شبابنا نهب للضياع وفقدان الثقة بالنفس وهموم الحياة

أين تكمن أهمية الشباب في المجتمع ، ومن أين جاءت هذه الأهمية ؟ وكيف نلمس عناية الإسلام بهذه الشريحة (الشباب) ثم ما هي حقوق الشباب التي تعتبر امتداداً للشخصية الفردية للشباب العربي المسلم، وفي الوقت نفسه تعتبر مجالاً واقعياً لتحقيق شخصيته العامة، وذاتيته أثناء الممارسة ؟ و ما هي المشكلات الحقيقية التي يعيشها شبابنا العربي المسلم في هذا العصر ؟ ثم ما هي الحلول المستمدة من الإسلام لمواجهة هذه التحديات ؟

هذه النقاط شكلت أهم المحاور في لقائنا مع الدكتور وهبة الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق ومؤلف موسوعة الفقه الإسلامي، وموسوعة "التفسير المنير" إضافة إلى العديد من الكتب الإسلامية الأخرى..

  • أين تكمن أهمية الشباب في المجتمع ، ومن أين جاءت هذه الأهمية ؟

**    الشباب في كل مجتمع هم عدة الحاضر وأمل المستقبل، فهم الجيل الذي سيملأ الحياة الخاصة والعامة بكل ثقلها والقيام بأعبائها، وتسلم مقاليد الأمور فيها، فإذا لم يكن المجتمع قادراً على الإفادة من هذه الطاقات،ولم يحسن إعداد الجيل الصاعد إعداداً سليماً متكافئاً ليؤدي الرسالة ويقوم بالأمانة فإن الأمة تكون خاسرة خسراناً شديداً.

ومخطط الإسلام في التحذير من هذه النتيجة والعمل على تحقيق أفضل الثمرات للمستقبل القريب واضح في قول النبي عليه السلام :{كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته}، والذي ينكر دور الشباب ولا يقدر طموحاتهم ولا يحسن الاستفادة من مواهبهم وقدراتهم وافكارهم يحكم على نفسه بالقصور وعلى أمته بالشلل والعجز ، وكأنه يفتح عيناً ويغمض العين الأخرى، معطلاً البصيرة ومهملاً دور العقل والوعي والواقع العملي.

 

  • كيف نلمس عناية الإسلام بالشباب ؟

**    لقد عني الإسلام عناية جذرية ملموسة بفئة الشباب من خلال التربية والإعداد ، واستطاع الإسلام العظيم كسب هذه الفئة فقد كان على عواتق الشباب نصرة الإسلام وإعزازه ، ونشره والاستماتة في الدفاع عن مبادئه وقيمه وتطلعاته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :{لقد نصرني الشباب ، وخذلني الشيوخ}.

لقد كانت المرحلة المكية في تاريخ الدعوة الإسلامية مرحلة بناء الشباب وإعداد الشخصية الإسلامية الفذة المتفانية في العطاء الحريصة على التضحية بكل الجهود الجبارة، والاستهانة بالراحة والشهوات أو الملذات المادية ، والانطلاقة نحو غد باسم مشرق يسطر تاريخ الأمة بأحرف من نور ، وبجهاد مستميت من أجل إعلان كلمة الله تعالى، وتم قطف الثمار في العهد المدني بعد الهجرة بناء على القاعدة الصلبة التي بني عليها فكر الشباب ، وتزويده بالعقيدة الصحيحة ، وتوجيهه إلى ساحات الجهاد ومقاومة الأعداء الذين أحاطوا بالدعوة الإسلامية ورجالاتها بقصد خنقها وتقويض رسالتها ، وإطفاء شعلة الحق والإيمان فيها.

ولم يهمل الإسلام بجانب الإعداد المعنوي للشباب العناية بالجانب المادي أو المعاشي والاقتصادي فهم بشر من لحم ودم لهم إحساساتهم ومشاعرهم ومعاناتهم وهمومهم، فالشاب يريد أن يبني أسرة ويعيش عيشة كريمة ، فوفر الإسلام للشباب سبل الحياة المعتادة ، ثم نظمها ووجهها الوجهة السامية الكريمة ونزلت آيات القرآن الكريم تنظم شؤون الزواج والميراث والأسرة والأولاد وكانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العملية في أخلاقه الخاصة، ومعاملته الكريمة لأهل بيته، ولصحبه الكرام مثلاً أعلى للقائد الفذ الرحيم، والأب العام الرؤوف بجميع المسلمين .

وكان تكوين الشباب وبناء شخصياتهم الذاتية المتكاملة على مائدة الوحي القرآني على نحو يغاير مألوفات الجاهلية هو السبب الجوهري في تكوين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وضحوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل مرضاة الله ، وكانت ممارسات الشباب صوراً مشرقة عالية لجند الله وحزبه الذين قوضوا صروح الوثنية وبددوا فوضى الجاهلية وحطموا كبرياء العصبية القبلية ، وأبادوا عروش القياصرة والأكاسرة، وكان هذا الشعور بالعزة الإيمانية والعمل من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض ، والانطلاق في سياحة الأمة الإسلامية وهي الجهاد في سبيل الله.

إن هذه الممارسات لشباب الإسلام في الماضي والحاضر والمستقبل تعتبر هي المناخ الصالح لإعادة مجد الأمة الإسلامية وإثبات كفاءة المؤمنين للقيادة العالمية الناجحة ، وتحقيق الذات المسلمة المتعالية عن المطامع الرخيصة والمكاسب الوضيعة ، لأن شباب الدعوة هم عناصر خير وشموع التقدم في كل زمان ومكان ، وكان شعارهم الدائم ورائدهم في تحقيق الذات وبناء الشخصية المعتدلة غير المتغالية أو المفرطة بالاعتداد بالنفس هو قول الله تبارك وتعالى : ?إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيرا، وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذاباً أليما? .

 

  • ما هي المشكلات الحقيقية التي يعيشها شبابنا العربي المسلم اليوم ، وما تفسير الحيرة التي يعانيها هؤلاء الشباب إزاء التحديات الأجنبية للثقافة الإسلامية ؟

**    إن مشكلات الشباب المسلم كثيرة ومتعددة تختلف باختلاف البلاد ، فالبلدان الأقل انتعاشاً اقتصادياً يتعرضون لكل المصاعب والأزمات والعقد النفسية والإحباط والتشاؤم من تحقيق المصالح الخاصة ، وهم في مواجهة غيرهم يشعرون بأعماق نفوسهم بالانهزام وفقد الثقة بالذات والتشاؤم أمام سيل وسائل الحضارة والترف العالمي ، أما البلدان المنتعشة اقتصادياً فهم أشد ضياعاً وبعداً عن واقع الحياة الأمثل ، فهم إن حققوا مآربهم الخاصة لكنهم بعيدون كل البعد عن التفاعل مع دورهم الحيوي والخطير في بناء سيرة وسمعة ومجد وتفوق، نحن أحوج إليها من الطعام والشراب وجميع المتع الدنيوية، ويكون الشباب المسلم من الفريقين بين متاهة الضياع وهموم الحياة، وبين فقد الثقة بالذات والقعود عن توجيه نفسه نحو الأفضل، في أسوأ حال معاصرة ، أنهم إن سافروا للخارج أو شاهدوا معطيات الحضارة الحديثة ، وأثيرت مشاعرهم أحياناً أمام التحديات الثقافية والتراث الإسلامي، حاروا حقاً في الأمر، ولم يملكوا أن استطاعوا إلا إخفاء ذواتهم وتعمية معرفتهم والهروب من واقعهم إلى عالم اللهو والفساد، أو ما يعرف بالسياحة الجنسية، علماً بأنهم لا تنقصهم متع الحياة في بيئتهم ومجتمعهم ، إن الآخرين يتقدمون ونحن نتأخر ونتخلف ، بالرغم من الكثرة العددية الهائلة لكنها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم :{غثاء كغثاء السيل}، إن الآخرين تقدموا بالعلم والتقنية والنهضة الصناعية ، ونحن إما أدوات خدمة لصروح مدنية الغرب في المجتمعات والمعامل والقواعد العلمية ، وهذا ما يعرف بأزمة هجرة الأدمغة العربية، وإما في جهل واقعي مطبق، وإن كانت البلاد العربية تغض بالجامعات والمدارس والخريجين الألوف المؤلفة، ولكن هذه المؤسسات كلها تعيش في غربة عن البحث العلمي الجاد، أو في بعد عن استعمال مواهبهم وكفاءاتهم في مصانع عربية أو إسلامية.

 

  • ماذا تقترحون من المواقف المستمدة أصلاً من الإسلام في مواجهة هذه التحديات ، حفاظاً على الأصالة والشخصية الإسلامية ؟

**    إن الطريق الصحيحة لمواجهة تحديات الغرب تتحدد في تخطيط أفضل وجرأة أكبر، وثقة بالنفس واعتماد على الذات وتوحيد الطاقات والتنسيق بينها، وحرية لقبول النقد البناء وتصحيح مسار العلم في الجامعات والمجتمع ، وجهاد قويم وإعداد جيل مؤمن غني بمعرفة افسلام فكراً ومنهجاً وممارسة ، وبعد عن المفاخرة بالماضي وتفاعل مع متطلبات المعاصرة، والاستفادة من الموارد الضخمة في بناء جيش قوي وتسلح بأحدث وأمتن وأقوى الأسلحة الحديثة في مجال التصنيع الذاتي ، لا في الاستيراد والاعتماد على الآخرين، ولا في الأسلحة الخفيفة ، وإنما في المصانع الثقيلة ، إن تطوير العلوم الحديثة ضرورة إسلامية وعربية، وإن فهم الإسلام فهماً متطوراً في التنفيذ والبناء، لا في التقليد وترداد النظريات ضرورة حتمية أيضاً ، فلم يعد أحد في العالم يثق بالوجود الإسلامي أو العربي،ما لم تكن هناك براهين واقعية وإثباتات ذاتية على إنجاز حضاري معين من غير تقليد ولا محاكاة، ولعل الانهزام الذريع في قافلة السلام أشد وأنكى وأكثر خيانة من هزيمة المعارك الحربية مع الصهيونية ومؤسساتها.

  • هل لدى الإسلام الحلول الجدية التي تزيل المعوقات أمام الشباب في كفاحهم لبناء مستقبلهم ، بمعنى هل في الإسلام إقرار لحقوق وتشريعات تحفظ حق الشعب بأسره، وليس الشباب فقط ؟

**    نعم وألف نعم، ففي الإسلام حلول الدنيا والآخرة، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وطريق الإصلاح : العمل والعلم، والأخلاق والتربية، والإعلام والتوجيه ، وتعميم الفائدة من الثروة العامة، والتعاون والتراحم والتكافل ، وتقوية الثقة بالذات والإخلاص في العمل وإتقانه، والعودة إلى شرع الله وهديه، والعناية بمنهج القرآن في المدرسة والبيت والمجتمع والتثقيف بثقافة الإسلام الصحيحة أي السلوكية الهادفة ، ونشر ألوية الحرية المتعقلة والعدالة الواقعية ، والشورى الحقيقية غير الرمزية ، وإعداد جيل مجاهد يحس بواقع المسلمين ومرارة حالهم، ودراسة مخططات الدوائر الاستعمارية – الصهيونية ، ومحاولة تدميرها أو الالتفاف عليها بفكر واعٍ هادئ بعيد عن العاطفة المشبوبة غير المسلحة بالعلم ووعي الواقع ، وتجاوز مرحلة الضعف أو الانهزام أمام الفكر العالمي ، والقيام بالواجب على نحو عام، واتجاه جماعي..

لقاء نشر في جريدة " الوطن" العمانية

 وحيد تاجا  من دمشق                                              

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.