء ، والأصالة في سياق الثقافة العربية تعني البحث عن أصول هذه الثقافة التي أعطتها توجهها وبنيتها المتميزين ، واعتماد تلك الأصول لتحديد مواضع القصور والانحراف في السلوك الثقافي والأصالة العربية التي يريدها "صافي" تعني ضرورة الانطلاق من قيم الإسلام الكلية وتصوراته الإنسانية وتوجهاته العالمية ، في جهد لإصلاح أحوال المجتمع العربي وتنمية قدراته الإبداعية ، وإعادة ترتيب بيته السياسي ، يستوي في ذلك المسلم وغير المسلم . كما أن أصالة المثقف لاتقف عند التزامه بالأصول الإسلامية للوعي الحضاري التاريخي للشعوب المسلمة ، بدءا بالشعوب العربية ، بل تنبع أيضا من ارتباط الوعي بالتجربة التاريخية للذات ، أي بوعي المثقف للسياق التاريخي والجغرافي الذي يعيشه . كما أن الأصالة الثقافية تتطلب استحضار العناصر الكلية في التراث الثقافي ، والمثقف الأصيل قادر من خلال استحضار تلك الكليات على تجاوز خصوصيات ثقافية وإعادة تشكيلها وفق الكليات الإسلامية ، وبالتالي تجديدها دون إضاعة هويتها ، أو إنكار تاريخها وتراثها المميز لها . وبناء عليه فإن الأصالة والتجديد ليسا مفهومين متقابلين كما يظن البعض ، بل هما مفهومان متكاملان . فلا تجديد حقيقي دون أصالة تربط الحاضر بالماضي ، وتبني المستقبل على إنجازات السلف .

 

ومع أن الخلاف في وجهات النظر يجب ألا يحمل على الهجوم العنيف والاستهانة بقدرات الآخرين ورؤاهم إلا أن الدكتور "أحمد الموصللي" أستاذ العلوم السياسية والدراسات الإسلامية بالجامعة الأمريكية ببيروت ، يشن هجوما لا هوادة فيه على الدكتور "صافي" متهما إياه بعدم ضبط مفاهيمه التجديدية أو التأصيلية ، كما أن "صافي" يغفل أن التجربة العربية ، السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وكذلك العلمية والتقنية والتنظيمية ، هي أصلا صور مشوهة لنماذج منقولة عن الغرب ، كما أن الزمن الثقافي الذي يريد الرجوع إليه للتمايز عن الزمن الغربي هو مؤسس على الفصل ما بين العالم إلى أزمنة ؛ ويتساءل "الموصللي" في أي زمن أو سياق تاريخي سيضع "صافي" الثقافة الإسلامية؟ هل هو زمن انهزام الفكر والدولة الواقعي والحقيقي؟ أم زمن صعودهما المفترض والوهمي؟ وتظهر حدة الهجوم من قبل "الموصللي" على "صافي" عندما يصف منهجية بحثه بأنها مضطربة ، ولا تتأسس على أي منهجية كاملة أو متكاملة مع منهجيات أخرى . فليس في بحثه منهجية تاريخية أو فلسفية أو لغوية أو حتى مناهج نابعة من العلوم الإسلامية التقليدية ، سواء في الفروع أو الأصول ؛ كما أنه يخلو من العمق التاريخي والفلسفي بكل أشكاله ، إذ إنه ينبع من مقولات إسلامية المعرفة وأسلمتها وعلى رفض المشاركة في تطوير ثقافة عالمية فعلية . فأسلمة المعرفة هي عملية إيديولوجية تلفيقية خالية من الإبداع ، ولذلك فإنها-وكما يرى الموصللي- غير قادرة على وضع الأسس الضرورية لثقافة نهضوية تجديدية عالمية .

 

وإذا كان "الموصللي" يطلق مصطلح "التلفيق"على الفكر الذي يرمي أصحابه من ورائه لربط الإطار المرجعي الإسلامي بنتاج الحضارة الغربية الحديثة ، فإن هذا يدل على رغبة واضحة عنده بإضفاء مسحة سلبية على تلك الجهود . ذلك أن التلفيق يدل على جمع عشوائي بين الأضداد . ولأن المنظومة الفكرية والثقافية التي تقوم على مفاهيم وقيم متناقضة آيلة إلى التفكك والزوال ، فإن الجهود الفكرية التلفيقية جهود عبثية غير هادفة. وبالتالي فإن الموقف الصحيح من الفكر التلفيقي يتطلب عزل هذا الفكر ورفضه باعتباره يشكل عثرة في طريق بناء مستقبل الأمة .

 

وبعد نظرة فاحصة في السجال الدائر حول التلفيق والتلفيقية في الفكر العربي تظهر لنا أبعادا خفية ، تدعو الدكتور "لؤي صافي" لطرح جملة من الأسئلة والتساؤلات لسبر أبعاد ما يسمى تلفيقا ، وحقيقة المواقف الموجهة للنزعات التلفيقية . فهل يصح وسم الأعمال الفكرية التي ترمي إلى جمع مفاهيم وخبرات إنسانية تنتمي إلى منظومات فكرية وثقافية مختلفة بالتلفيق؟ هل ثمة حاجة إلى قيام حوارات بناءة بين التوجهات الفكرية المختلفة؟ وإذا كان الجواب على السؤال السابق بالإيجاب ، هل يمكن وسم القناعات الجديدة المترتبة على مثل هذه الحوارات بالتلفيقية؟ وإذا كان التوفيق ممكنا ، فما الفرق بين التوفيق والتلفيق؟

 

في رده على وجهة النظر التي يتبناها "الموصللي" يرى "صافي" أن الحوار والتبادل والتوفيق عمليات أساسية في سيرورة النمو الفكري والثقافي والحضاري للإنسان . فكل الحضارات الإنسانية المعروفة اعتمدت على عملية التوفيق من خلال عملية تركيب نقدي لإسهامات ثقافية وحضارية إنسانية. والتركيب النقدي مقاربة علمية نظرية تهدف إلى استيعاب الأبعاد الكلية الإنسانية في النتاج الفكري والثقافي للمنظومات الفكرية الحضارية المختلفة . وبعد دراسة وفحص دقيقين لما يتبناه "الموصللي" تتكشف لـ "صافي" أبعاد خفية للمواقف الرافضة للتوفيق والتركيب بدعوى رفض التلفيق . فالموقف الماركسي أو الليبرالي الرافض للتوفيق يخفي بين جنبيه رؤية أحادية استلابية ، تفتقد الأصالة الفكرية الداعية إلى فهم علاقة الذات بالآخر ، وتتبنى المنظومات الماركسية والليبرالية ذات الخصوصيات الغربية ، ولا ترى حاجة إلى إخضاع هذه المنظومات إلى معايير مرتبطة بقيم الأمة وتجربتها التاريخية ، بل تسعى إلى فرض الإطار المرجعي المستعار على الوعي القيمي والتاريخي لأبناء الأمة العربية والإسلامية . فرفض التوفيق الذي يسميه الاتجاه التغريبي تلفيقا هو في حقيقته رفض للمرجعية الإسلامية جملة وتفصيلا ، ودعوة لتبني المرجعية الغربية بشقيها الماركسي والحداثي (الليبرالي) ، جملة وتفصيلا . ويطرح "صافي" سؤالا يراه منطقيا ومشروعا هو : "هل ثمة اتجاها توفيقيا ضمن فئة المثقفين العرب؟" من الملاحظ أن أصحاب الرؤية الأحادية الغربية يعمدون إلى تجاهل هذه النزعة في الفكر العربي والإسلامي الحديث ، ويعمدون إلى وضع الجواب وضعا حديا ينتهي إلى وضع التراث في الجهة المقابلة للحداثة ، وترجيح الأخيرة . فتصنيف "محمد أركون" للمثقفين المسلمين إلى "التحديثيون المنفتحون على تأثيرات الثقافة الغربية أو الاشتراكية العلمية ، والتقليديون الملتصقون بالقيم الإسلامية" هو من هذا القبيل . ولهذا يصب رفض الدكتور "أحمد الموصللي" مشروع إسلامية المعرفة الذي يعتمد مقاربة التكامل المعرفي والتركيب النقدي في إطار تكريس ثنائية التراث والحداثة كما يقدمها دعاة الحداثة الغربية وحماة الإحياء الإسلامي . ذلك أن رؤية "الموصللي" لمشروع إسلامية المعرفة تتمثل في كونه (المشروع) يحاول رفض التطورات الإبستمولوجية الحديثة ، وإلى نزع العناصر الأولية العلمية الغربية من ذاتيتها ، واستبدالها بأخرى من الحضارة الإسلامية . وكل هذه الأمور تفضي إلى ربط المعرفة ربطا محكما بقيم دينية وفرض المبادئ الدينية الكلامية واللاتاريخية على العلوم التاريخية السائدة اليوم . ومع أن "الموصللي" لا يرفض المنطلق الديني ويعتبره حرا في السعي إلى طرح أمور تتعلق برؤية الإنسان لله وللكون وللحياة ، إلا أنه يرى فرض الرؤية الدينية على الاكتشافات العلمية ، وحتى النظرية ، هو عمل تلفيقي يؤول إلى تحديد إمكانية العلم ولإخضاعه لمنطق من خارج نطاق العمل المحدد الذي يسعى إلى تطوير نتائجه وأبحاثه من خلال التجربة ، فلا مبرر لفرض التجربة الدينية على التجربة العلمية أو العكس ، لأن أي فرض يقلل من حقيقة تلك التجربة ومعناها . كما أن القيمة الدينية تتحول إلى علاقة لايمكن فهمها إلا من خلال فرض مفهوم علمي عليها .

 

أخيرا بقي أن نشير إلى أن أزمة الثقافة والمثقفين العرب هي اليوم أخطر من أي وقت مضى ، ذلك أنها بدأت تهدد وجودهم وكيانهم ، فالخطاب التسفيهي والجدل العقيم هو الذي يحكم فكرهم وحوارهم ، كما أن مصطلحات التكفير والتخوين والتأثيم هي سيدة خطاباتهم فهل سيبقى المفكرون العرب على ماهم عليه أم تراهم سيحققون مناخا ثقافيا وفكريا يحقق سموهم وارتقائهم الحضاري ، وينتزعهم من الواقع المزري الذي وضعوا أنفسهم فيه ، وهل باستطاعة المثقفين العرب أن يخلقوا دورا ورؤية في عالم كل مافيه متغير وسيبقى متغيرا؟ أمل كبير يبنيه الشارع العربي على مثقفيه ولكن هل سيكون المثقفون العرب أهلا للمسؤوليات الملقاة على عاتقهم وأهلا لما يعلقه الشعب عليهم من آمال؟

 

الكتاب : جذور أزمة المثقف في الوطن العربي .

المؤلفان : د . أحمد الموصللي و د . لؤي صافي .

الناشر : دار الفكر 2002

 

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.