سوزان في دار الفكر!

قبل وفاة المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري بأشهر حصل على جائزة "أستاذ الجيل" في احتفالية ثقافية بمملكة البحرين، ودعيت لإلقاء محاضرة بعنوان "جولة في فكر المسيري".

 

ولقد كان رحمه الله موجوداً ومنهكا؛ إذ تمكن منه مرض السرطان بدرجة كبيرة، ومع ذلك لم تكن تراه إلا باسـما متفائلاً، وقال لي: أتمنى أن يمد الله بعمري (10) سـنوات لأنجز مشروعي الثقافي "موسوعة وحدة الوجود" و " موسوعة الحداثة وما بعد الحداثة". ولقد أسعده كثرة  أسئلتي التي اختلفت عن أسئلة محرر جريدة الوطن البحرينية، حيث ركز الزميل الصحافي على البعد السياسي، أما أسئلتي فكانت تنصب على الجوانب الفكرية التحليلية. ووقفنا طويلاً عند رأيه في أن سـؤال الحداثة كان بحثاً عن الحقيقة "كيف نصل إلى الحقيقة"؟ أي أنه سـؤال معرفي "أبستمولوجي"، أما سؤال ما بعد الحداثة فكان ذا طابع وجودي "أنطولوجي" هل هناك حقيقة؟ وأسعده أكثر توقفي عند لفتته الذكية حول الشطحات الفكرية للترجمات العربية التي تصدر من المؤسسات الثقافية الكبرى، عندما تترجم كتب جاك دويدا وفريدرك نيتشه وفوكو على أنها مصادر تنويرية، بينما هي تصب في خانة الفكر "العدمي"!!  

قلت للمسيري: أريد أن أزورك في القاهرة لأجري معك حواراً مطولاً، لأنني في رسالتي للدكتوراه التي تناولت فيها موضوع المرأة والفكر العلماني تبنيت تحليلك للعلمانية ومفرداتك الاصطلاحية المتعلقة بها ودلالاتها المنـزوعة من سياقاتها لدى المفكرين العرب. فقلت له: سأرسل لك أسئلتي بالبريد الإلكتروني. فاجأني المسيري قائلاً: لا.. اسألني دون مقدمات ودون علمي المسبق بالأسئلة؛ لأن البداهة تجعل الإنسان يتدفق بالعطاء الفكري بما لا ينتجه عقله القصدي!! ثم قال لي: هناك باحثة اسمها سوزان حرفي، أجرت معي حوارات مطولة في كل فكري ومسيرتي العلمية، وسيصدر كتابها بعنوان "حوارات سوزان حرفي مع عبد الوهاب المسيري".. مات المسيري رحمه الله، وصدر الكتاب في أربعة مجلدات رائعة ثرية، جزء في العلمانية، وجزء في الحداثة وما بعد الحداثة، وجزء في المنهج، وجزء في الحركة الإسلامية. وقد طبعتها دار الفكر بدمشق. وفي معرض الكتاب العام الماضي في الكويت أهداني الأستاذ محمد عدنان سالم صاحب دار الفكر الكتاب، وقال: رحم الله المسيري، كان يتمنى رؤية هذا الإصدار. قطعاً ستقرأ في هذا الكتاب تحليلاً يختلف في آفاقه عن غيره من المفكرين الذين تناولوا الموضوعات ذاتها، وستدعو لي وله ولسائر من تحب والسلام.

زيورخ- محمد العوضي       

إضافة تعليق

18 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.